أنت وحدك الجزء الثالث
رسالةٌ تحملُ ثقلَ الماضي
بقلم ليلى الأحمد
عادت سارة إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها. جلست على حافة السرير، وشعرت بأن العالم كله قد انهار فوق رأسها. كلمات والدتها، وذكريات الماضي، وواقع الحاضر، كل ذلك امتزج ليشكل عبئاً لا يُطاق. لم تكن تتخيل أبداً أن قصة اختفاء أحمد، الغامضة والمؤلمة، ستنتهي بهذا الشكل. لم يكن الأمر يتعلق بحب ضائع، أو بفراق أمل، بل كان يتعلق بوعد، بعهد، بعقدٍ لم تكن طرفاً فيه، ولكنه يلقي بظلاله الثقيلة على مستقبلها.
"وعدٌ لوالدي؟" همست لنفسها، والصوت يرتعش. "وهل كان والدي يعلم أن أحمد سيختفي؟ وهل كان يعلم أن هذا الوعد سيصبح عبئاً عليّ؟"
شعرت بالغضب يشتعل في صدرها، غضبٌ موجه نحو القدر، ونحو الظروف، ونحو الجميع. لكنها سرعان ما خمدت حرارته، وحل محله شعورٌ عميقٌ بالوحدة والعجز. كيف لها أن تعترض على وعدٍ قطعه والدها، وهي تعلم مدى احترامه للعهود والكلمات؟ وكيف لها أن ترفض رجلاً صالحاً، يتمتع بسمعة طيبة، ويحاول الوفاء بواجبٍ أخلاقي؟
نهضت من مكانها، وسارت نحو النافذة. فتحتها، وتنسمت هواء الشتاء البارد. كانت ترى أضواء المدينة تتلألأ في الظلام، وكأنها نجومٌ سقطت على الأرض. كل بيتٍ من هذه البيوت، ربما يحمل قصةً مشابهة. قصصٌ نسجتها الأقدار، أو اختارتها يد الإنسان.
"ولكن هل كان هذا الوعد من أحمد عن طيب خاطر؟" سألت نفسها. "أم أنه كان مجرد واجبٍ مفروض عليه؟"
فكرت في أحمد. في تلك النظرات التي رأتها فيه حين التقيا بالصدفة. لم تكن نظرات واجب، بل كانت تحمل شيئاً أعمق. كان هناك شوق، وحزن، وربما... حب. هل كان يمكن أن يكون ماضيهم المشترك قد أثمر حباً لم يظهر إلا الآن؟
تذكرت كيف كان أحمد دائماً لطيفاً، ومحترماً، وحنوناً. كيف كان يعاملها كأخت صغرى. لم يخطر ببالها يوماً أن يكون هناك أي شيء آخر. وبعد اختفائه، تركت فراغاً كبيراً. كانت تشتاق إليه، تشتاق إلى ضحكاته، وإلى نصائحه. لكنها لم تكن تعرف سبب اختفائه، وهذا الفراغ كان يمتلئ بالأسئلة.
"هل كان يعلم أن أمي ستجبرني على هذا؟"
ثم تذكرت كلام ليلى. "أمّي تخبرني دائماً أن أحمد كان وسيظل أقرب الناس إلينا." و"إنها تنتظر اللحظة المناسبة لتقول لنا كل شيء."
"يبدو أن أمي لم تكن سعيدة بهذا الوضع." فكرت سارة. "ربما كانت تأمل ألا يحدث هذا، أو أن يكون لأحمد رأي آخر."
جلست على طرف السرير مرة أخرى، وأخرجت هاتفها. ترددت قليلاً، ثم فتحت قائمة جهات الاتصال. وجدت اسم "الدكتور أحمد" محفوظاً. لم تكن قد اتصلت به منذ ذلك اللقاء. كانت تخشى أن تتصل، وتجد نفسها أمام قرارٍ لم تكن مستعدة لاتخاذه.
ولكن الآن، وبعد أن علمت بالحقيقة، شعرت بأن عليها أن تتحدث معه. أن تسمع منه مباشرة. أن تفهم وجهة نظره.
"ماذا سأقول له؟" سألت نفسها. "كيف سأواجهه بعد أن علمت بهذا الوعد؟ هل سيشعرني بأني أستغله؟ أم أنه سيشعر بأني أرفضه؟"
بعد تردد طويل، قررت أن ترسل له رسالة. رسالةٌ مختصرة، تعبر عن رغبتها في التحدث معه.
كتبت: "دكتور أحمد، أرجو أن تسمح لي بلقائك قريباً. أريد أن أتحدث معك في أمرٍ هام."
لم تنتظر طويلاً. بعد دقائق قليلة، وصلها رد: "أهلاً بكِ سارة. أنا في انتظارك. متى ما يناسبك."
لم تكن هذه الكلمات مطمئنة. كانت تحمل نبرة رسمية، تحمل الكثير من الحذر. شعرت بأنها تسير في طريقٍ وعر، وأن كل خطوة تخطوها، تزيد من تعقيد الأمور.
في اليوم التالي، ذهبت سارة إلى مكتب الدكتور أحمد، الذي أصبح الآن صيدلية كبيرة تابعة له. كان المكان مزدحماً، لكنها وجدت فيه راحة غريبة. رائحة الدواء، والنظام، وهدوء المكان، كل ذلك ساعدها على استعادة رباطة جأشها.
دخلت إلى مكتبه. وجدته واقفاً بجوار النافذة، ينظر إلى الخارج. بدا أكثر نحافة مما كانت تتذكره. عيناه تحملان حزناً عميقاً، لم تكن تتوقع أن تجد فيه.
"أهلاً بكِ سارة." قال وهو يدير وجهه نحوها. "تفضلي بالجلوس."
جلست، وشعرت بأن الهواء في الغرفة قد ثقل. بدأت تتكلم، بصوتٍ متردد في البداية، ثم اكتسب ثباتاً تدريجياً.
"دكتور أحمد، أعرف الآن... أعرف كل شيء."
اتسعت عيناه قليلاً، وبدا عليه بعض القلق. "كل شيء؟"
"نعم. علمت بالوعد الذي قطعته لوالدي. علمت بالمسؤولية التي تحملها."
صمت أحمد قليلاً، وبدا وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة. "أمي... أخبرتكِ."
"نعم. وأنا... أنا لا أعرف ماذا أقول."
"سارة، لم يكن الأمر سهلاً عليّ. لقد وعدت والدكِ، وهو في لحظاته الأخيرة. ولم يكن بإمكاني أن أرفض له طلباً. ولكن، لم أكن أريد أن أضعكِ في موقفٍ صعب. خصوصاً بعد أن اختفيت، وافترضت أن الأمر قد تم نسيانه."
"ولكنك عدت." قالت سارة، وهي تشعر بقلبها ينقبض.
"لقد عدت، لأن الظروف اقتضت ذلك. ولأنني... لا أستطيع أن أتجاهل ما قطعته لوالدكِ. لقد كنت أعرف أنكِ في حاجةٍ إلى شخصٍ يقف بجانبكِ. وكنت أعرف أن هذا الوعد... يمنحني الحق في أن أكون هذا الشخص."
"ولكن... هل كنت تعلم أنني سأوافق؟" سألت سارة، وهي تنظر إليه مباشرة. "هل كنت تعلم أن هذا الأمر سيؤثر على حياتي بهذه الطريقة؟"
"كنت أعرف أنه سيكون قراراً صعباً. ولكني... كنت آمل أنكِ ستتفهمين. وأنكِ... ستعطين الأمر فرصة."
"فرصة؟" كررت سارة، وهي تشعر بالارتباك. "هل أنتَ تحبني يا دكتور أحمد؟ هل هذا الزواج... سيكون قائماً على الحب؟"
صمت أحمد طويلاً. كان صمته أبلغ من أي كلام. أخيراً، قال بصوتٍ خافت: "لقد عشتُ حياتي أتعامل مع مسؤولياتي. ووعد والدكِ كان مسؤولية. ولكن... مع مرور الوقت، ومع رؤيتكِ مرة أخرى... ربما تغيرت الأمور."
"ربما؟" قالت سارة، وشعرت بخيبة أمل. "هل هذا كل ما يمكنك أن تقوله؟ ربما؟"
"سارة، أنا رجلٌ واقعي. لم أكن يوماً حلماً وردياً. لقد تركتُ الجامعة، وتركتُ حياتي، لأفي بوعدٍ. واجهتُ صعوباتٍ كثيرة. ولكن، رؤيتكِ الآن، مع كل ما حدث، تجعلني... أفكر."
"تفكر في ماذا؟"
"أفكر في مستقبلنا. في مستقبلٍ يمكن أن نبنيه معاً. ولكن، هذا لا يعتمد عليّ وحدي."
نظرت سارة إلى أحمد. كانت ترى فيه رجلاً صادقاً، لكنه رجلٌ يخاف من مشاعره، يخاف من الالتزام الكامل. كانت تعلم أن وعد والدها هو ما يربطه بها، ولكن هل يمكن أن يتحول هذا الواجب إلى حب؟
"أنا... أحتاج وقتاً للتفكير، يا دكتور أحمد." قالت سارة، بصوتٍ حزين. "هذا الأمر... أكبر من مجرد وعد."
"أتفهم ذلك يا سارة. خذي وقتكِ. ولكن، لا تتأخري كثيراً. فإن الوقت... لا ينتظر أحداً."
خرجت سارة من مكتبه، وقلبها مثقل. لقد علمت بالحقيقة، لكن الحقيقة لم تكن مريحة. كان عليها الآن أن تتخذ قراراً مصيرياً، قراراً يحدد مستقبلها، وحياتها. هل ستختار الواجب، أم ستختار البحث عن حبٍ حقيقي، قد يكون بعيد المنال؟ الرسالة التي حملت ثقل الماضي، وضعت أمامها مستقبلًا غامضاً، ومهدّت الطريق لمواجهةٍ أشدّ صعوبة.