أنت وحدك الجزء الثالث

ظل الماضي

بقلم ليلى الأحمد

ارتعشت يد "ليلى" وهي تمسك بهاتفها، وشاشة الرسالة المجهولة تتوهج في ظلام الغرفة. "آدم ليس كما تظنين... الحقيقة أعمق مما تتخيلين." كانت هذه الكلمات كالصاعقة، تضرب في سكون الليل، مبعثرةً الهدوء الذي حاولت أن تبنيه حول نفسها. لم تكن الرسالة مجرد قلقٍ جديد، بل كانت تأكيدًا لمخاوفها الدفينة، وشعلةً أشعلت نار الشك في أعماق روحها.

في الأيام التي تلت تلك الرسالة، بدت "ليلى" وكأنها تسير على حافة الهاوية. كل لقاءٍ كان يجمعها بـ "آدم" كان يزداد تعقيدًا، وكان يثير فيها المزيد من التساؤلات. كان "آدم" يبدو أكثر حماسًا، وأكثر تركيزًا على المستقبل، على بناء حياتهما معًا. كان يتحدث عن تفاصيل الزواج، عن منزلٍ صغير، وعن أطفال، وعن رحلاتٍ سياحية إلى بلادٍ لطالما حلمت بزيارتها. كان كلامه يبدو صادقًا، وكان يحمل في طياته كل مقومات الرجل الذي تبحث عنه امرأةٌ في مثل سنها، امرأةٌ ترغب في الاستقرار والأمان.

لكن خلف تلك الواجهة المشرقة، كانت "ليلى" ترى ظلًا، ظلًا خفيًا، يلوح في أرجاء شخصيته. كانت تبحث عن أي علامة، أي تصرف، أي نظرة، قد تؤكد لها الشكوك التي بدأت تتغلغل في قلبها. كانت تتذكر إدمانه القديم، ذلك الماضي الذي ادعى أنه قد تخلص منه. لكن هل كان قد تخلص منه حقًا؟ أم أنه كان يكذب، هو على نفسه، وعليها؟

في أحد الأيام، وفي أثناء محادثةٍ عادية، ذكر "آدم" صديقًا قديمًا له، شخصًا يدعى "بدر". كان "آدم" يتحدث عنه بمرارة، وبشيءٍ من العداء. قال: "لقد تسببت لي في الكثير من المتاعب في الماضي، هذا الرجل. كان لديه تأثيرٌ سيء عليّ."

لم تكن "ليلى" تولي اهتمامًا كبيرًا للماضي، فقد كانت تركز على الحاضر والمستقبل. لكن هذه المرة، شعرت بأن هذه العبارة تحمل مفتاحًا. شعرت بأن "بدر" هذا، قد يكون له دورٌ في قصة "آدم"، ربما في الأيام التي كان فيها "آدم" غارقًا في الإدمان.

بعد ذلك اللقاء، بدأت "ليلى" تبحث. لم تكن تبحث عن تفاصيل تضر بـ "آدم"، بل كانت تبحث عن الحقيقة. كانت تبحث عن أي معلومات قد تساعدها على فهم ماضي "آدم" بشكلٍ أفضل، وعلى معرفة ما إذا كان هذا الماضي لا يزال يطارد حياته.

كانت تتواصل مع بعض الأصدقاء القدامى لـ "آدم"، أصدقاءٌ عرفوه قبل أن يغرق في وحل الإدمان. لم يكن الأمر سهلًا، فالكثيرون كانوا يخشون الحديث عن "آدم"، أو كانوا يفضلون نسيان تلك الفترة. لكن "ليلى" كانت مثابرة. كانت تبحث عن خيطٍ رفيع، عن قصةٍ، عن اعتراف، عن أي شيءٍ يلقي ضوءًا على الظلام.

في إحدى الليالي، وبينما كانت تبحث في أحد منتديات الإنترنت القديمة، عثرت على موضوعٍ قديم يتحدث عن "آدم" وعن مشاكل قديمة. كانت التعليقات مليئةً بالقصص المأساوية، عن خسارة المال، وعن علاقاتٍ دمرت، وعن أخطاء جسيمة. لكن ما لفت انتباهها بشكلٍ خاص، هو تعليقٌ من شخصٍ استخدم اسمًا مستعارًا، لكنه كان يتحدث عن "آدم" بتفاصيل دقيقة، وكأنه كان حاضرًا في كل الأحداث.

تواصلت "ليلى" مع هذا الشخص، مرسلةً له رسالةً مليئةً بالرجاء. "أرجوك، إذا كنت تعرف شيئًا عن ماضي آدم، أرجوك أن تحدثني. أنا في حاجةٍ ماسة لمعرفة الحقيقة."

بعد أيامٍ من الانتظار، تلقت ردًا. كان الرد قصيرًا، لكنه كان يكفي لإثارة قلقها. كتب صاحب الحساب: "آدم الذي تعرفينه، ليس آدم الحقيقي. لقد كان لديه جانبٌ مظلم، جانبٌ يتغذى على اليأس. وإدمانه، لم يكن مجرد قصةٍ عابرة، بل كان إدمانًا دمر حياته، وحياة من حوله."

ثم أضاف: "إذا أردتِ معرفة المزيد، سأكون مستعدًا لمقابلتك. لكن يجب أن تكوني مستعدةً لسماع ما قد يؤلمك."

شعرت "ليلى" بالبرد يسري في عروقها. كانت على وشك معرفة الحقيقة، الحقيقة التي كانت تتهرب منها، وتخشاها. كانت تعلم أن هذه المقابلة قد تكون نقطة تحولٍ في حياتها، قد تؤدي إلى بناء علاقةٍ قوية، أو قد تؤدي إلى تدمير كل شيء.

كانت "آدم" يواصل التقرب منها، يواصل بناء صورته المثالية. كان يرسل لها الهدايا، ويكتب لها رسائل حبٍ مليئةً بالمشاعر. كان يبدو وكأنه يتجاوز كل ماضيه، وينظر إلى المستقبل بعينين مليئتين بالأمل. لكن "ليلى" كانت تشعر بأنها تخونه، تخونه عندما تتلقى تلك الرسائل، وهي تبحث في ماضيه عن جوانب مظلمة.

في إحدى الليالي، وبينما كانا يتحدثان عبر الهاتف، سألته "ليلى" بشكلٍ مباشر: "آدم، هل أنت متأكد تمامًا من أنك قد تغلبت على كل مشاكل الماضي؟ هل أنت متأكد أن هذا الإدمان، قد انتهى بالنسبة لك؟"

صمت "آدم" قليلًا، قبل أن يقول بصوتٍ بدا فيه بعض التردد: "ليلى، لقد تحدثت معك عن هذا الأمر. لقد تبت، وعدت إلى الله، وأنا رجلٌ جديد. لا أريد أن أحفر في الماضي، لأن الماضي مؤلم، ولأنه لا فائدة من ذلك."

كانت كلماته هذه، تحمل في طياتها شيئًا من الحقيقة، لكنها كانت تخفي شيئًا آخر. كانت "ليلى" تشعر بذلك. كانت تشعر بأن هناك بابًا مغلقًا، بابًا لا يريد "آدم" فتحه.

في صباح اليوم التالي، اتخذت "ليلى" قرارًا. قررت أن تقابل الشخص المجهول الذي وعدها بالحقيقة. كانت تعلم أن هذا القرار قد يكون له عواقب وخيمة، لكنها لم تستطع تجاهل النداء الذي في قلبها، النداء الذي يدعوها للبحث عن اليقين.

كانت تجلس في مقهى هادئ، تنتظر. كانت تشعر بتوترٍ شديد، وبخليطٍ من الخوف والأمل. كانت تنظر إلى وجوه المارة، تتساءل إن كان أحدهم هو الشخص الذي ستلتقيه.

ثم، رأت رجلًا يجلس على طاولةٍ قريبة، يرتدي ملابس بسيطة، ويبدو عليه علامات الإرهاق. كان يشبه الوصف الذي تلقته. تقدمت نحوه بخطواتٍ مترددة.

"هل أنت...؟" سألت بتردد.

ابتسم الرجل ابتسامةً حزينة، وقال بصوتٍ أجش: "نعم. أنا بدر."

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%