أنت وحدك الجزء الثالث
لقاءاتٌ عابرةٌ وهمساتٌ خفية
بقلم ليلى الأحمد
شعر عمار ببعض الانزعاج بعد تعليقات الدكتور منصور، لكنه لم يسمح لها بالوصول إلى أعماق نفسه. كان يعلم أن هدف منصور هو زعزعة استقراره، وهذا لن يحدث. كان لديه مهمةٌ أسمى، وهي بناء مستقبلٍ مشرقٍ مع ياسمين. لذلك، قرر أن يضع حدًا لهذه المضايقات بطريقته الخاصة. في اليوم التالي، وبعد انتهاء اجتماع القسم، اقترب من مكتب الدكتور منصور.
"مساء الخير يا دكتور منصور." قال عمار بهدوءٍ وابتسامةٍ ودودة. نظر إليه منصور باستغراب. "مساء النور يا دكتور عمار. هل تحتاج شيئًا؟" سأل بنبرةٍ فيها شيءٌ من التساؤل. "في الحقيقة، أردت أن أتحدث معك قليلًا." قال عمار، وجلس على الكرسي المقابل. "علمت من خلال ملاحظاتي أنك تبدو قلقًا بشأن بعض الأمور المتعلقة بمشروعي. هل هناك ما يقلقك؟"
صُدم منصور من هذا الأسلوب المباشر. كان يتوقع مواجهةً أو دفاعًا، وليس هذا النوع من الحوار الهادئ. "لا، ليس هناك ما يقلقني. أنا فقط أحرص على سير الأمور بسلاسة." قال بتردد. "بالتأكيد، وهذا ما نريده جميعًا." رد عمار. "ولكن، هل تعتقد أن استثمار الوقت في التشكيك في قدرات الآخرين هو أفضل طريقة لضمان سلاسة الأمور؟ ألا ترى أن التعاون والتكاتف هو ما يصنع النجاح الحقيقي؟"
تصبّب منصور عرقًا. كان يشعر بأنّ عمار يقرأ أفكاره. "أنا لا أشكك في قدرات أحد يا دكتور عمار. أنا فقط أرى الواقع." قال محاولًا استعادة ثباته. "وما هو هذا الواقع الذي تراه؟ هل هو واقعٌ مبنيٌ على الحقائق، أم على التوقعات؟" استمر عمار في طرح الأسئلة، كلّ سؤالٍ يشبه ضربةً خفيفةً تهزّ جدار منصور الواهي. "أنا مهتمٌ جدًا بهذا المشروع، وأعلم أنه سيحقق نتائج رائعة. ولكن، لكي يتحقق ذلك، نحتاج إلى بيئةٍ عملٍ إيجابية، بعيدًا عن المنافسات السلبية. ألا توافقني الرأي؟"
نظر منصور إلى عمار، ورأى في عينيه صدقًا وقوةً لم يستطع تجاهلهما. لقد أدرك أن هذا الشاب لم يكن مجرد زميلٍ، بل منافسٌ قويٌ، ولكن بطريقةٍ محترمة. "أنا... أوافقك الرأي يا دكتور عمار." قال بصوتٍ منخفض. "حسنًا. إذا، دعنا نتفق على أن نجعل هذا المشروع تجربةً ناجحةً لنا جميعًا. ولأيّ استفسارٍ أو اقتراحٍ، أنا موجودٌ دائمًا. وربما، في المستقبل، يمكننا أن نتعاون في مشاريع أخرى."
خرج عمار من مكتب منصور وهو يشعر براحةٍ كبيرة. لقد أثبت لنفسه وللآخرين أنّه يستطيع مواجهة التحديات بعقلٍ رازانٍ وقلبٍ قوي.
في هذه الأثناء، كانت ياسمين تشعر بضيقٍ متزايد. كانت تتذكر كلمات خالد، وتفكر في كيفية التصرف. قررت أن تطلب المساعدة من صديقتها المقربة، سارة. كانت سارة فتاةً عمليةً، ذات رؤيةٍ واضحةٍ للحياة.
"يا سارة، أنا في ورطةٍ حقيقية." قالت ياسمين بصوتٍ متعب، وهي تجلس مع سارة في مقهى هادئ. "ما الذي يحدث؟" سألت سارة بقلق. بدأت ياسمين بسرد كلّ ما حدث مع خالد، وكيف أنّه يحاول التواصل معها بشكلٍ مستمر. "لا أفهم ما الذي يريده. هل يحاول إفساد خطوبتي؟ أم أنّه يحاول تذكيري بماضينا؟"
استمعت سارة إلى صديقتها بصبر. "ياسمين، أنتِ تعرفين خالد جيدًا. هو رجلٌ يحب السيطرة. ربما يحاول إقناع نفسه بأنّه لا يزال يملك تأثيرًا عليكِ." قالت سارة. "ولكن، ما الذي يجب أن أفعله؟ أشعر بالخوف." "الخوف لن يفيد. ما تحتاجين إليه هو القوة والثبات." ردت سارة. "أولًا، عليكِ أن تتوقفي عن الرد على رسائله أو الرد على مكالماته. يجب أن تقطعي هذا الحبل تمامًا. ثانيًا، أخبري عمار بكلّ شيء. هو خطيبك، ويجب أن يعرف ما تمرّين به. لا تخافي من رد فعله، عمار رجلٌ ناضجٌ ويفهم."
ترددت ياسمين. "ولكن، ماذا لو ظنّ أنّني ما زلت متعلقةً به؟" "عمار يحبك، وسيصدقك. وإذا لم يصدقك، فهو ليس الرجل المناسب لكِ. ولكنني أثق بأنّه سيفهم." قالت سارة بحزم. "والسيدة فاطمة؟ ماذا عن والدة عمار؟" سألت ياسمين بقلق. "سنواجهها نحن الاثنين. إذا حاولت أن تقلل من شأنكِ، سأكون أنا هنا لدعمك."
بعد هذا اللقاء، شعرت ياسمين بقليلٍ من الراحة. قررت أن تتبع نصيحة سارة. في مساء ذلك اليوم، عندما اتصل بها خالد مرةً أخرى، قررت أن لا تجيب. بل، قامت بحظره من هاتفها. شعرت بشعورٍ غريبٍ بالتحرر.
ثم، بعد صلاة العشاء، طلبت من عمار أن يأتي لرؤيتها. عندما وصل، كانت تترقب قدومه وقلبها يدق بعنف. جلسا في الصالة، وبدأت ياسمين تتحدث. "عمار، هناك شيءٌ أريد أن أخبرك به. وهو يتعلق بماضيّ." نظرت إليه بعينين مليئتين بالخوف والأمل.
بدأ عمار بالاستماع إليها بعناية، وهو يرى في عينيها صدقًا وألمًا. سردت له كلّ شيءٍ عن خالد، وعن محاولاته للتواصل معها، وعن رسائله، وخوفها منه. عندما انتهت، ساد صمتٌ ثقيلٌ في الغرفة.
نظر إليها عمار، ومدّ يده ليمسك بيدها. "ياسمين، أشكركِ على ثقتكِ بي. وأنا أصدقكِ. ما حدث في الماضي لا يهمّني بقدر ما يهمّ مستقبلي معكِ." قال بصوتٍ حنون. "ولكن، هل هذا يعني أنك لم تعد تشعر بشيءٍ نحوه؟" سألت ياسمين، وهي تشعر بأنّها تختبر صدق عمار.
ابتسم عمار ابتسامةً دافئة. "يا ياسمين، ما بيني وبينكِ هو ما يبني المستقبل. الماضي يجب أن يكون درسًا، وليس سجنًا. وأنا لا أريدكِ أن تكوني سجينةً لماضيكِ." ثم تابع: "أنا أحبكِ، وهذا الحبّ هو ما يمنحني القوة لأتجاوز أيّ عقبة. لذلك، لا تقلقي بشأن خالد. أنا هنا، وسأكون دائمًا إلى جانبكِ."
شعرت ياسمين بارتياحٍ عميق. كانت هذه الكلمات كالدواء لروحها. ولكن، في عمق قلبها، ظلّ هناك خوفٌ صغيرٌ، خوفٌ من أن يكون خالد قد بدأ بالفعل في تنفيذ خططه.
في تلك الليلة، كان عمار يفكر في حديثه مع ياسمين. كان يعلم أن خالد قد يكون شخصًا خطيرًا. قرر أن يبلغ والده، السيد أحمد، بكلّ شيء. كان السيد أحمد رجلًا حكيمًا، ولديه خبرةٌ كبيرةٌ في الحياة.
"أبي، هناك أمرٌ يقلقني." قال عمار وهو جالسٌ مع والده في مكتبه. سرد له كلّ التفاصيل، وشرح له كيف أن خالد يحاول التدخل في حياته.
استمع السيد أحمد إلى ابنه بصبر، ثم قال: "يا بني، ما يحدث هو اختبارٌ من الله. حافظ على هدوئك، وثق بنفسك وبزوجتك المستقبلية. إذا كان خالد يحاول إزعاجكم، فهذا يعني أنّه يرى في سعادتكم تهديدًا لوجوده. ولكن، لا تخف. سنواجهه معًا."
"ولكن، كيف؟" سأل عمار. "سننتظر ونرى. لا تتسرع في رد فعلك. وأهمّ شيء، حافظ على علاقتك بياسمين قويةً وصادقةً. لا تدع أيّ شخصٍ يفسد ما بينكما."
شعر عمار بالأمان وهو يتحدث مع والده. كانت كلماته كبلسمٍ شافٍ. ولكن، في عقله، كان يخشى ما قد يأتي. هل كان ما حدث هو مجرد بداية؟