أنت وحدك الجزء الثالث

عواصفٌ في عيونِ الوالدة

بقلم ليلى الأحمد

عادت سارة إلى منزل العائلة، وشعرت بأن ثقل العالم كله قد استقر على كتفيها. كان منزل العائلة، الذي كان دائماً ملاذها الآمن، يبدو الآن مكاناً مليئاً بالغموض والأسئلة. كل زاوية، كل قطعة أثاث، كانت تثير في ذهنها ذكرى، أو سؤالاً.

لم تستطع أن تخبر والدتها بما دار بينها وبين أحمد. كانت تشعر بأنها لم تصل بعد إلى قرار، وأن أي كلمة تقولها الآن قد تكون سبباً في تفاقم الوضع. كانت أمها، التي تحملت الكثير، تستحق أن ترى ابنتها سعيدة، لا أن تراها تعيش في دوامة من الحيرة والقلق.

بعد تناول العشاء، اجتمعت العائلة في غرفة الجلوس. الحاج محمود، والدها، كان يقرأ جريدته بصمت. ليلى، أختها الصغرى، كانت تتصفح مجلة أزياء. وأمها، كانت تراقبها بعينين تحملان الكثير من القلق.

"سارة،" بدأت والدتها بصوتٍ متردد، "هل تحدثتِ مع أحمد؟"

ارتعش قلب سارة. رفعت رأسها، ونظرت إلى والدتها. "نعم يا أمي. تحدثت معه."

"وماذا قال؟" سألت الأم، وعيناها تلمعان بالترقب.

"قال... قال إنه يفهمني. وأنه أعطاني وقتاً للتفكير."

"وقت للتفكير؟" تكررت الأم، وعبست ملامحها. "هل هذا هو الرد؟ الوقت للتفكير؟"

"يا أمي، الأمر معقد. هو لا يجبرني على شيء. هو فقط... يريد أن يفي بوعده."

"وعدٌ قديم!" قالت الأم بصوتٍ عالٍ، مما جعل الحاج محمود يرفع رأسه عن جريدته. "وعدٌ أصبح الآن قيداً، لا استطعاعاً. أحمد لم يفكر في مشاعركِ، لم يفكر في مستقبلكِ. هو يفكر في نفسه، وفي ما قطعه لوالدكِ."

"لا يا أمي، ليس الأمر كذلك." قالت سارة، وهي تحاول تهدئة أمها. "هو لم يكن لديه خيار وقتها."

"ولكن لديه خيار الآن!" قالت الأم، والصوت يعلو. "لديه خيار أن يتزوجكِ عن حب، أو أن يترككِ تفكرين. هو يعلم أن هذا الزواج سيحدد مصيركِ. هل سيتزوجكِ لأنه يحبكِ، أم لأنه يشعر بالذنب؟"

"لا أعرف يا أمي." قالت سارة، وهي تشعر بأنها ضائعة. "هو قال... إنه ربما تغيرت الأمور. ولكنه لم يؤكد شيئاً."

"ربما؟" تكررت الأم، وبدأت الدموع تتجمع في عينيها. "هل هذا كل ما استطعتِ أن تسمعيه؟ ربما؟ بعد كل هذه السنوات؟ بعد كل هذا الانتظار؟"

"يا أمي، أرجوكِ. هوني عليكِ. أنا... أنا لا أعرف ماذا أفعل."

"وماذا عن ليلى؟" سألت الأم، ونظرت إلى ابنتها الصغرى. "هل أنتِ مستعدة لأن تكوني زوجة رجلٍ لا تحبينه، فقط لتلبية وعدٍ قطعه والدكِ؟"

"يا أمي، لا تقولي هذا." قالت ليلى، وهي تضع يدها على يد سارة. "أنا مع سارة، أينما كان قرارها."

"ولكن هذا القرار سيؤثر على مستقبلكم جميعاً!" قالت الأم، وهي تبكي الآن. "إذا تزوجتِ أحمد، فهل ستكونين سعيدة؟ هل ستكون لديكِ أسرة؟ هل ستستطيعين أن تمنحي أطفالكِ الحب الذي لم تحصلين عليه؟"

"يا أمي، هذه مخاوف طبيعية." قال الحاج محمود، وهو ينهض من مكانه. "ولكن، لا يجب أن نترك الخوف يسيطر علينا. سارة، أحمد رجلٌ صالح. وقد أعطاكِ وعداً. وهو يحاول الوفاء به. ولكن، إذا كان هذا الزواج سيؤدي إلى تعاستكِ، فهو غير مقبول."

"ولكن، إذا لم تتزوج، فماذا سنفعل؟" سألت الأم، وهي تنظر إلى زوجها. "الناس سيتحدثون. سيقولون إننا تخلينا عن وعدٍ. وأن أحمد تخلى عن واجبه."

"الأهم يا أمي، هو سعادة ابنتنا." قال الحاج محمود، وهو يضع يده على كتف سارة. "وعدٌ لابد أن يُحترم، ولكن ليس على حساب سعادة إنسان. أحمد يجب أن يفهم أن هذا الزواج يجب أن يكون مبنياً على الحب، وليس على الواجب فقط."

"ولكن، كيف سيحبها؟" سألت الأم، والصوت يعلو. "هو لم يعش معها، لم يعرفها. كيف سيحبها؟ هل سيستغلها؟ هل سيعاملها كأنها... جزء من هذا الوعد؟"

"يا أمي، توقفي!" صرخت سارة، ولم تعد تحتمل. "لا تجعليني أشعر بأنني سلعة، أو عبء. أنا أحاول أن أفكر، أن أفهم. ولكن حديثكِ هذا يزيد الطين بلة."

"أنا فقط أخاف عليكِ يا ابنتي!" قالت الأم، وهي تحتضن سارة. "أنا فقط أريد لكِ الأفضل."

"أنا أعرف يا أمي." قالت سارة، وهي تحتضن أمها. "وأنا أحبكِ."

كانت تلك الليلة مليئة بالعواصف. عواصفٌ داخلية، وعواصفٌ عائلية. سارة تشعر بأنها محاصرة بين واجبٍ قديم، وحبٍ قد لا يكون موجوداً، وبين قلق عائلتها.

في الأيام التالية، حاولت سارة أن تتجنب الحديث عن الموضوع. كانت تقضي وقتها في مساعدة أمها في أعمال المنزل، وفي الاعتناء بحديقة المنزل. لكن الظلال كانت تلاحقها. كانت ترى في كل مكان، وجهاً لوجه أحمد، وكلماته.

في إحدى الأمسيات، بينما كانت سارة تجلس في الحديقة، ورائحة الياسمين تملأ الهواء، جاءت ليلى وجلست بجانبها.

"هل أنتِ بخير يا سارة؟" سألت ليلى، بصوتٍ هادئ.

"لا أعرف يا ليلى." أجابت سارة، وهي تنظر إلى النجوم. "أشعر بأنني في وسط بحرٍ هائج، ولا أعرف إلى أين سأنجو."

"أحمد... هل أخبركِ حقاً أنه ربما يحبكِ؟"

"قال إنه ربما تغيرت الأمور." أجابت سارة، وشعرت بالمرارة. "هذه الكلمة... ربما... تجعلني أشعر بأن لا شيء مؤكد."

"ولكن، ما الذي تتمنينه؟" سألت ليلى. "أتتمنين أن يكون يحبكِ؟ أم تتمنين أن تجدي حباً آخر؟"

تنهدت سارة. "أتمنى أن أجد حباً حقيقياً يا ليلى. حباً ينبع من القلب، وليس من واجبٍ أو وعد. ولكن، ماذا لو كان أحمد هو هذا الحب؟ ماذا لو كان هذا "ربما" بداية لشيءٍ جميل؟"

"إذاً، أنتِ لا ترفضينه تماماً؟"

"لا. لا أستطيع أن أرفض رجلاً بهذه الأخلاق، وبهذا الوفاء. ولكني أيضاً... لا أستطيع أن أتزوجه لمجرد الواجب."

"ربما يجب أن تمنحيه فرصة؟" اقترحت ليلى. "فرصة ليثبت لكِ، وليثبت لنفسه، أنه يمكن أن يحبكِ حقاً."

"وهل أحمد مستعد لهذه الفرصة؟" سألت سارة، متذكرةً صمته.

"لا أعرف. ولكن، هل أنتِ مستعدة لأن تعطيه هذه الفرصة؟"

نظرت سارة إلى ليلى، وشعرت بأن أختها تفهمها. "ربما... ربما يجب أن أمنحه هذه الفرصة. ربما يجب أن أرى ما سيحدث."

عادت سارة إلى منزلها، وقلبها يخفف قليلاً. كانت العواصف لا تزال تدور، لكنها شعرت بأن هناك بصيص أمل. بصيص أمل في أن الحب قد يزهر في أرض الواجب. ولكن، كانت تعلم أن الطريق لن يكون سهلاً. أن عليها أن تتجاوز مخاوفها، ومخاوف عائلتها، وأن تواجه أحمد بقلبٍ مفتوح، ولكن بحذر.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%