أنت وحدك الجزء الثالث

الأرق وصوت الريح

بقلم ليلى الأحمد

لم يكن الأرق ضيفًا جديدًا على حياة "ليلى"، لكنه في هذه الليالي المتأخرة، اتخذ طابعًا أشد وطأة، ينسج خيوطًا من القلق والأسئلة التي تتطاير كرماد في صحراء روحها. كانت تجلس في غرفتها، وسادةٌ تستند إلى ظهرها، وعينان تحدقان في فراغ السقف، تستمع إلى همسات الريح التي تتسرب من بين ثنايا النافذة. كانت الريح، في كثير من الأحيان، تشبه همسات الأشخاص الذين غابوا، تحمل معها ذكريات، وتثير شوقًا دفينًا.

"أنت وحدك الجزء الثالث"، اسم الرواية التي تحملها في يديها، كان يتجلى في كل زاوية من زوايا حياتها. وحدتها لم تكن مجرد غياب لأحدهم، بل كانت فراغًا داخليًا، فراغًا امتلأ بظلال من الشك والرغبة في استكشاف أعماق ماضيها. كانت "آدم"، بطل هذه القصة، قد غادر حياتها، تاركًا وراءه أثرًا عميقًا، وصورةً معلقة في إطار الذكرى، صورةٌ تختلط فيها ملامح الحنان بالقسوة، والصدق بالغموض.

تذكرت تلك الكلمات التي قالها لها في اللقاء الأخير، حينما كانت الشمس تغيب، ملقيةً بأشعتها الذهبية على أسطح البيوت القديمة: "الأسرار يا ليلى، هي الأجنحة التي تحملنا إلى أعماق الذات، لكنها قد تكون أحيانًا القيود التي تقيدنا." لم تفهم آنذاك عمق هذه العبارة، لكنها الآن، وقد أصبحت سجينةً لتساؤلاتها، بدأت تدرك معناها.

في الأيام الماضية، كان "آدم" يسعى جاهدًا للاقتراب منها. كانت لقاءاتهما، رغم اختصارها، تحمل نبرةً ملحة، ونظراتٍ تتجاوز حدود اللطف العادي. كان يتحدث عن مستقبله، عن مشاريعه، وعن رغبته في بناء حياةٍ مستقرة، حياةٍ تشملها. كانت "ليلى" تشعر بجاذبيةٍ قوية نحوه، بجاذبيةٍ لم تكن مجرد إعجاب، بل كانت مزيجًا من الشفقة، والرغبة في تصديق قصته، والأمل في أن يكون هذا الرجل الذي يظهر أمامها الآن، هو الرجل الذي كان يمكن أن يكون.

لكن في كل مرة كان يقترب فيها، كانت تظهر أمامها حواجز غير مرئية، كانت تراودها صورٌ باهتة، أصواتٌ غامضة، تتداخل في وعيها، وتثير فيها شكوكًا لم تستطع تحديد مصدرها. كانت هذه الشكوك كالنار المستعرة تحت الرماد، تشتعل بين الحين والآخر، مهددةً بتحويل كل شيء إلى دخان.

كانت "ليلى" تعرف أن "آدم" كان يعاني من إدمان، إدمانٌ قديم، كان يتحدث عنه كذكرى مؤلمة، كفصلٍ مغلق من حياته. كان يدعي أنه قد انتصر عليه، وأنه أصبح أقوى من أي وقت مضى. لكن في عينيها، كانت ترى أحيانًا لمعةً غريبة، لمعةٌ لا تستطيع تفسيرها، لمعةٌ تشبه وهج النيران التي لم تنطفئ تمامًا.

في أحد الأمسيات، وبينما كانا يتناولان العشاء في مطعم هادئ، نظر إليها "آدم" بعمق، وقال بصدقٍ بدا مزيفًا بعض الشيء: "أعلم أنكِ تخشين الاقتراب مني، تخشين الأشباح التي قد تطاردني. لكنني أؤكد لكِ، أنني رجلٌ مختلف الآن. لقد تعلمت دروسًا قاسية، ودفعت ثمنًا غاليًا. أريد أن أبدأ صفحةً جديدة، صفحةً معكِ."

ابتسمت "ليلى" ابتسامةً باهتة، وقالت: "الأمر ليس خوفًا يا آدم، بل هو حرص. حرصٌ على النفس، وعلى مستقبلٍ نبنيه على أساسٍ متين."

كانت كلماتها هذه، تبدو وكأنها طعنةٌ في قلبه. رأى في عينيه خيبة أملٍ سريعة، قبل أن يغطّيها بقناعٍ من الهدوء المصطنع. "أنا لا أريد أن أجعلكِ تشعرين بعدم الأمان يا ليلى. أريد فقط أن أبني معكِ بيتًا، وأسرةً، وأن أكون لكِ سندًا."

كان "آدم" يمتلك القدرة على التأثير في من حوله، كان كلامه سلسًا، ورومانسيًا، ومغريًا. كان يعرف كيف يغزل الكلمات، وكيف يرسم صورًا لحياةٍ مثالية. لكن "ليلى" كانت تملك أيضًا بصيرةً لا تخطئ، كانت تشعر بأن هناك شيئًا ما، شيئًا خفيًا، لا يزال يكمن في أعماق "آدم".

في تلك الليلة، وبعد أن عاد "آدم" إلى منزله، وقعت "ليلى" في دوامةٍ من الأفكار. هل كان "آدم" صادقًا حقًا؟ هل كان هذا الإدمان القديم، مجرد ذنبٍ تائب، أم أنه كان جمرةً مشتعلة تحت الرماد؟ كانت تراودها صورٌ لأشخاصٍ في حياتها، أشخاصٍ عرفوا مرارة الإدمان، وكيف أنه يلتهم الروح، ويسلب الإرادة.

كانت "ليلى" قد مرت بتجارب قاسية في حياتها، تجارب علمتها أن الثقة تبنى ببطء، وأن القلوب لا تفتح إلا لمن يستحق. كان "آدم" يقدم لها وعودًا، وخططًا، ورغبةً واضحة في الزواج. لكن هل كانت هذه الوعود كافية؟ هل كانت كافية لتجاوز تلك الشكوك التي تعتليها؟

كانت غرفتها، التي كانت ملاذها الآمن، تبدو الآن كساحة معركةٍ داخلية. كانت تتقلب على فراشها، وصورة "آدم" تتجلى أمام عينيها، صورةٌ تجمع بين الضعف والقوة، بين الرغبة في التغيير والخوف من الفشل. كانت تشعر بأنها على مفترق طرق، مفترق طرقٍ لا يمكن أن تسلكه إلا بقلبٍ مطمئن، وعقلٍ صافٍ.

تذكرت حديثًا مع والدتها، حينما كانت تسألها عن "آدم". قالت الأم بحكمة: "يا ابنتي، الحب الحقيقي لا يبنى على الظنون، بل على اليقين. وعندما تكون هناك ظنون، فالأفضل أن تبحثي عن اليقين قبل أن تبتاعي الوهم."

كانت هذه الكلمات ترن في أذنيها كالنداء. هل كان "آدم" مجرد وهم؟ هل كان حبه مجرد قصةٌ جميلة، لكنها تفتقر إلى أساسٍ متين؟ كانت تشعر بأنها في حاجةٍ ماسة لمعرفة الحقيقة، مهما كانت مؤلمة. كانت بحاجةٍ إلى أن تعرف ما هو الثمن الحقيقي الذي دفعه "آدم"، وما إذا كان قد دفع ثمنه بالكامل، أم أنه لا يزال يدين بشيءٍ ما.

أخيرًا، قررت "ليلى". قررت أنها لن تستطيع الاستمرار في هذه الحالة من الترقب والشك. كان عليها أن تجد طريقةً لمعرفة الحقيقة، بطريقةٍ لا تؤذي أحدًا، ولكنها تكشف الغموض. كان قلبها يدق بسرعة، خليطًا من الخوف والأمل، فهي تعلم أن الخطوة القادمة قد تغير كل شيء.

نظرت إلى هاتفها، ورسالةٌ جديدة قد وصلت. كان المرسل مجهولًا، لكن الرسالة كانت تحمل بضع كلماتٍ قصيرة، وعبارةً واحدة، فتحت أبوابًا جديدة من القلق: "آدم ليس كما تظنين... الحقيقة أعمق مما تتخيلين."

حبست "ليلى" أنفاسها. كانت تعلم أن هذا هو الشرارة التي كانت تنتظرها، الشرارة التي قد تشعل النار، أو قد تضيء لها الطريق. كانت قد بدأت رحلةً استكشافية، رحلةً إلى أعماق الذات، وإلى أعماق الآخرين، رحلةٌ ستكشف لها ما إذا كانت ستجد الحب، أم أنها ستجد نفسها وحيدةً في بحرٍ من الأوهام.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%