أنت وحدك الجزء الثالث
شذى الزهورِ المتفجرة
بقلم ليلى الأحمد
في أحدِ الأيامِ المشمسةِ، بينما كانتْ "سارة" تتنقلُ بينَ رفوفِ مكتبةٍ قديمة، تبحثُ عنْ كتابٍ نادرٍ عنْ أساليبِ الرسمِ الكلاسيكي، شعرتْ بأنَّ يداً باردةً تلمسُ كتفها. التفتتْ بسرعة، لتجدَ "نور"، صديقةَ طفولتها، تقفُ خلفها بابتسامةٍ عريضة.
"سارة! يا للصدفة! لم أركِ منذُ مدةٍ طويلة!" قالتْ نور، بعينيها الخضراوينِ اللامعتين.
احتضنتْ سارةُ صديقتها بحرارة. "نور! حقاً، لقد اشتقتُ إليكِ كثيراً! كيفَ حالكِ؟"
"أنا بخيرٍ الحمدُ لله. ولكنْ، ماذا عنكِ؟ سمعتُ أنَّكِ حصلتِ على فرصةٍ رائعةٍ للعملِ معَ الدكتورِ أحمد." قالتْ نور، وهيَ تتبعُ سارةَ بينَ الرفوف.
تنهدتْ سارةُ، وشعرتْ بتغييرٍ مفاجئٍ في مزاجها. "نعم، لقد بدأنا العملَ على المشروع. لكنَّ الأمورَ ليستْ بالبساطةِ التي تبدو عليها."
"ماذا تقصدين؟" سألتْ نور، بانتباه.
"الدكتورُ أحمدُ رجلٌ عظيم، ولستُ أشكُّ في ذلك. لكنَّ طموحاتهِ كبيرةٌ جداً. والمشروعُ يتطلبُ جهداً هائلاً، وضغوطاً لا تتوقف." قالتْ سارةُ، وهيَ تشعرُ بثقلٍ يتزايدُ في صدرها.
لقد مرَّتْ أسابيعُ منذُ لقائها الأولِ بالدكتورِ أحمد. لقد بدأتْ العملَ معَ فريقه، وقد كانَ كلُّ شيءٍ يبدو واعداً. لكنَّ الأيامَ الأولى سرعانَ ما تحولتْ إلى سباقٍ محمومٍ معَ الزمن. كانَ الدكتورُ أحمدُ يضعُ أهدافاً عاليةً، ويتوقعُ نتائجَ فورية. كانتْ ساعاتُ العملِ تتزايد، وضغوطُ العملِ تزدادُ معها.
"هل أنتِ بخيرٍ يا سارة؟ تبدينَ مرهقةً." قالتْ نور، وعلاماتُ القلقِ باديةٌ على وجهها.
"أنا فقط، مرهقةٌ قليلاً. هناكَ الكثيرُ منَ التفاصيلِ التي يجبُ الاهتمامُ بها. والمشروعُ يتطلبُ مني أن أكونَ حاضرةً دائماً." أجابتْ سارةُ، وهيَ تحاولُ أن تخفيَ حقيقةَ ما تشعرُ به.
كانتْ سارةُ، رغمَ شغفها بالفن، قد وجدتْ نفسها غارقةً في بحرٍ منَ الأرقامِ والبيانات. كانتْ تقضي ساعاتٍ طويلةٍ في اجتماعاتٍ لا تنتهي، وفي تحليلِ تقاريرَ مالية. لم يكنْ لديها وقتٌ كافٍ للتفكيرِ في فنها، أو حتى للاستمتاعِ بجمالِ الطبيعة.
"ولكنْ، ألا يجبُ أنْ تجدي وقتاً لنفسكِ؟" سألتْ نور. "تذكري، أنتِ فنانةٌ في الأصل. ولا يمكنُكِ أنْ تنسي شغفكِ هذا."
"أحاولُ يا نور. ولكنْ، هذا المشروعُ هوَ فرصتي الوحيدةُ لتحقيقِ حلمي. فإذا نجحَ، فقد أستطيعُ أخيراً أنْ أفتحَ مرسمي الخاص." قالتْ سارةُ، وعيناها تلمعانِ بالأمل.
كانتْ سارةُ تخشى أنْ تفشلَ في تحقيقِ توقعاتِ الدكتورِ أحمد. لقد كانَ شخصاً يقدّرُ الكمالَ، ولا يقبلُ بأقلَّ من ذلك. شعرتْ بأنَّها تقفُ على حافةِ الهاوية، وأنَّ أيَّ خطأٍ صغيرٍ قد يؤدي إلى كارثة.
"هل تتذكرينَ مسابقةَ الرسمِ التي فزتُ بها في المرحلةِ الثانوية؟" قالتْ سارةُ فجأةً، وعينيها شاخصتانِ إلى الأمام. "لقد كانَ ذلكَ أجملَ شعورٍ في حياتي. أنْ أرى لوحتي معروضةً، وأنْ يسمعَ الناسُ إعجابهم بها. أتوقُ إلى ذلكَ اليومِ مرةً أخرى."
"وأنا متأكدةٌ أنَّكِ ستعودينَ إلى فنكِ يا سارة. ولكنْ، يجبُ أنْ تكوني حذرةً. لا تدعي العملَ يلتهمكِ بالكامل." قالتْ نور، وهيَ تضعُ يدها على ذراعِ سارة.
بعدَ لقائها بنور، شعرتْ سارةُ بمزيدٍ منَ الضغط. بدأتْ تلاحظُ عيوباً في خطتها، وتساؤلاتٍ لم تجدْ لها إجابة. بدأتْ تشكُّ في قدرتها على النجاح.
في أحدِ الأيام، وبينما كانتْ تعملُ في وقتٍ متأخرٍ في مكتبها، دخلَ عليها الدكتورُ أحمد. كانَ يحملُ ملفاً سميكاً، وجههُ عابس.
"سارة، لقد راجعتُ تقاريرَ الأداءِ لهذا الشهر. وهناكِ بعضُ الأمورِ التي تحتاجُ إلى تحسين." قالَ بصوتٍ جاد.
ارتجفتْ سارةُ، وشعرتْ بأنَّ الدمَ قد انسحبَ من وجهها. "ما هيَ المشاكلُ يا دكتور؟"
"إنَّ معدلَ النموِّ ليسَ كما توقعنا. والاستثماراتُ لم تحققْ الأرباحَ المرجوةَ بعد. أنتِ تعلمينَ أنَّ الوقتَ ضيقٌ، وأنَّ لدينا أهدافاً محددةً يجبُ تحقيقها." قالَ، وهوَ يضعُ الملفَّ على مكتبها.
"لقد بذلتُ قصارى جهدي يا دكتور. ولكنَّ بعضَ العواملِ الخارجةَ عنْ إرادتنا أثرتْ على النتائج." قالتْ سارةُ، وهيَ تحاولُ الحفاظَ على رباطةِ جأشها.
"هذا ليسَ مقبولاً يا سارة. يجبُ أنْ تكوني مستعدةً لأيِّ ظرف. وأنْ تجدي دائماً حلولاً." قالَ، بلهجةٍ صارمة.
"ولكنْ، هل تعلمُ أنَّني لم أنمْ منذُ ثلاثةِ أيام؟" قالتْ سارةُ فجأةً، بصوتٍ مرتفعٍ قليلاً، وشعرتْ بأنَّها فقدتْ السيطرةَ على نفسها. "إنَّني أبذلُ كلَّ طاقتي، وأعتقدُ أنَّني أستحقُّ بعضَ التفهم."
نظرَ إليها الدكتورُ أحمدُ بصدمة. لم يتوقعْ منها هذهِ الردة. "سارة، أنا أتفهمُ أنَّكِ مرهقة، ولكنْ، هذهِ طبيعةُ العملِ في هذا المجال. إذا لم تكوني مستعدةً لهذهِ الضغوط، فالأفضلُ أنْ نجدَ شخصاً آخرَ مكلفاً بهذا المشروع."
شعرَتْ سارةُ بقلبها ينقبضُ. هل هذهِ نهايةُ حلمها؟ هل ستفشلُ قبلَ أنْ تبدأ؟
"لا يا دكتور. أنا مستعدةٌ." قالتْ بصوتٍ ثابتٍ، رغمَ الدموعِ التي بدأتْ تتجمعُ في عينيها. "ولكنْ، أتمنى أنْ تكونَ هناكَ مساحةٌ أكبرُ للتفهم. وللمشاعر."
نظرَ الدكتورُ أحمدُ إليها للحظةٍ طويلة، ثمَّ قالَ بصوتٍ أهدأ: "سارة، أنا لا أنكرُ جهودكِ. ولكنْ، هذا هوَ عالمُ المالِ والأعمال. يتطلبُ قوةً وصلابة. إذا أردتِ أنْ تنجحي، يجبُ أنْ تكوني قويةً."
خرجَ الدكتورُ أحمدُ، تاركاً سارةَ وحدها في المكتب. كانتْ تبكي بصمت، وشعرتْ بأنَّها في دوامةٍ لا مخرجَ منها. كانتْ الفرصةُ التي حلمتْ بها تتحولُ إلى عبءٍ ثقيل. هل كانتْ مستعدةً لدفعِ هذا الثمنِ من أجلِ تحقيقِ حلمها؟