أنت وحدك الجزء الثالث

عبقُ الماضي في حديقةِ الذكريات

بقلم ليلى الأحمد

كانتْ "لينا" تسيرُ بخطواتٍ متأنيةٍ في الممشى المرصوفِ بالحصى، بينَ أشجارِ النخيلِ الشاهقةِ وزهورِ الياسمينِ المتسلقة. كانتْ هذهِ الحديقةُ، الملحقةُ بقصرِ جدتها القديم، مسرحَ طفولتها، ومرسمَ أحلامها البريئة. كانتْ كلُّ زاويةٍ فيها تحملُ ذكرى، وكلُّ شجرةٍ تروي قصة. استنشقتْ رائحةَ الأرضِ المبللةِ بقطراتِ الندى، ورائحةَ الزهورِ التي تتفتحُ معَ قدومِ الصباح.

عادَ بها الزمنُ سنواتٍ إلى الوراء. تتذكرُ نفسها وهيَ طفلةٌ صغيرة، بشعرها القصيرِ الأملسِ، تركضُ بينَ هذهِ الأشجار، وتتسلقُ أغصانَها. تتذكرُ جدتها، السيدةَ "عائشة"، بابتسامتها الدافئةِ ويديها الكبيرتينِ اللتينِ تحتضنانها. كانتْ جدتها هيَ منْ زرعَ فيها حبَّ الأدبِ والشعر، وحبَّ قراءةِ التاريخِ عنْ أجدادها.

"لينا! تعالي يا حبيبتي، جدتكِ تريدُ أن تراكي." صوتُ والدتها، الشابِّ، يترددُ صداهُ في أذنيها.

كانتْ في يومِ اللقاءِ الأولِ معَ فهد. لقد تمَّ اللقاءُ في بيتِ جدتها، المكانِ الذي شهدَ الكثيرَ منَ الأحداثِ الهامةِ في حياتها. كانتْ قد استيقظتْ مبكراً، واختارتْ بعنايةٍ ثوباً يجمعُ بينَ الحشمةِ والأناقة، مزيناً بقطعةٍ فضيةٍ صغيرةٍ عندَ الياقة.

كانتْ قد جهزتْ نفسها نفسياً. لقد تحدثتْ معَ والدتها، ومعَ والدها، اللذينِ طمأنوها بأنَّ الأمورَ ستكونُ على ما يرام. لكنَّ القلقَ كانَ يساورها. لم يكنْ مجردَ لقاءٍ تقليدي، بل كانَ خطوةً نحو مستقبلٍ مجهول.

حينَ دخلتْ قاعةَ الاستقبالِ، حيثُ كانتْ العائلةُ مجتمعة، رأتْ وجوهاً مألوفةً وأخرى غريبة. لكنَّ الأنظارَ كلَّها اتجهتْ نحو رجلٍ يجلسُ في ركنٍ بعيد. كانَ هوَ فهد.

شعرتْ لينا بارتباكٍ شديد. لم يكنْ الرجلُ في الصورةِ هوَ نفسُه الذي تراهُ الآن. كانَ أكثرَ جاذبيةً، وأكثرَ هيبة. عينانِ سوداوانِ لامعتانِ، تلمعانِ ببريقٍ حاد، أنفٌ دقيقٌ، وذقنٌ واضحة. كانَ وجهه يحملُ آثارَ الخبرةِ والنضج، لكنَّه لم يكنْ خالياً منَ الشباب.

"لينا، تعالي. هذا فهد، ابنُ عمكِ." قالتْ والدتها، وهيَ تبتسمُ.

اقتربتْ لينا، وشعرتْ بأنَّ الأرضَ تميدُ تحتَ قدميها. تقدمتْ منهُ، ومدَّتْ يدها. صافحها، وشعرتْ بيدٍ قويةٍ دافئة.

"أهلاً بكِ يا لينا. أتمنى أن تكوني قد استمتعتِ بالسفر." قالَ بصوتٍ عميقٍ وهادئ، لكنَّهُ يحملُ قوةً خفية.

"أهلاً بكَ فهد. الحمدُ لله، لقد كانَ السفرُ مريحاً." أجابتْ، وشعرتْ بأنَّ صوتها يرتعشُ قليلاً.

جلستْ بجانبهِ، ولم تستطعْ أن ترفعَ عينيها عنهُ. كانتْ هناكَ تفاصيلُ في وجههِ لم تظهرْ في الصورة. خطوطٌ رفيعةٌ حولَ عينيهِ، تعكسُ ابتساماتٍ لم تشهدها. وشامةٌ صغيرةٌ تحتَ شفتهِ اليمنى، تمنحُ وجههُ طابعاً خاصاً.

بدأتْ المحادثةُ تدريجياً. تحدثوا عنْ حياتهم، عنْ دراستهم، وعنْ اهتماماتهم. اكتشفتْ لينا أنَّ فهدَ شغوفٌ بتاريخِ منطقتهم، وأنَّهُ يملكُ مكتبةً ضخمةً منَ الكتبِ القديمة. كما أنهُ مهتمٌّ بالخيلِ العربيةِ الأصيلة.

"كانتْ جدتي، رحمها الله، تحبُّ روايةَ قصصِ الأجدادِ لنا." قالتْ لينا، وهيَ تتذكرُ أيامَ طفولتها. "كانتْ تحدثنا عنْ بطولةِ رجالِ عائلتنا، وعنْ كرمهم، وعنْ أخلاقهم."

ابتسمَ فهدٌ ابتسامةً واسعة. "نعم، جدتي كانتْ تحدثني عنْ أجدادنا أيضاً. لقد كانوا بحقٍ ورثةً للعربِ الأصيلين. ورغمَ أنني عشتُ بعيداً، إلا أنَّني شعرتُ دائماً بانتمائي لهذهِ الأرضِ ولتاريخها."

في تلكَ اللحظة، شعرتْ لينا بقربٍ غريبٍ منه. كانَ كلامهُ يلامسُ قلبها، ويثيرُ فيها مشاعرَ عميقة. اكتشفتْ أنَّ فهدَ ليسَ مجردَ رجلٍ ثريٍّ أو صاحبِ نفوذ، بل هوَ رجلٌ يحملُ قيماً أصيلة، وقيمٌ تشبهُ قيمها.

مرَّتْ الساعاتُ كأنَّها دقائق. أكلوا الغداءَ معاً، ثمَّ تناولوا الشايَ في الحديقة. كانَ الجوُّ مريحاً، وخالياً منَ التوترِ الذي كانتْ تتوقعه. كانتْ لينا تتحدثُ بثقةٍ أكبر، وتضحكُ بصوتٍ أعلى.

"هل تحبينَ القراءة؟" سألَ فهدٌ، وهوَ يشيرُ إلى كتابٍ قديمٍ على طاولةٍ قريبة.

"جداً. أحبُّ قراءةَ الرواياتِ التاريخية، والشعرَ القديم." أجابتْ.

"لديَّ مجموعةٌ منَ الكتبِ النادرةِ في مكتبتي. ربما ترغبينَ في زيارتها يوماً ما." قالَ، وعيناهُ تلمعانِ بفضول.

شعرتْ لينا بقلبها يتراقصُ فرحاً. "بالتأكيد. سأكونُ سعيدةً جداً."

قبلَ أنْ يغادرَ فهدٌ، التفتَ إليها، وقالَ بنبرةٍ هادئةٍ وجادة: "لينا، أعرفُ أنَّ هذا اللقاءَ قد يكونُ مفاجئاً لكِ. لكنَّني أريدُ أن أقولَ لكِ شيئاً. منذُ أنْ رأيتُ صورتكِ، وشعرتُ بأنَّ هناكَ شيئاً مميزاً فيكِ. وأنا الآنَ، وبعدَ لقائنا، تأكدتُ من ذلك. أتمنى أن تمنحيني فرصةً للتعرفِ عليكِ أكثر."

نظرتْ إليهِ لينا، وشعرتْ بخجلٍ خفيفٍ يغطي وجهها. "وأنا أيضاً يا فهد. يسعدني جداً أنْ أعرفك."

عادَ فهدٌ إلى سيارته، تاركاً لينا واقفةً في الحديقة، تتأملُ السماءَ الزرقاء. كانَ قلبها مليئاً بمشاعرَ متناقضة. فرحٌ، وترقب، وشيءٌ منَ الخوف. لكنَّ الأملَ كانَ هوَ الشعورَ الغالب. لقد بدأتْ رحلةٌ جديدة، رحلةٌ قد تقودها إلى السعادةِ المنشودة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%