الفصل 16 / 25

الزوج الكريم

أشباح الماضي ووعود الحاضر

بقلم فاطمة النجار

اجتاحت الشمس السماء بنورها الساطع، ملقية بظلال طويلة على أزقة القاهرة القديمة. كانت أسواق المدينة تعج بالحياة، تفيض بالألوان والأصوات والروائح. في أحد شوارعها الضيقة، حيث تتلاصق المباني الأثرية، وقف "عادل"، رجل في منتصف العمر، يتأمل واجهة أحد المحلات القديمة. كان وجهه يحمل آثار الزمن، لكن عينيه كانتا لا تزالان تحتفظان ببريق حاد، وكأنهما تحملان أسراراً دفينة.

عادل، الذي كان معروفاً كتاجر ناجح في مجال العقارات، كان يحمل في طيات صدره ماضياً أكثر تعقيداً مما يظهر على السطح. لقد عرف "آمنة" منذ سنوات، وكان يرى فيها الابنة التي لم ينجبها. كان يدعمها سراً، ويراقب حياتها عن بعد، سعيداً برؤيتها تسير في الطريق الصحيح، وتفوز بقلب شاب طيب مثله. لكن كان هناك شيء واحد يقلقه، شيء يتعلق بماضيها، ماضي عائلتها الذي لم تفصح عنه بالكامل.

كانت والدة آمنة، "ليلى"، قد توفيت وهي في سن مبكرة، وتركت ابنتها تحت رعاية جدتها. لم يكن عادل يعرف الكثير عن والدة آمنة، سوى أنها كانت امرأة متدينة وخلوقة. لكنه كان يعلم أن هناك ظروفاً جعلت هذه العائلة تعاني من تقلبات في حياتها.

قبل عدة أسابيع، تلقى عادل رسالة غامضة، حملت في طياتها تهديداً مبطناً. كانت الرسالة تحذره من التدخل في حياة "آمنة"، وأن "الأسرار القديمة ستعود لتطاردها". في البداية، لم يعرها اهتماماً كبيراً، معتقداً أنها مجرد مزحة سخيفة. لكن مع تزايد القلق بشأن ضغط عائلة فهد على آمنة، بدأ يشعر بأن هناك خيطاً يربط بين هذه التهديدات ومستقبلها.

قرر عادل أن يزور جدة آمنة، السيدة "زينب"، التي كانت تعيش في منزلها الهادئ في حي الزمالك. كانت السيدة زينب امرأة وقورة، تحمل في ملامحها حكمة السنين، ورصانة الأجداد.

"أهلاً بك يا أستاذ عادل." قالت السيدة زينب بصوت ودي، وهي تقدم له فنجاناً من القهوة. "لم أرك منذ فترة." "أهلاً بكِ يا جدتي. كنت مشغولاً قليلاً." أجاب عادل، وهو يتفحص المكان بعينيه. كان يعرف أن هذا المنزل كان شاهداً على الكثير من الذكريات، وأن حوائطه تحفظ قصصاً لا تعد ولا تحصى. "هل من أمر يشغل بالك؟ تبدو قلقاً." سألت السيدة زينب بحدسها القوي. "نعم يا جدتي. ما يحدث مع آمنة هذه الأيام يقلقني. ضغط عائلة فهد، والأمور التي تسمعها... هذا ليس طبيعياً." تنهدت السيدة زينب. "إنها الدنيا يا بني. تتغير القلوب والأحوال." "لكنني تلقيت رسالة غامضة قبل أيام، تحذرني من التدخل في حياتها. تقول أن أسراراً قديمة ستعود لتطاردها." اتسعت عينا السيدة زينب قليلاً، ثم استعادت هدوءها. "أسرار؟ ما هي الأسرار التي تتحدث عنها؟" "هذا ما أحاول فهمه يا جدتي. هل هناك شيء في ماضي عائلتنا، شيء يتعلق بوالدة آمنة، لم تخبريني به؟" نظرت السيدة زينب إلى الشرفة، وعيناها تحملان حزناً عميقاً. "الماضي يا بني، له ظلال طويلة. بعض الظلال لا يمكن لأحد أن يهرب منها." "لكنني أحتاج أن أعرف. آمنة على وشك الزواج. يجب أن تكون مستعدة لكل شيء." "والدة آمنة، رحمة الله عليها، كانت امرأة عظيمة. واجهت الكثير من المصاعب." بدأت السيدة زينب تحكي، بصوت يخفت ويتصاعد كالأمواج. "كانت هناك قضية قديمة، تتعلق بتركة، وشخص كان يسعى لامتلاك ما هو ليس له. حدثت أمور مؤلمة، أثرت على حياتها كثيراً." "وما هو هذا الشخص؟ هل ما زال موجوداً؟" "نعم. اسمه "رشيد". كان زميلاً لزوجها الراحل في العمل، وكان طامعاً. حاول ابتزازها، وسرق بعض الوثائق المهمة. لكن والدة آمنة، بقوتها وإيمانها، واجهته. وتدخل بعض الأصدقاء المخلصين، ومن بينهم... أنت." تفاجأ عادل. "أنا؟" "نعم. لقد ساعدتني كثيراً في تلك الفترة، دون أن تعلم آمنة بذلك. لقد أخفيت بعض الوثائق، وقدمت الدعم اللازم. وتمكنت من إبعاد رشيد، ولكنه لم ينسَ أبداً. كان يحمل ضغينة." "رشيد. الآن أفهم. يبدو أن ضغينة هذا الرجل لم تنتهِ." "أخشى ذلك. يبدو أنه عاد، أو أن هناك من يحمل رأيه." "ولماذا لم تخبريني بهذا من قبل؟" "خشيت عليك يا بني. وخشيت على آمنة. كنت أعتقد أن الأمور قد انتهت. وأن هذا الرجل قد اختفى من حياتنا." "لكن هذه الأمور قد تؤثر على زواج آمنة. عائلة فهد، سمعتهم... إذا عرفوا بهذه القضية القديمة، قد يستخدمونها ضدها." "هذا ما يقلقني. آمنة بريئة من كل ما حدث. لكن الناس غالباً ما يحكمون على الظاهر." "يجب أن أرى آمنة. يجب أن أخبرها بكل شيء." "لا أعرف إن كان هذا صحيحاً يا بني. ربما سيجعلها هذا الأمر أكثر قلقاً." "القلق خير من المفاجأة يا جدتي. يجب أن تكون على علم بما قد يواجهها. وسأساعدها، كما فعلت سابقاً."

في نفس الوقت، كانت آمنة تشعر بتغيير في سلوك فهد. كان يبدو متوتراً في بعض الأحيان، وكأنه يحمل ثقلاً لا يستطيع البوح به. حاولت سؤاله، لكنه كان يتهرب من الإجابة، ويقول أنها مجرد ضغوط عمل.

"فهد، هل أنت متأكد أنك بخير؟" سألت في إحدى الأمسيات، وهي تراه يحدق في الفراغ. "نعم يا حبيبتي. فقط بعض الأمور العائلية التي أحاول تسويتها." "هل الأمر يتعلق بوالدتك؟" "لا، ليس تماماً." قال، ثم صمت. "آمنة، هل هناك أي شيء في ماضيكِ، أي شيء قد يسبب لكِ إحراجاً لو انكشف؟" نظرت آمنة إليه باستغراب. "ماذا تقصد؟" "مجرد سؤال." قال بلهجة مباغتة. "لا أعرف. ماضيي بسيط جداً. قضيت طفولتي في رعاية جدتي، وتلقيت تعليمي. والدتي توفيت مبكراً. لا شيء غريباً." كانت إجابتها صادقة، لكنها لم تكن كاملة. كانت هناك تفاصيل عن صراع والدتها، وعن الظروف التي مرت بها، لم تكن تعلمها.

بعد أن غادر عادل منزل السيدة زينب، شعر بعبء ثقيل على كتفيه. لقد تأكد بأن التهديدات ليست مجرد هلوسات، بل لها جذور في الماضي. وكان عليه أن يكشف الحقيقة لآمنة، قبل أن تفاجأ بها. لكن كيف؟ كيف يمكن له أن يفسر لها قصة معقدة، قصة تتعلق بأمها الراحلة، وبخلاف قديم، دون أن يثير في قلبها الخوف والقلق، خاصة في هذه الفترة الحساسة من حياتها؟

كانت الأيام تمر، وأسرار الماضي بدأت تلوح في الأفق، تحمل معها احتمالات خطيرة. وعادل، الذي لطالما سعى لحماية آمنة، وجد نفسه أمام مفترق طرق، لا يدري أي طريق سيؤدي إلى بر الأمان، وأيها سيلقي بهم في بحر من المتاعب.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%