أنت وحدك الجزء الثالث
قرارٌ على جسرِ الأمل
بقلم ليلى الأحمد
انقضت الأيام، وكل يومٍ كان يمر، يزيد من تعقيد الموقف، ويزيد من حيرة سارة. كانت تعيش في دوامة من التفكير، تتأرجح بين الخوف من المجهول، والأمل في مستقبلٍ أفضل. كانت تحاول أن ترى أحمد بعينٍ مختلفة، بعينٍ ترى فيه الرجل الذي يتجاوز واجبه، ويحاول أن يخلق حباً.
في أحد الأيام، وبينما كانت سارة في زيارةٍ لمكتبةٍ قديمة في وسط المدينة، بحثاً عن كتابٍ قديمٍ لوالدها، اصطدمت بشخصٍ ما. رفعت رأسها، فوجدت أمامها أحمد. لم يكن يتوقع أن يراها هنا.
"سارة؟" قال بدهشة. "ما الذي تفعلينه هنا؟"
"كنت أبحث عن كتابٍ قديم." أجابت سارة، وشعرت ببعض التوتر. "ولكن، ما الذي تفعله أنت هنا؟"
"جئت لأبحث عن كتابٍ نادر." قال أحمد، وبدا عليه بعض الارتياح لرؤيتها. "ولكن، ربما كان لقاؤنا هذا... قدراً."
ابتسمت سارة ابتسامة باهتة. "ربما."
"لقد فكرت فيما قلته." قال أحمد، وهو ينظر إليها مباشرة. "وفكرت فيما قلته لي. أنتِ تبحثين عن حبٍ حقيقي، وليس عن واجب."
"نعم." أجابت سارة، وشعرت بأنها قد وصلت إلى نقطة اللاعودة. "وإذا كان الأمر مجرد واجب، فأنا... أفضل أن أكون وحدي."
تغيرت ملامح أحمد. بدا وكأنه قد اتخذ قراراً. "سارة، صدقيني، لم يكن الأمر سهلاً عليّ. لقد كنتُ في حيرةٍ من أمري. ولكن، رؤيتكِ مرة أخرى، ومعرفة ما تشعرين به... جعلتني أدرك أن الواجب وحده لا يكفي."
"ماذا أدركت؟" سألت سارة، بقلبٍ يخفق.
"أدركت أنني... لا أريد أن أكون مجرد منفذ لوعد. أريد أن أكون شريكاً حقيقياً. وأدركت أنني، ربما، قد بدأتُ أشعر بشيءٍ تجاهكِ."
"ربما؟" كررت سارة، وشعرت بخيبة أمل.
"لا." قال أحمد، بجدية. "ليس ربما. بل... أحبكِ يا سارة. أحبكِ حباً نمى ببطء، وبلغ أقصاه عندما رأيتكِ مرة أخرى. لقد كنتُ أخشى هذه المشاعر، لأنني كنتُ أعتقد أنني لا أستحقها، وأنني لستُ الشخص المناسب لكِ. ولكن، الآن، أدركت أن واجبي تجاه والدكِ، قد أصبح واجبي تجاهكِ أنتِ."
كانت كلمات أحمد أقوى من أي شيءٍ سمعته. شعرت سارة بأن ثقل العالم قد زال من على كتفيها. نظرت إليه، ورأت في عينيه صدقاً، وحباً.
"ولكن، ماذا عن الوعد؟" سألت سارة، وهي لا تزال تشعر ببعض الشك.
"الوعد... أصبح جسراً. جسراً وصلني بكِ. وبدلاً من أن يكون عبئاً، أصبح دافعاً لي لأحافظ عليكِ، ولأحبكِ. ولكن، هذا لا يعني أنكِ مجبرة على أي شيء. القرار لكِ، سارة."
"أنا... أنا أحتاج وقتاً للتفكير." قالت سارة، بصوتٍ خافت.
"أتفهم ذلك." قال أحمد. "ولكن، لا تبتعدي عني. أريد أن أكون قريباً منكِ. أريد أن أعطيكِ الفرصة لتريني، وتريني. وأن نحكم على مشاعرنا معاً."
في تلك الليلة، عادت سارة إلى منزلها، وقلبها يغني. كانت قد وصلت إلى قرار. قرارٌ لم يكن سهلاً، ولكنه كان صادقاً. كانت قد رأت الحب في عيني أحمد، وشعرت به في كلماته.
في اليوم التالي، ذهبت سارة إلى منزل أحمد. لم تكن تتوقع أن تفعل ذلك، ولكنها شعرت بأنها يجب أن تفعل. وجدته في حديقة المنزل، يعمل على تقليم الأشجار.
"أحمد." نادت بصوتٍ قوي.
التفت أحمد، وابتسم حين رآها. "سارة؟ ما الذي أتى بكِ؟"
"جئت لأقول لكَ شيئاً." قالت سارة، وهي تشعر بالثقة. "جئت لأقول لكَ... إنني أقبل."
اتسعت عينا أحمد، وبدا عليه الذهول. "تقبلين ماذا؟"
"أقبل أن أعطيكَ الفرصة. أقبل أن نرى ما إذا كان هذا الحب... حقيقياً."
اقترب أحمد منها، وابتسامة عريضة ترتسم على وجهه. "سارة، أنتِ... أنتِ تسعدينني كثيراً."
"ولكن، هناك شرط." قالت سارة، وهي تنظر إليه بجدية.
"ما هو؟"
"أن نعيش حياتنا معاً، ليس بناءً على الوعد، بل بناءً على الحب. وأن نتقي الله في بعضنا البعض. وأن نكون أسرةً صالحة."
"وهذا ما أتمناه يا سارة." قال أحمد، وهو يمسك بيدها. "وهذا ما سأعمل على تحقيقه."
في تلك اللحظة، شعرت سارة بالسلام. كان الجسر الذي بنته الأقدار، قد أصبح جسراً من الأمل، جسراً يقودها إلى مستقبلٍ مشرق. لم يكن الطريق سهلاً، ولكنها واجهت مخاوفها، وقررت أن تخطو خطوةً نحو السعادة.