الفصل 15 / 25

الزوج الكريم

همسات الماضي ورياح المستقبل

بقلم فاطمة النجار

تسللت خيوط الشمس الذهبية الباهتة من خلال نوافذ غرفة جلوس "آمنة"، ترسم أشكالاً متعرجة على السجاد الفارسي العتيق. كان الصباح قد بدأ، لكن هدوء المنزل كان يوحي بأنه ما زال غارقاً في سبات عميق. جلست آمنة على الأريكة، تحتضن كوباً من الشاي الدافئ، وعيناها مثبتتان على انعكاس وجهها الشاحب في زجاج النافذة. كانت أحداث الأمس كعاصفة هوجاء مرت على حياتها الهادئة، تاركة خلفها أثراً من القلق والتردد.

لقد كان حديثها مع والدة "فهد" مفاجأة غير سارة. عبارات "عائلتنا لا ترى فيكِ الرفيقة المناسبة لابننا" و"هناك أمور تتطلبها مكانتنا لا تتوفر فيكِ" ظلت تدوي في أذنيها، تخترق قناعاتها الهادئة وتزرع بذور الشك في روحها. لم تكن آمنة تتوقع هذا التصريح القاسي، بل كانت تؤمن بأن الحب والمودة بين الزوجين هما أساس الحياة الزوجية، وأن القيم الأخلاقية والصفات الشخصية أسمى من أي مكانة اجتماعية.

كانت "فاطمة"، والدة فهد، امرأة عرفت بصلابتها وحرصها الشديد على سمعة عائلتها العريقة. كانت آمنة قد التقت بها عدة مرات خلال فترة الخطوبة، وكانت تبدو في البداية متقبلة لها، بل ومُعجبة بطيبتها واحترامها. فما الذي تغير؟ هل كان ذلك مجرد تمثيل؟ أم أن هناك أبعاداً خفية في المجتمع لم تكن آمنة تدركها تماماً؟

شعرت بضيق في صدرها. لطالما نظرت إلى فهد كشريك حياة يشاركها أحلامها وقيمها. كان رجلاً حكيماً، رقيق القلب، ومتمسكاً بتعاليم دينه. كان يراها بعين الحب والتقدير، ولم تبدُ له يوماً ناقصة أو غير جديرة. هل سيؤثر هذا الضغط العائلي على نظرته لها؟ هل سيبدأ هو الآخر في التشكيك في صلاحيتها كزوجة؟

نهضت آمنة وتوجهت نحو المطبخ. كان عليها أن تبدأ يومها، وأن تتجاوز هذه المشاعر السلبية. شرعت في إعداد وجبة الإفطار، محاولة أن تشغل نفسها بمهام روتينية. صوت تقطيع الخضروات وصوت غليان الماء بدا كضوضاء خفيفة تخفف من وطأة أفكارها.

في هذه الأثناء، كان فهد في مكتبه، يجلس أمام شاشة حاسوبه، لكن عينيه كانتا تائهتين. لم يتمكن من التركيز في تقرير العمل الذي أمامه. كانت كلمات والدته لا تزال عالقة في ذهنه: "يا بني، أرجوك كن عاقلاً. زواجك من هذه الفتاة سيضعنا في موقف حرج. هي طيبة، نعم، لكنها تفتقر إلى ما نتوقعه في زوجة ابننا. سمعة العائلة، العلاقات الاجتماعية، كل هذا يتطلب منها أن تكون من خلفية معينة."

كان فهد يشعر بالصراع. والدته كانت تمثل عائلته، وكان يحترمها ويحبها. لكن آمنة كانت تمثل قلبه، كانت تمثل المستقبل الذي يريده. كانت تملك من الصفات النبيلة والأخلاق الحميدة ما لا تقدر بثمن. كيف يمكن لوالدته أن تقلل من شأنها بهذه الطريقة؟ هل تعتقد حقاً أن المال والمكانة أهم من نقاء الروح وحسن الخلق؟

تذكر كيف التقى بآمنة أول مرة. في لقاء عائلي، وجدها تتحدث مع جدته بصبر ولطف، وتستمع إلى حكاياتها بتعاطف كبير. كانت ترتدي حجابها بكل وقار، وكانت ابتسامتها تبعث على الطمأنينة. شعر حينها بأنها انسانة استثنائية. كلما عرفها أكثر، ازدادت إعجابه بذكائها، وروحها المرحة، وحسن تدبيرها.

لقد حاول مراراً وتكراراً إقناع والدته بأن آمنة هي الفتاة المناسبة له. أخبرها عن طيبة قلبها، عن احترامها للكبير، عن شغفها بالتعلم، وعن إيمانها العميق. لكن والدته كانت مصرة. يبدو أنها كانت ترى الزواج كصفقة اجتماعية أكثر منه اتحاداً روحياً.

قرر فهد أن يتحدث مع والدته مرة أخرى. هذه المرة، سيكون أكثر حزماً. لا يمكنه أن يسمح لأي شخص، حتى أقرب الناس إليه، أن يفسد سعادته المستقبلية.

في وقت لاحق من ذلك اليوم، تلقت آمنة اتصالاً هاتفياً من صديقتها المقربة "نورة". كانت نورة قد علمت بما حدث من والدة فهد، حيث كانت تربطهما علاقة معرفة قديمة.

"آمنة حبيبتي، كيف حالك؟" سألت نورة بصوت قلق. "بخير يا نورة، الحمد لله." أجابت آمنة، محاولة أن تخفي ارتباكها. "سمعت ما حدث. والدة فهد؟ كيف لها أن تفعل ذلك؟" "لا أعرف يا نورة. ربما لديها وجهة نظر مختلفة." "وجهة نظر مختلفة؟ هذا ظلم! أنتِ مثال للفتاة المسلمة الصالحة. فهد يعرف قيمتك، وهذا هو المهم." "أتمنى ذلك يا نورة. لكن الأمر يقلقني." "لا تقلقي. فهد رجل يعتمد عليه. سيقف بجانبك." "آمل أن تكوني على حق. لقد شعرت ببعض الوحدة هذه الأيام." "أنا هنا دائماً يا آمنة. إذا احتجتِ أي شيء، أو أردتِ التحدث، فلا تترددي." "شكراً لكِ يا نورة. وجودكِ يريحني كثيراً."

بعد أن أغلقت آمنة الخط، شعرت ببعض الراحة. كانت صداقة نورة كنزاً ثميناً. في لحظات الشك والضيق، كانت كلمات صديقتها خير بلسم.

في المساء، عندما عاد فهد إلى المنزل، وجد آمنة تجلس في الحديقة الخلفية، تراقب النجوم التي بدأت تظهر في السماء الصافية. تقدم نحوها بهدوء.

"مساء الخير يا حبيبتي." قال بصوت دافئ. التفتت آمنة نحوه، وابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيها. "مساء النور يا فهد." جلس بجانبها. "كنت أفكر فيكِ اليوم." "وأنا أيضاً." قالت بصوت هادئ. "والدتي تحدثت إليكِ، أليس كذلك؟" سأل بفضول. نظرت آمنة إلى يديها المتشابكتين. "نعم. تحدثت معي." "أعتذر لكِ يا آمنة. لم أكن أعلم أنها ستتصرف بهذه الطريقة. لم أوافق على ما قالته." "لا بأس يا فهد. أفهم أن لكل شخص قناعاته." "لكنني لا أرى الأمور بهذه الطريقة. أنتِ بالنسبة لي كل شيء. لا يهمني رأي الآخرين فيكِ، بقدر ما يهمني رأيي أنا فيكِ، ورأيكِ في نفسكِ." مد فهد يده ولامس يدها بلطف. "أنا أحبكِ يا آمنة. وأريدكِ زوجة لي. مهما حدث، سأتمسك بكِ." شعرت آمنة بدفء ينتشر في قلبها. كلمات فهد كانت كبلسم شافٍ لجروحها. لقد طمأنتها، وأعادت إليها ثقتها.

"وأنا أحبك يا فهد. هذا ما يهمني." قالت بنبرة صادقة. "دعنا ننسى هذا الموضوع الآن. ما رأيكِ لو ذهبنا في نزهة غداً؟ إلى المكان الذي التقينا فيه أول مرة؟" ابتسمت آمنة. "فكرة رائعة."

في ذلك المساء، وبينما كانا يسيران جنباً إلى جنب تحت ضوء القمر، شعرت آمنة بأن علاقتهما أصبحت أقوى. لم تكن مشاكل والدة فهد مجرد عقبة، بل كانت اختباراً لقوة حبهما، واختباراً لقيمهما. وكانت آمنة متأكدة، بفضل فهد، أنها ستجتاز هذا الاختبار بنجاح. لكنها لم تعلم أن هذه المشاكل كانت مجرد بداية، وأن هناك رياحاً عاتية أخرى كانت تهب من الماضي، تحمل معها أسراراً لم تكن تتوقعها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%