الزوج الكريم
نسيم العودة ورائحة الياسمين
بقلم فاطمة النجار
عادت لينا إلى منزل والديها بقلب مثقل وخيال متشابك. كل خطوة خطتها على أرض الديار كانت تعيدها إلى ذكريات الطفولة، إلى ضحكات الأخوات، وإلى حضن أم حنون. لكن هذه المرة، لم تكن تعود مسترخية، بل محمّلة بأسرار ومخاوف. نظرت إلى قصر جدرانه العتيقة، يستقبلها دفء مألوف، لكنه لم يستطع أن يمحو قلقها العميق.
"لينا! حبيبتي! متى عدتِ؟"
كان صوت والدتها، السيدة فاطمة، هو أول ما سمعته. اندفعت الأم بعينيها اللامعتين شوقاً، وضمّتها إلى صدرها بقوة. رائحة عطر والدتها، مزيج من المسك والورد، التي لطالما استنشقتها في غيابها، عادت لتبعث فيها بعض الطمأنينة.
"مساء الخير يا أمي. عدتُ قبل قليل." أجابت لينا، محاولةً أن تبدو هادئة، لكن ارتعاشة خفيفة في صوتها لم تخفَ على والدتها.
"ما بكِ يا ابنتي؟ تبدين شاحبة. هل أنتِ متعبة من السفر؟" سألت السيدة فاطمة، تتفحص وجه ابنتها بعناية.
"لا يا أمي، الحمد لله. ربما بعض الإرهاق فقط." قالت لينا، مبتسمةً بسمة باهتة.
صعدتا إلى الغرفة، حيث استقبلتها أخواتها الثلاث بفرح غامر. سارة، الكبرى، التي تزوجت منذ سنوات ولديها طفلان، تبادلت معها عناقاً دافئاً. ندى، الوسطى، التي لا تزال تدرس، ألقت عليها بوابل من الأسئلة حول حياتها في القاهرة. وأخيراً، آية، الصغرى، ذات الخيال الواسع، احتضنتها بحب كبير، كأنها لم ترها منذ دهر.
"لقد اشتقنا إليكِ كثيراً يا لينا. غيابكِ ترك فراغاً في البيت." قالت سارة، وهي ترتب وسائد سرير لينا.
"وأنا أيضاً اشتقت إليكم جميعاً. البيت من دونكنّ ليس بيتاً." أجابت لينا، تحاول جاهدةً أن تتجاهل التناقض بين شعورها الداخلي والكلمات التي تنطقها.
في تلك الليلة، جلست لينا مع والديها في غرفة المعيشة، تستمع إلى أحاديثهم عن أخبار العائلة والأصدقاء. الوالد، السيد أحمد، رجل له وقار واحترام، يمتلك لحية بيضاء تزيد من هيبته، كان يستمع إليها باهتمام، بينما كانت والدتها تنسج خيوط الحوار بذكاء.
"وكيف حال السيد خالد؟ هل سمعتِ منه شيئاً؟" سأل السيد أحمد، وهو يحتسي الشاي.
شعر قلب لينا بخفة مفاجئة. كان سؤالاً مباشراً، لكنه لم يكن بنفس الوقع الذي كانت تتخيله.
"لا يا أبي. لم أسمع منه شيئاً منذ فترة." أجابت، محاولةً أن تجعل صوتها محايداً.
"هذا غريب. لقد كان حريصاً جداً على التواصل معكِ. هل حدث شيء؟" تساءلت السيدة فاطمة، بعينين تعكسان القلق.
"ربما هو مشغول بأعماله. القاهرة مدينة كبيرة ومليئة بالتحديات." قالت لينا، وهي تعلم أن هذا ليس السبب الحقيقي.
"حقاً؟ لم يبدُ عليه أبداً أنه من النوع الذي يهمل. بالعكس، كان دائماً يظهر اهتماماً واحتراماً بالغين." قال السيد أحمد، ونبرته تحمل شيئاً من الاستغراب.
لم تجرؤ لينا على الخوض في تفاصيل محادثتها مع والدة خالد، تلك المحادثة التي قلبت كيانها. كانت كلماتها، برغم رقتها، تحمل في طياتها جبالاً من الصدمة. "خالد ليس هو الشخص الذي تظنينه يا لينا. هناك أمور تحدث وراء الكواليس، وأنا لا أريد لابنتي أن تتورط في مشكلة."
كانت هذه الكلمات تتردد في ذهنها، كأنها صدىً لقدرٍ لا مفر منه. هل كانت والدة خالد على حق؟ هل كان خالد، الشاب الذي أحبته بصدق، يخفي عنها شيئاً؟
في الأيام التالية، بدأت لينا تلاحظ تغيراً طفيفاً في تعامل شقيقاتها. ندى، تحديداً، كانت تبدو شاردة الذهن، وعيناها تحملان لمعة لم تعهدها. ذات مساء، بينما كنّ يجلسن في الحديقة، تحت ضوء القمر الفضي، اقتربت منها ندى.
"لينا، هل يمكنني أن أسألكِ شيئاً؟" قالت ندى بصوت خافت.
"بالتأكيد يا ندى. ما الأمر؟" أجابت لينا، وهي تتأمل زهر الياسمين الذي يفوح عطره في الجو.
"أتذكرين صديق خالد، السيد مازن؟"
ارتعش قلب لينا. مازن. اسم كان يحمل في طياته الكثير من الأسئلة. "نعم، أتذكر."
"لقد رأيته بالأمس في السوق، مع سيدة غريبة. كانا يتحدثان بحميمية شديدة. لم يكن الأمر يبدو مجرد لقاء عمل." قالت ندى، وعيناها تبحثان عن ردة فعل لينا.
شعرت لينا ببرودة تسري في عروقها. مازن. شريك خالد في العمل. كيف يمكن أن يكون هناك شيء بينه وبين امرأة أخرى، بينما هو نفسه قد تعرّف عليها عن طريق خالد؟ هل كان هناك مؤامرة أوسع؟
"وماذا عن خالد؟ هل كان معهما؟" سألت لينا، محاولةً أن تسيطر على نبرتها.
"لا، لم يكن خالد معهما. لكنني سألتُ أحدهم عن السيدة، وقيل لي إنها زوجته." قالت ندى، وكلماتها تحمل ثقلاً جديداً.
زوجته! صدمة أخرى. كان من المفترض أن يكون خالد أعزب. لم يذكر أبداً أنه متزوج. هل كان كل ما قاله لها كذباً؟ هل كانت والدته تعلم بهذا؟
"أمي كانت تقول دائماً إن خالد شخص محترم. ولكن... قد يكون هناك ما لا نعرفه." أضافت ندى، بنبرة لم تعد تملكها تلك البراءة التي كانت تغلفها.
نظرت لينا إلى الفراغ، وشعرت بأن الأرض تهتز تحت قدميها. بدأت الصورة تتضح، ولكن بطريقة مؤلمة. مازن، صديق خالد، متزوج، ورغم ذلك يتعرف على لينا ويدّعي أنه يبحث عن شريكة حياة. وخالد، الذي بدا وكأنه صديق مخلص، هل كان على علم بكل هذا؟ هل كان متواطئاً؟
"شكراً لكِ يا ندى. ما أخبرتني به مهم جداً." قالت لينا، وابتسامة خافتة ترتسم على شفتيها، ابتسامة تفتقر إلى السعادة.
في تلك الليلة، لم تستطع لينا النوم. ظلت تتأمل كلمات والدة خالد، وكلمات ندى. هل كانت تلعب دوراً في لعبة لم تدرك كنهها؟ هل كانت تنجذب إلى رجل لا تملك عنه سوى صورة مصطنعة؟
كان قرار العودة إلى قريتها هو بداية اكتشاف أسرار لم تكن تتوقعها. كل محادثة، كل نظرة، كل إشارة، كانت ترسم صورة جديدة، صورة مظلمة، ربما، ولكنها كانت الحقيقة التي بدأت تكشف عن نفسها شيئاً فشيئاً. وبينما كانت الشمس تغرب، وترسم لوحة من الألوان النارية في السماء، شعرت لينا بأن مستقبلها، الذي كان يبدو مشرقاً قبل أيام، قد أصبح فجأةً غامضاً ومليئاً بالأسئلة.