أنت وحدك الجزء الثالث
اعترافات الظلام
بقلم ليلى الأحمد
كان اسم "بدر" يتردد في أذني "ليلى" كصدىً لأصواتٍ قديمة، أصواتٍ كانت تحاول إخفاءها. أمامها، كان يجلس رجلٌ يبدو أنه قد حمل ثقل العالم على كتفيه. كانت عيناه تحملان حزنًا عميقًا، وحكاياتٍ لا تُروى إلا بصمت. اقتربت "ليلى" من الطاولة، وجلست مقابله، وقلبها يخفق بقوة، مستعدةً لسماع ما قد يغير رؤيتها للحياة.
"شكرًا لك على المجيء،" قالت "ليلى" بصوتٍ مهتز.
أومأ "بدر" برأسه، ثم قال بصوتٍ متعب: "لقد طلبتِ الحقيقة، وأنا هنا لأقدم لكِ ما أعرفه. لكن قبل أن أبدأ، أرجوكِ أن تكوني قوية. فالحقيقة قد تكون مريرة."
بدأ "بدر" يروي قصته، قصةً بدأت قبل سنواتٍ طويلة، في أيام الشباب، حينما كان "آدم" و "بدر" صديقين مقربين. كانا يسيران في دروب الحياة، يبحثان عن مكانهما، ويبحثان عن السعادة. لكن "آدم"، كان لديه نزعةٌ نحو التهور، ونزعةٌ نحو البحث عن الملذات السريعة، حتى لو كانت مؤلمة.
"في البداية، كانت الأمور تبدو بسيطة،" قال "بدر"، وعيناه تحدقان في كوب الشاي أمامه. "كانت مجرد تجارب، مجرد فضول. لكن "آدم" كان لديه استعدادٌ للإدمان. كان جسده وروحه يميلان نحو الهاوية. وبدأت رحلته المظلمة مع المخدرات."
حكت "ليلى" عن الفترة التي كان فيها "آدم" غارقًا في الإدمان. كانت تلك الفترة عبارةً عن كابوسٍ طويل، تخلله الكثير من الخسائر. خسر "آدم" عمله، وخسر علاقاته، وخسر جزءًا كبيرًا من نفسه. وكان "بدر"، كصديقٍ مخلص، يحاول دائمًا مساعدته، محاولًا إخراجه من مستنقعه.
"لقد حاولت بكل الطرق،" قال "بدر" بأسى. "ذهبت إلى أهله، وحاولت إقناعه بالذهاب إلى مصحات العلاج، وحاولت إيجاد عملٍ له. لكن الإدمان له قوةٌ هائلة، قوةٌ تسحب الإنسان إلى الأسفل."
ثم تحدث "بدر" عن كيف أن "آدم" كان في بعض الأحيان، ينجح في التغلب على إدمانه لفتراتٍ قصيرة، يعود إلى حياته الطبيعية، ويبدو وكأنه قد تغير. كان في هذه الفترات، يعقد الوعود، ويبدأ مشاريع جديدة. لكن سرعان ما كان يعود إلى نقطة الصفر، يعود إلى حبل الإدمان، مدفوعًا باليأس، أو بالرغبة في نسيان آلامه.
"كان "آدم" دائمًا يعتقد أنه يستطيع السيطرة على الأمر،" قال "بدر". "كان يظن أنه يستطيع التوقف متى أراد. لكن الإدمان يخدع الإنسان، يجعله يعتقد أنه يملك زمام الأمور، بينما هو مجرد دميةٍ في يده."
كانت "ليلى" تستمع بانصات، كل كلمةٍ كانت تزيد من قلقها. شعرت بأنها كانت تعيش في عالمٍ من الأوهام، وأن صورة "آدم" التي رسمتها لنفسها، كانت صورةً ناقصة، صورةً تخلو من الجوانب المظلمة.
ثم، وصل "بدر" إلى نقطةٍ أكثر خطورة. تحدث عن كيف أن "آدم"، في ذروة إدمانه، كان قد تورط في بعض الأعمال المشبوهة، لكي يتمكن من دفع ثمن مخدراته. لم يذكر "بدر" تفاصيل دقيقة، لكنه أشار إلى أن "آدم" كان على علاقةٍ بأشخاصٍ لا أخلاق لهم، وكان يفعل أشياءً قد تدخله في مشاكل كبيرة.
"لقد عانيت بسبب "آدم" أيضًا،" قال "بدر" بمرارة. "لقد كنت أقف بجانبه، أحاول حمايته. لكن في بعض الأحيان، كان يأخذني معه إلى عالمه. لقد اضطررت إلى فعل أشياء لم أكن أرغب فيها، فقط لكي أبقى بجانبه، ولأحميه من نفسه."
كانت "ليلى" تشعر بأنها تغرق في بحرٍ من الحزن. كيف يمكن لرجلٍ يبدو هادئًا، ورومانسيًا، أن يكون له هذا الماضي المظلم؟
"لقد مر وقتٌ طويل منذ أن رأيت "آدم"،" قال "بدر"، وعيناه تلمعان بدموعٍ حبستها. "بعد أن تسببت في الكثير من المشاكل، قررت أن أبتعد عنه. لقد كان ذلك أصعب قرارٍ اتخذته في حياتي. لكني كنت أعلم أنه لا يمكنني مساعدته أكثر. لقد كان بحاجةٍ إلى مساعدةٍ حقيقية، مساعدةٍ لم يكن مستعدًا لتلقيها."
ثم، جاءت الكلمة التي كانت "ليلى" تخشاها. "لقد سمعت مؤخرًا أنه تزوج، وأنه يحاول بناء حياةٍ جديدة. لقد تمنيت له الخير، لكني كنت قلقًا. لم أرغب في أن يتكرر التاريخ."
"لكنه قال إنه قد تغير،" قالت "ليلى" بصوتٍ خافت. "قال إنه قد تاب، وأنه أقوى."
ابتسم "بدر" ابتسامةً ساخرة. "التوبة شيءٌ نبيل، يا آنسة. لكنها ليست ضمانًا. الإدمان يترك ندوبًا عميقة، ندوبًا لا تلتئم بسهولة. والعودة إليه، غالبًا ما تكون مدمرة."
أضاف "بدر": "أعلم أن "آدم" لديه القدرة على التلاعب بالمشاعر. لديه القدرة على جعل الناس يصدقونه. لقد فعل ذلك معي، وفعل ذلك مع الكثيرين. أرجوكِ، لا تسمحي له بأن يدمر حياتكِ كما دمر حياة الآخرين."
عندما غادرت "ليلى" المقهى، شعرت بأنها تسير في ضبابٍ كثيف. كان العالم من حولها يبدو مختلفًا، والناس يبدون غرباء. كانت تحمل في قلبها ثقل اعترافات "بدر"، ثقل الحقيقة التي كانت أشد إيلامًا مما تخيلت.
عادت إلى منزلها، وجلست في غرفتها، غارقةً في أفكارها. صورة "آدم" بدأت تتغير في عينيها. لم تعد ترى الرجل الذي كانت تتمنى أن ترتبط به، بل رأت رجلًا يحمل في داخله صراعًا لا ينتهي، صراعًا بين الخير والشر، بين النور والظلام.
كانت تشعر بالأسف على "آدم"، على الألم الذي عانى منه، وعلى المعركة التي يخوضها. لكنها كانت تشعر أيضًا بالخوف. الخوف من أن يكون هذا الماضي، وهذا الإدمان، قد طال حياتها أيضًا.
نظرت إلى هاتفها، حيث كانت تنتظر رسالةً من "آدم". كانت تعلم أنها لن تستطيع النظر إليه بنفس الطريقة بعد الآن. كانت تعلم أن عليها اتخاذ قرارٍ صعب، قرارٍ قد يغير مسار حياتها.
في تلك الليلة، لم تستطع "ليلى" النوم. كانت تتخيل "آدم" وهو في ذروة إدمانه، تتخيل الألم الذي سببه لنفسه وللآخرين. كانت تتساءل إن كان هذا الألم قد جعله يتغير حقًا، أم أنه مجرد قناعٌ يرتديه ليخدع من حوله.
كانت تعرف أن عليها أن تواجهه، أن تسأله عن كل شيء. لكنها كانت تخشى رد فعله، تخشى أن يخفي عنها المزيد، أو أن ينكر كل شيء.
مع بزوغ الفجر، قررت "ليلى" أن عليها التحرك. لم تعد تستطيع العيش في دوامة الشك والخوف. كان عليها أن تجد إجابات، وأن تتأكد من أن مستقبلها لن يكون مبنيًا على أساسٍ هش.