أنت وحدك الجزء الثالث
همسات الماضي وبصيص الأمل
بقلم ليلى الأحمد
كانت نسمة العليل تهبّ بلطف عبر شرفة منزل ياسمين، حاملةً معها عبق الياسمين الذي لطالما ربطته بذكريات جميلة، ولكنه بات اليوم يحمل ألمًا خفيًا. جلست ياسمين، والقلب يعتصرها، تتأمل في قمرٍ بدا شاحبًا كوجهها. إنّ الأيام التي تلت إعلان خطوبتها على الدكتور عمار كانت أشبه بسلسلة متواصلة من التحديات. لم تكن المشكلة في عمار نفسه، فهو كان النقيض لما كانت تخشاه؛ رجلٌ تقيٌّ، ذو أخلاقٍ رفيعة، ورؤيةٍ واضحةٍ لمستقبلهما معًا. كان يسعى دائمًا لراحتها، يتحدث إليها بعين الاحترام، ويستمع إلى همومها بشغفٍ صادق. ولكن، كيف لها أن تقبل بيده وهي لا تزال أسيرة ذكرى رجلٍ آخر، رجلٍ كان حبّها الأول والأخير؟
كانت رؤية والدة عمار، السيدة فاطمة، تشكل عبئًا إضافيًا. لم تكن السيدة فاطمة سيئةً بطبيعتها، بل كانت امرأةً عانت الكثير في حياتها، وفقدت زوجها مبكرًا، ممّا جعلها متعلقةً بابنها الوحيد بشدة. كانت ترى في ياسمين منافسةً على وقت عمار واهتمامه، وكانت تعبر عن ذلك بطرقٍ ملتويةٍ، عبر انتقاداتٍ مبطنةٍ لأطباقها، أو تعليقاتٍ عن مدى استهلاك الوقت الذي يقضيانه معًا. "ياسمين يا ابنتي، عمار تعبٌ جدًا في عمله، ألا ترين أنّه يحتاج للراحة بدلًا من الخروج كلّ مساء؟" كانت تقولها بابتسامةٍ مصطنعةٍ، بينما كانت عيناها تراقب رد فعل ابنتها.
في المقابل، كانت شقيقته الكبرى، ليلى، تحاول التوفيق بينهما. كانت ليلى تفهم جيدًا طبيعة ياسمين الحساسة، وتدرك أنّه لا يمكن إجبارها على حبٍ لم ينبع من تلقاء نفسها. حاولت مرارًا التحدث إلى والدتها، ولكن دون جدوى. "يا أمي، ياسمين فتاةٌ طيبةٌ، وعمار يحبها. دعيهما يستمتعان بوقتهما، الحياة لن تدوم." كانت ليلى تقول، ولكن السيدة فاطمة كانت ترفع حاجبيها وتجيب: "الحبّ يا ليلى يأتي مع الزواج، وليس قبله. وهل تأكدتِ أنتِ من حبّها لعمار؟"
أما عن طليقها السابق، السيد خالد، فقد ظلّ شبحًا يلوح في الأفق. بعد انفصالهما، حاول خالد مرارًا إعادة التواصل مع ياسمين، مدعيًا ندمه وتغيّره. كان يرسل لها رسائلٍ طويلةً، يعبر فيها عن اشتياقه، ويتحدث عن ماضيهما المشترك. في البداية، كانت ياسمين تتجاهل هذه الرسائل، ولكن مع تزايد الضغط عليها وعلى عائلتها، بدأت تشعر بقلقٍ متزايد. كانت تخشى أن يستغل خالد ضعفها أو يهدد سمعتها.
في أحد الأيام، وبينما كانت ياسمين تساعد والدتها في تجهيز حلوياتٍ للعائلة، رنّ هاتفها. كان الرقم مجهولًا. ترددت قليلًا ثم أجابت. صوتٌ رجوليٌّ عميقٌ، ولكنه يحمل نبرةً غريبة، قال: "ياسمين؟ هل تتذكرينني؟" شعرت ياسمين برجفةٍ تسري في جسدها. "من أنت؟" سألت بصوتٍ مرتجف. ابتسم المتحدث، ابتسامةً لم ترها في حياتها. "أنا خالد. أردت فقط أن أخبركِ شيئًا مهمًا."
كانت كلماته أشبه بطعناتٍ في قلبها. "أرجوك يا سيد خالد، لا أريد التحدث إليك." قالت بصوتٍ حازم، لكنه لم يكن كذلك حقًا. "لكنّ هذا الأمر يخصّنا، ويخصّ مستقبلكِ." قال ببرودٍ يخيفها. "ما هو؟" سألت بتوجس. "لا أريدكِ أن تندمي يا ياسمين. ربما يكون هذا الزواج أفضل لكِ. ربما تجدين فيه ما لم تجديه معي." كان يتحدث وكأنّه يمنّ عليها.
"ماذا تقصد؟" سألت، وقلبها يخفق بعنف. "أنا فقط أحذركِ. تأكدي من قراركِ جيدًا. الحياة ليست لعبة." ثم أغلق الخط. تركت ياسمين الهاتف وسقطت على الكرسي، وهي تشعر ببرودةٍ غريبةٍ تسري في عروقها. هل كان خالد يحاول تهديدها؟ أم أنّه كان يحاول حقًا نصحها؟ لم تعد تدري.
في هذه الأثناء، كان عمار يواجه تحدياته الخاصة. بعد أن أصبح مساعدًا لرئيس قسمه، تعرض لضغوطٍ متزايدةٍ في العمل. كان هناك زميلٌ له، الدكتور منصور، يحاول التقليل من شأنه والتنافس معه على المناصب. كان الدكتور منصور رجلًا ماكرًا، يتقن فنّ زرع الفتن والتفريق بين الزملاء. كان يعلم بعلاقة عمار بياسمين، وكان يحاول استغلال ذلك لصالحه.
في أحد اجتماعات القسم، طرح الدكتور منصور فكرةً لمشروعٍ كبيرٍ يتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين. كان يعلم أن عمار متحمسٌ لهذا النوع من المشاريع، وأراد أن يضعه في موقفٍ صعب. "يا دكتور عمار، أعرف أنك مهتمٌ بهذا المجال. هل أنت مستعدٌ لتولي مسؤولية هذا المشروع؟" سأل بابتسامةٍ صفراء. نظر إليه عمار بثبات. "بالطبع يا دكتور منصور، أنا على أتمّ الاستعداد."
قال الدكتور منصور بتهكّمٍ خفيٍّ: "هذا رائع! أتمنى أن لا يؤثر هذا على التزاماتك الشخصية، خاصةً وأنّ لديكِ خطوبةً قادمة. الزواج يتطلب الكثير من الوقت والجهد، أليس كذلك؟" لم يمنع هذا الكلام عمارًا من الابتسام. "إنّ التوفيق بين الحياة العملية والشخصية هو فنٌّ وإتقانٌ يا دكتور. وسأثبت لك ذلك."
كانت هذه الكلمات بمثابة تحدٍ مباشرٍ للدكتور منصور، الذي شعر ببعض الإحباط. لكنه لم يستسلم. قرر أن يراقب عمار عن كثب، ويبحث عن أيّ فرصةٍ للانتقام.
في نهاية اليوم، وبينما كان عمار يسير عائدًا إلى منزله، توقف أمام شجرةٍ قديمةٍ عند مدخل الحيّ. رفع بصره إلى السماء، متسائلًا إن كانت هذه العقبات هي اختبارٌ من الله، أم مجرد صدفٍ تعسفية. تذكر كلمات والده قبل وفاته: "يا بني، الحياة ساحةٌ للابتلاء. كن قويًا، وصابرًا، واجعل ثقتك بالله وحدها." استجمع قوته، وأخذ نفسًا عميقًا، واستمر في السير، وقلبه مليءٌ بالإيمان، وعقله مليءٌ بالأمل، بأنّ الحبّ الحقيقي، إذا كان نقيًا وصادقًا، قادرٌ على تجاوز كلّ العقبات.
كانت هذه الليالي تمرّ ثقيلةً على ياسمين. كلّما أغمضت عينيها، رأت وجه خالد، أو سمعت كلمات والدة عمار، أو شعرت ببرودة رسائل خالد. كانت تدرك أنّ ما بينها وبين عمار يحتاج إلى بذل جهدٍ أكبر، ليس فقط في بناء الحبّ، بل في ترميم جراح الماضي. ولكن، كيف يمكن ترميم جراحٍ لا تزال تنزف؟ أغمضت عينيها، ورسمت في خيالها ابتسامة عمار، ويديه التي تحمل يدها، متمنيةً أن تجد القوة لتسير نحو المستقبل، حتى لو كان طريقها لا يزال غامضًا.