أنت وحدك الجزء الثالث
سرٌّ يتكشّف في ليالي الشتاء
بقلم ليلى الأحمد
تسربت برودة الشتاء القارسة إلى أركان منزل الحاج محمود، لكنها لم تكن سوى ظل باهت مقارنة بالبرد الذي استقر في قلب سارة. منذ ذلك اللقاء المفاجئ مع الدكتور أحمد، الذي ما كان ينبغي أن يحدث، وكل شيء حولها بدا معتماً. كانت تجلس بجوار المدفأة، تتأمل ألسنة اللهب المتراقصة، وكأنها تبحث فيها عن إجابة لأحزان لم تعرف مصدرها سوى أنها احتلت كيانها. كانت كلمات أمها الأخيرة تتردد في أذنيها كصدىً مؤلم: "أحمد يا ابنتي، هو قدرك الذي لا مفر منه".
لم تكن تفهم. كيف يمكن لمن عاشت معه أجمل ذكريات طفولتها، لمن كان أخاً وصديقاً، أن يصبح "قدرها"؟ وكيف حدث أن اختفى دون كلمة، ليعود فجأة، وقد تغير كل شيء؟ نظراته تلك حين التقيا في السوق، كانت تحمل مزيجاً من الشوق والاعتذار، لم تفهمه، ولم تجرؤ على تفسيره.
جاءت ليلى، شقيقتها الصغرى، تحمل صينية بها فنجانان من الشاي الساخن. جلست بجانب سارة، ومدت يدها لتلمس جبينها. "ما زلتِ شاحبة يا سارة. هل أنتِ بخير؟"
تنهدت سارة، محاولةً إخفاء قلقها. "مجرد إرهاق يا ليلى. لا تقلقي."
"الإرهاق لا يجعل عينيكِ تتوهجان هكذا. هناك شيء ما. هل له علاقة بـ... الدكتور أحمد؟"
تجمدت سارة. كيف عرفت ليلى؟ أم أنها مجرد تخمين؟ "من أين لكِ هذا؟"
"منذ عودته، وأنتِ مختلفة. صامتة، شاردة. حتى أنكِ تتجنبين النظر في وجه أمي. وأمي... أمي تخبرني دائماً أن أحمد كان وسيظل أقرب الناس إلينا. قالت إن هناك حقيقة خلف كل ما حدث، وأن الزمن سيظهرها."
ازدادت حيرة سارة. "حقيقة؟ أي حقيقة يا ليلى؟"
"لا أعرف بالضبط. لكنها قالت إن الأمر يتعلق بمسؤولية، بشيء لم يكن أحمد ليتحملها إلا لو كان... لو كان واجباً عليه."
لم تستوعب سارة كلام ليلى تماماً. مسؤولية؟ واجب؟ نظرت إلى أختها، التي كانت تبدو قلقة وعاجزة عن فعل شيء. "هل تحدثتِ مع أمي عن هذا؟"
"حاولت. لكنها تتهرب، تقول إن الوقت غير مناسب. إنها تنتظر اللحظة المناسبة لتقول لنا كل شيء."
"كل شيء؟" كررت سارة، وقلبها يدق بعنف. ما هو هذا "الكل شيء" الذي يشكل عبئاً على أمها، ويجعل أحمد يتصرف بهذه الغرابة؟
في تلك الليلة، لم تستطع سارة النوم. تقلبت على فراشها، وعقلها يعج بالأسئلة. كانت الذكريات تتوالى أمام عينيها: أحمد وهو طفل يداعبها، أحمد وهو شاب يعدها بأن يكون سندها، أحمد وهو يختفي تاركاً وراءه فراغاً كبيراً. هل كانت هناك قصة حب لم تعرف بها؟ هل كانت هناك اتفاقات سرية بين عائلتها وعائلته؟
في صباح اليوم التالي، استيقظت سارة مبكراً. قررت أن تواجه أمها. دخلت إلى غرفة والدتها، وجدتها تقرأ القرآن بصوت خافت، وقد بدا عليها أثر السهر. جلست بجوارها، وانتظرت أن تنتهي.
"صباح الخير يا أمي."
فتحت والدتها عينيها، وبدت عليها علامات الدهشة. "صباح النور يا ابنتي. ما الذي أتى بكِ في هذا الوقت؟"
"أمي، لا أستطيع أن أحتمل هذا الغموض بعد الآن. أريد أن أعرف الحقيقة."
ارتعش صوت والدتها وهي تجيب: "أي حقيقة يا سارة؟"
"حقيقة اختفاء أحمد. حقيقة مشاعره. حقيقة ما تخفينه عني وعن ليلى. أمس، ليلى تحدثت معي عن مسؤولية، عن واجب... ما كل هذا؟"
تغير وجه الأم، واكتسى بالحزن العميق. تنهدت بعمق، ووضعت يدها على يد ابنتها. "يا سارة، هناك أمور في الحياة لا يمكن كشفها إلا في وقتها. وأحمد... أحمد كان له دور في حياتنا أكبر مما تتصورين."
"دور؟ أي دور؟"
"لقد وعدنا، يا ابنتي. وعدنا والده قبل أن يتوفاه الله، أن يكون سنداً لنا، وأن يرعى أسرتنا. وخاصة... وخاصة أنتِ."
اتسعت عينا سارة. "يرعاني؟ كيف؟"
"عندما علمنا بمرض والدك، وبأن الأطباء لم يمنحوه وقتاً طويلاً، اجتمع بنا أحمد ووعده بأن يتزوجكِ إذا حدث مكروه له. كان هذا قبل أن يتوفى والدك بسنة. لكن ظروفاً طرأت، لم تكن في الحسبان."
كانت كلمات والدتها كالصواعق. سارة لم تستوعب. زواج؟ أحمد؟ وهل كانت تعلم بهذا؟ "لم تعلمي بهذا يا أمي؟"
"علمت. ولكن... لم يكن الوقت مناسباً. كان أحمد شاباً، وكان يدرس في الخارج. ثم حدث ما حدث، واختفى. كنا نعتقد أنه تخلى عن وعده، أو أن الظروف حالت دون ذلك. لكن يبدو أن القدر أراد له العودة، ليرى ما إذا كان بإمكانه الوفاء بما وعد."
كانت سارة في حالة ذهول. شعور بالخيانة، والارتباك، والخوف، اجتاحها. هل كانت كل هذه السنوات مجرد مسرحية؟ هل كان أحمد يرى فيها فتاة يجب أن يرعاها، وليس فتاة يمكن أن يحبها؟
"ولماذا لم تخبريني من قبل؟" سألت بصوت مختنق.
"كنت أخاف عليكِ. كنت أعرف أنكِ لم تكوني مستعدة. وبعد أن اختفى أحمد، كنا نظن أن الأمر قد انتهى. لكن عندما عاد، ورأيت الارتباك في عينيكِ، والعرض الذي قدمه، علمت أن الزمن قد حان. أحمد لم يعرض الزواج عليكِ عن عبث، بل وفاءً لوعد قطعه لوالدك. ووعد الوالد لا يُستهان به."
"لكنه وعدٌ لم أعلم به! لم يكن لي رأي فيه!" صرخت سارة، ودموعها بدأت تتساقط. "هل هذا عدل يا أمي؟ أن تجبريني على الارتباط بشخص لم أختره، بناءً على وعد قديم؟"
"ليس إجبار يا ابنتي. هو عرض. عرضٌ أمامكِ. أحمد رجل صالح، وسيُتقي الله فيكِ. ولكن القرار لكِ. هو فقط يحاول الوفاء بوعده."
"وعدٌ لا يعنيني!" قالت سارة، وهي تشعر بأنها محاصرة. هي الآن تعرف الحقيقة، لكنها حقيقة ثقيلة، تثقل كاهلها، وتجعل مستقبلها يبدو غامضاً ومخيفاً. كان أحمد يريد الوفاء بوعد لوالدها، لكن سارة كانت تبحث عن حب حقيقي، عن ارتباط ينبع من القلب، وليس من واجب قديم. الآن، أصبح عليها الاختيار بين ما تفرضه عليها العائلة والواجب، وبين ما تشعر به روحها.
نظرت والدتها إليها بعينين دامعتين. "أتفهم يا ابنتي. أتفهم مشاعركِ. ولكن فكري جيداً. أحمد لم يطلب منكِ شيئاً لم يكن من حق والدكِ أن يطلبه. والآن، القرار في يدكِ. ولكن اعلمي أن وراء كل قرار، هناك مسؤولية."
خرجت سارة من الغرفة، وقلبها يعتصر ألماً. كانت الحقيقة قد تكشفت، لكنها لم تجلب الراحة، بل زادت من حيرتها وعمقت جراحها. شعرت بأنها في مفترق طرق، وأن القرار الذي ستتخذه سيغير مجرى حياتها إلى الأبد. كانت تعلم أن أحمد سينتظر قرارها، وأن عليها أن تواجهه قريباً. لكن كيف يمكنها أن تواجه رجلاً يحمل وعداً قديماً، ورجلاً قد يكون فيه نجاتها، وقد يكون سبباً في تعاستها؟