الزوج الكريم
ظلال الياسمين العتيق
بقلم فاطمة النجار
تسللت أشعة الشمس الذهبية، تلك التي تعانق خيوط الصباح الأولى، لتوقظ مدينة قديمة تئن تحت وطأة الزمن، تتنفس عبق التاريخ وتتزين بوشاح الأجداد. في قلب القاهرة القديمة، حيث تتشابك الأزقة الضيقة كعروق شجر عتيق، وحيث تتناثر البيوت العريقة كأحجار كريمة مرصعة بسحر الماضي، كان ينهض "مجد الدين"، شاب في مطلع الثلاثينات، قد استيقظ قبل أن يرتفع النهار. لم يكن استيقاظه كأي استيقاظ، بل كان أشبه بانبثاق نجم من سماء داكنة، فيه عزيمة وحزم تتجلى في لمعة عينيه الصافيتين.
كان مكتبه، ذلك الملاذ الهادئ الذي يحتضنه منزل والده الأثري، يعج بالملفات والخرائط والكتب القديمة. رائحة الورق العتيق الممزوجة بعبير القهوة المرة التي ارتشف منها جرعات قليلة، تخلق جوًا خاصًا ينم عن شخصية "مجد الدين" المرهفة، وعن شغفه بتاريخ العمارة الإسلامية وتراثها. يمتلك "مجد الدين" شركة ترميم وإحياء للمباني التاريخية، وهي ليست مجرد مهنة، بل هي رسالة ورثها عن والده، وشغف تشبث به منذ نعومة أظافره.
اليوم، كان على موعد مع قضية جديدة، قضية ستشعل فتيل مغامرته القادمة، قضية ستحركه من ثباته لتجعله يواجه ما لم يكن يتوقعه. كان يتصفح ملفًا كبيرًا، عنوانه بخط ذهبي باهت: "قصر العذراء". قصر مهجور، بل قل أسطورة، يقع في منطقة نائية بين واحات الصعيد، يتناقل الناس حوله حكايات غريبة، عن سحر قديم، وعن كنوز مفقودة، وعن لعنات تتربص بمن يقترب.
"قصر العذراء". مجرد الاسم يبعث القشعريرة. أغلق "مجد الدين" عينيه للحظة، مستحضرًا صورًا رأها في كتب التاريخ، صورًا لقصر شاهق، تتلالأ واجهته بالنقوش الإسلامية المعقدة، وتلتف حوله الأساطير كأكليل من ورد بري. يقولون إن القصر بني في عصر المماليك، وأن صاحبه كان رجلاً غريب الأطوار، عاش وحيدًا، وترك وراءه ألغازًا لم تحل.
فتح عينيه مرة أخرى، وتناول هاتفًا قديمًا، مغلفًا بالجلد، يبدو وكأنه خرج من روايات ألف ليلة وليلة. ضغط على زر، وانتظر. صوت عميق، ذو رنين مميز، أجاب: "تفضل؟". "يا عمي، أنا مجد الدين. هل وصلكم شيء جديد بخصوص قصر العذراء؟" صمت قليل، ثم أجاب الصوت: "نعم يا بني. وصلتنا إشارة. إشارة تدل على أن هناك ما يستحق الكشف. السيدة لطيفة، وريثة القصر، وافقت على بدء عملية المسح المبدئي. لكنها اشترطت أمراً غريباً." "وما هو؟" سأل "مجد الدين" بترقب. "اشترطت أن يشرف على العملية بنفسه فريقك، وبأن يكون معك شخص تثق به، شخص من عائلتها." "من عائلتها؟" تعجب "مجد الدين". "من تقصد؟" "ابنة أختها. شابة اسمها 'ندى'. تقول إنها الوحيدة من العائلة التي تملك الشغف والمعرفة اللازمة لفهم القصر. وتقول إنها ستكون عينها الساهرة على العمل، ولن تسمح بأي تجاوز أو استغلال."
"ندى"؟ لم يسمع "مجد الدين" بهذا الاسم من قبل. لكنه كان يعلم أن قضايا كهذه غالبًا ما تكون معقدة، خاصة عندما يتعلق الأمر بملكية أثرية غامضة. "تمام يا عمي. سأقوم بترتيب كل شيء. ومتى سيكون الموعد؟" "غدًا صباحًا. في مكتب السيدة لطيفة. هي في انتظارك."
أغلق "مجد الدين" الهاتف، وشعر بتيار من الحماس يتخلل أوصاله. السفر إلى الصعيد، واكتشاف أسرار قصر قديم، والعمل مع شابة جديدة... كل هذا كان يمثل تحديًا ممتعًا.
نهض من مقعده، وتوجه إلى النافذة المطلة على زقاق قديم، حيث تتمايل أشجار التين والباسقات، وتتداخل ظلالها مع وهج الشمس. شعر بأن الأفق يتسع، وأن هناك قصة جديدة بدأت تتشكل، قصة ستتجاوز مجرد ترميم حجر، لتلامس شغاف القلب.
في الغد، قبل شروق الشمس بساعة، كان "مجد الدين" قد وصل إلى قصر والده، حيث استقبلته أمه السيدة "أمينة" بابتسامة حانية. "إلى أين يا ولدي؟ تبدو مستعجلاً كمن يلاحقه قمر؟" ابتسم "مجد الدين" وقال: "مغامرة جديدة يا أمي. سأذهب إلى الصعيد، في مهمة خاصة تتعلق بقصر العذراء." نظرت إليه أمه بقلق ممزوج بالفخر. "قصر العذراء؟ هذا القصر الذي يلفه الغموض؟ كن حذرًا يا بني. القصص التي تُحكى عنه ليست باليسيرة." "اطمئني يا أمي. سأكون حذرًا. وسأكون مع فريق عملي. وبالنسبة للعائلة، هناك فتاة سترافقنا." "فتاة؟" رفعت السيدة "أمينة" حاجبيها. "هل هي خطيبتك؟" ضحك "مجد الدين" وقال: "لا يا أمي، ليست خطيبتي. إنها ابنة أخت صاحبة القصر. تدعى ندى. سأتعرف عليها هناك." "آه. أتمنى أن تكون فتاة صالحة. وأن يكون كل شيء على خير."
ودع "مجد الدين" أمه، وشعر ببعض الأمان يتسلل إلى قلبه. كان لديه فريق عمل متمرس، ورجال أقوياء، ووالدة تدعو له. هذه كلها أسلحة فعالة في أي معركة.
في مقر الشركة، اجتمع بفريقه. المهندس "سمير"، ذو الخبرة الطويلة في ترميم الآثار، والحرفي "خالد"، الذي يمتلك عينًا خبيرة في التعامل مع التفاصيل الدقيقة، ومساعده الشاب "أحمد"، المليء بالحيوية والنشاط. "يا شباب، لدينا مهمة استثنائية. قصر العذراء. أعتقد أنكم سمعتم عنه." قال "سمير": "بالطبع يا مجد الدين. قصر أسطوري. يقال إنه مسكون." "هذه مجرد حكايات، يا سمير. ما يهمنا هو حجره وتاريخه. السيدة لطيفة، صاحبة القصر، سمحت لنا بالبدء. وسنكون هناك غدًا. استعدوا."
اجتمع "مجد الدين" مع "أحمد" في سيارته، متجهين إلى محطة القطار. كان الصباح قد بدأ يسطع، ملقيًا بضوئه الدافئ على شوارع القاهرة. "هل سمعت عن ندى، يا أحمد؟" سأل "مجد الدين". "لا يا باشا. لكن السيدة لطيفة سيدة معروفة بالنزاهة. وأختها كانت شخصية عامة." "أتمنى أن تكون ندى على قدر المسؤولية. لأن هذه القضية قد تكون معقدة."
جلسا في القطار، الذي بدأ يتحرك ببطء، كأنه يحمل على متنه أحلامًا وآمالًا. نظر "مجد الدين" من النافذة، إلى المناظر الطبيعية التي بدأت تتغير. المدينة تتباعد، والصحراء تتسع. شعر بأن حياته على وشك أن تأخذ منعطفًا غير متوقع. قصر العذراء، بظلاله العتيقة، كان ينتظره.