الزوج الكريم
ظلال الماضي وأسرار الحاضر
بقلم فاطمة النجار
بعد عدة أيام قضتها لينا في قريتها، بين أحضان عائلتها الدافئة، شعرت بأنها بحاجة إلى بعض الهدوء لتستوعب ما اكتشفته. كانت تتجول في أرجاء المنزل، تستنشق عبق التاريخ، وتستمع إلى أصوات الطيور التي ترتسم على نوافذ غرفتها. لكن هدوء المكان لم يستطع أن يطرد الشكوك التي غزت قلبها.
في صباح أحد الأيام، وبينما كانت تتصفح كتاباً قديماً لوالدتها، عثرت على صور بالية. كانت صوراً لوالدتها وشقيقاتها في شبابهن، وصوراً لوالدها مع أصدقائه. وفي إحدى الصور، لفت انتباهها وجه شاب لم تره من قبل. كان شاباً وسيماً، ذا نظرة عميقة، ابتسامته تحمل مزيجاً من البراءة والغموض.
"من هذا يا أمي؟" سألت لينا والدتها، وهي تشير إلى الصورة.
نظرت السيدة فاطمة إلى الصورة، وابتسامة حزينة ارتسمت على شفتيها. "هذا... هذا كان صديق والدك المقرب. اسمه طارق. لقد كان رجلاً طيباً. توفاه الله مبكراً."
"طارق؟" كررت لينا الاسم، وشعرت بألفة غريبة تجاهه.
"نعم، لقد كانا كأخوين. كان كثيراً ما يأتي إلى هنا. كان يحب الحديقة كثيراً، وكان يقضي وقتاً طويلاً في قراءة الكتب." قالت السيدة فاطمة، وعيناها تحملان ذكرى بعيدة.
"هل كان له عائلة؟" سألت لينا، وفضولها يتزايد.
"كان وحيداً. تركته والدته بعد وفاته. لم يكن له أقارب آخرون." أجابت والدتها، وهي تعيد الصورة إلى مكانها.
فجأة، تذكرت لينا حديثاً قديماً دار بين والديها. كانا يتحدثان عن مشروع عقاري سابق، وعن صعوبات واجهتهما. هل كان طارق له علاقة بهذا المشروع؟
في المساء، جلست لينا مع والدها، مستغلةً فرصة غياب والدتها. "أبي، هل لي أن أسألك عن السيد طارق؟"
نظر إليها السيد أحمد بتعجب. "طارق؟ لم أسمع هذا الاسم منذ زمن بعيد. ما الذي يثير فضولكِ بشأنه؟"
"فقط... رأيت صورة له. بدا رجلاً طيباً." قالت لينا، متجنبةً الخوض في التفاصيل.
تنهد السيد أحمد، وبدا عليه بعض الحزن. "نعم، كان طارق رجلاً طيباً. كان شريكاً لي في بداية حياتي المهنية. كان لديه رؤية واعدة، وكنا نخطط للكثير. لكن... القدر له كلمته."
"ماذا تقصد يا أبي؟" سألت لينا، وقلبها يخفق بقوة.
"لقد عملنا معاً على مشروع عقاري كبير. كان المشروع واعداً جداً، وكان من شأنه أن يغيّر حياتنا. لكن واجهنا بعض الصعوبات المالية، وبعض الخلافات مع شركاء آخرين. في تلك الفترة، بدأ طارق يتغير. أصبح أكثر تشاؤماً، وأكثر انعزالاً. وفي النهاية، انسحب من المشروع، وبيعه حصته لي بسعر رمزي. لم أفهم سبب ذلك حينها. لم يوضح لي شيئاً. وبعد فترة قصيرة، علمت بوفاته." قال السيد أحمد، ونبرته تحمل حسرة.
"هل كان هناك خلاف كبير بينكما؟" سألت لينا، مفكرةً في تعقيدات العلاقات الإنسانية.
"لم يكن خلافاً بالمعنى التقليدي. كان الأمر أشبه بانسحاب مفاجئ. لم يكن يفسر تصرفاته. قال لي إنه يريد أن يبدأ من جديد، بعيداً عن الضغوط. ولكنني كنت أشعر بأن هناك شيئاً أخطر." أجاب السيد أحمد، وهو ينظر إلى الخارج، إلى سماء الليل المرصعة بالنجوم.
"هل كان لديه أعداء؟" سألت لينا، وعيناها تترقبان إجابة والدها.
"لا أظن ذلك. كان يحبه الجميع. لكن... ربما كان هناك أشخاص حاولوا استغلال طيبته. ربما كان ضحية لبعض التلاعب. كان شاباً بسيطاً، لم يتعلم كيف يحمي نفسه في عالم الأعمال القاسي." قال السيد أحمد، وشعور بالأسف يخيم على وجهه.
كلمات والدها جعلت لينا تفكر. هل كان طارق ضحية؟ وهل كان ما حدث له مرتبطاً بالأساس بما يحدث الآن؟ تذكرت والدة خالد، وما قالته عن "أمور تحدث وراء الكواليس". هل كان هناك رابط بين الماضي والحاضر؟
في تلك الأثناء، في القاهرة، كان خالد يشعر بالضيق. غياب لينا كان يثقل كاهله، والقلق على حالتها كان يتزايد. تلقى اتصالاً من السيد مازن، صديقه.
"خالد، هل لديك وقت لتتحدث؟"
"تفضل يا مازن. أنا أسمعك." قال خالد، وشعر بأن نبرة مازن تحمل شيئاً غير عادي.
"لينا عادت إلى منزل والديها، أليس كذلك؟"
"نعم، لقد أخبرتني والدتي بذلك." أجاب خالد، متفاجئاً بمعرفة مازن بالأمر.
"هل تحدثت معها؟ هل عرفت سبب عودتها؟" سأل مازن، بنبرة تثير الفضول.
"لا، لم أتحدث معها. ولكنني أشعر بأن هناك شيئاً ما. لقد بدأت أشعر بأنني أخفيت عنها بعض الأمور." قال خالد، بصوت يحمل اعترافاً.
"أنا أفهمك يا خالد. أحياناً، الحفاظ على سلامة من نحب يتطلب منا أن نتخذ قرارات صعبة. ولكن... لا يمكننا أن نترك الأمور هكذا. الأمور بدأت تتشابك أكثر مما ينبغي." قال مازن، ونبرته تبدو وكأنها تحمل تحذيراً.
"ماذا تقصد؟ هل هناك شيء تعرفه؟" سأل خالد، وهو يشعر بأن شبكة الأسرار تضيق حوله.
"أتذكر مشروعنا الأخير؟ المشروع الذي وضعنا فيه كل مدخراتنا؟"
"بالتأكيد. لقد كاد أن يدمرنا." قال خالد، متذكراً الأيام الصعبة.
"المشاكل لم تنتهِ بعد يا خالد. هناك أشخاص بدأوا يظهرون اهتماماً بهذا المشروع، أشخاص لا نريد لهم أن يعرفوا تفاصيله. وأخشى أن تكون لينا في خطر." قال مازن، وكلماته تحمل جدية تامة.
فكر خالد في لينا. كيف يمكن أن تكون في خطر؟ لم يكن يفهم. "ولكن ما علاقة لينا بهذا؟"
"أخشى يا خالد، أن يكون هناك رابط بين ماضي طارق، ومشروعنا، وبين الأشخاص الذين يحاولون الآن استغلال هذه الأمور. وأنا أخاف أن تكون لينا، بسبب علاقتها بك، قد أصبحت هدفاً." قال مازن، ونبرته تحمل قلقاً حقيقياً.
شعر خالد بالصدمة. طارق؟ المشروع؟ لينا؟ كيف يمكن أن تتشابك كل هذه الأمور؟ هل كان مازن يحاول التحذير؟ أم أنه كان يحاول توريطه أكثر؟
"علينا أن نكون حذرين يا خالد. يجب أن نضع خطة. قبل أن يحدث ما لا يحمد عقباه." قال مازن، وبعدها أنهى المكالمة.
وقف خالد في شقته، يشعر بالارتباك. بدا له الأمر وكأن كل شيء بدأ يتكشف، ولكن بطريقة لم يكن يتوقعها. طارق، الرجل الذي ذكره السيد أحمد، كان له دور في ماضيه. ومازن، صديقه، يحذره من خطر يتعلق بمشروعه الماضي. ولينا، حبه، في مركز كل هذا.
شعر بأن عليه أن يتخذ قراراً. قراراً قد يغير كل شيء. قراراً يتعلق بالكشف عن حقيقة قد تكون مؤلمة، ولكنها ربما تكون السبيل الوحيد لحماية لينا. لم يكن يعلم كيف سيفعل ذلك، ولكنه كان يعلم أن الوقت ينفد.