الزوج الكريم
حقيقة مدفونة ورماد يكشف الستار
بقلم فاطمة النجار
كانت نسمة الصباح الباردة تلفح وجه "آمنة" وهي تقف على شرفة منزلها، تحتسي كوباً من الزنجبيل الساخن. كانت تفكر في حديثها الأخير مع "فهد". كلمات سؤاله عن أي شيء قد يسبب لها إحراجاً ظلت تدور في رأسها. هل اكتشف شيئاً؟ أم أنها مجرد مخاوف عادية لديه؟
في صباح اليوم التالي، تلقت آمنة مكالمة هاتفية من "عادل". صوته كان يحمل نبرة جدية لم تسمعها منه من قبل.
"آمنة، صباح الخير. هل يمكن أن نلتقي اليوم؟ لدي أمر مهم جداً أريد أن أخبركِ به." "صباح النور يا عم عادل. بالتأكيد. متى وأين؟" "في مقهى 'الروضة' عند الظهيرة. لا تتأخري." شعرت آمنة ببرودة تسري في عروقها. كان نبرة عادل توحي بخطورة الأمر.
جلست آمنة في أحد أركان مقهى "الروضة" الهادئ، حيث تتراقص أشعة الشمس الذهبية على طاولات خشبية قديمة. كان المكان يمتاز برائحة القهوة العربية الأصيلة، وعبق الياسمين المتسلق على جدرانه. لم يمضِ وقت طويل حتى وصل عادل، وبدا وجهه كالسماء الملبدة بالغيوم.
"أهلاً بكِ يا ابنتي." قال وهو يجلس مقابلها. "أشكركِ على حضوركِ." "على الرحب والسعة يا عم عادل. ما الأمر الذي يشغل بالك؟" أخذ عادل نفساً عميقاً. "آمنة، أعلم أن ما سأقوله قد يكون مفاجئاً، وربما مؤلماً. لكنني أرى أنه من واجبي أن أخبركِ بالحقيقة كاملة." بدأ عادل يحكي قصة والدتها، "ليلى"، والصراع الذي واجهته مع "رشيد" حول تركة عائلية. سرد كيف أن رشيد حاول ابتزازها، وسرق وثائق مهمة، وكيف تدخل هو، عادل، لمساعدتها في إخفاء هذه الوثائق ودعمها.
"لكن يا عم عادل، والدتي لم تذكر لي شيئاً عن كل هذا." قالت آمنة بصوت مرتبك، وعيناها تلمعان بدموع خفية. "ربما لم تكن تريد أن تقلقكِ، أو تخافي. كانت تحميكِ، كما كنت أحاول أنا أن أحميكِ." "ولماذا الآن؟ لماذا تبلغني بهذا الآن؟" "لأنني تلقيت تهديدات. هناك من يحاول العودة، ويستخدم الماضي ضدكِ. يبدو أن رشيد، أو ورثته، لم ينسوا ضغينتهم." ارتعش جسد آمنة. "تهديدات؟ يعني... يعني أن هناك خطراً عليّ؟" "هناك احتمال. وهذا هو السبب الذي جعلني أرى ضرورة إخباركِ. يجب أن تكوني مستعدة. يجب أن تعرفي من هو رشيد، وما هي القضية." "لكن... ما هي هذه الوثائق التي سرقها؟ وماذا كان سيحدث لو لم تتدخل؟" "كانت الوثائق تتعلق بحقوق العائلة في بعض الأملاك. لو تمكن رشيد من الحصول عليها، لكان قد حرم عائلتكِ من جزء كبير من ثروتها. ولأنه لم يفلح، فقد حمل حقداً كبيراً." "هل تعرف أين هو رشيد الآن؟" "لا أعرف بالضبط. لكن هناك من يؤكد لي أنه ما زال في القاهرة، وربما يسعى للانتقام." "وما علاقة هذا بعائلة فهد؟" سألت آمنة، وشعرت برعب جديد يتسلل إلى قلبها. "هذه هي المشكلة الكبرى يا آمنة. عائلة فهد، بمكانتها الاجتماعية، وسمعتها... إذا انكشف هذا الأمر، قد يستخدمونه ضدكِ. قد يرونكِ كعبء، أو كمشكلة." شعرت آمنة بأن الأرض تميد بها. كل آمالها في بناء حياة سعيدة مع فهد بدأت تتلاشى كحلم يقظة. كانت والدة فهد قد أشارت إلى أنها لا تراها مناسبة لزوجة ابنها. هل كان هذا الخوف من الماضي سبباً؟
"لا أستطيع تصديق هذا." تمتمت آمنة، وهي تغطي وجهها بيديها. "أمي... لماذا لم تخبرني؟" "كانت تريد حمايتكِ. ولكن الآن، عليكِ أن تواجهي الحقيقة." "وماذا أفعل الآن؟" "لا تقلقي. أنا هنا. وسأساعدكِ. أولاً، نحتاج إلى العثور على الوثائق الأصلية. إذا استعدناها، قد نتمكن من إغلاق هذا الملف للأبد." "وأين يمكن أن تكون؟" "هذا ما أحتاج أن أبحث عنه. ربما تكون في مخبأ قديم، أو مع شخص كان يعرف والدتكِ جيداً." "لكن كيف سأخبر فهد؟" سألت بقلق. "هذا يعود لكِ. أنا أعتقد أنه من الأفضل أن تخبريه. فهد رجل حكيم، وقد يدعمكِ. لكن إذا شعرتِ أنه قد لا يفهم، أو أن عائلته قد تستغل الأمر، فنحن نتصرف من وراء ظهورهم." "لا أريد أن أخفي عنه شيئاً." قالت آمنة بحزم. "إذا كان سيصبح زوجي، فيجب أن يعرف كل شيء."
بعد لقائها بعادل، عادت آمنة إلى منزلها، وقلبها يعتصر ألماً وقلقاً. كانت تشعر بالخيانة من والدتها، وبالخوف من المستقبل. كيف يمكن لفهد، الذي بدأت تحبه بعمق، أن ينظر إليها بعد معرفة هذه الحقيقة؟ هل سيتهمها بالخداع؟ هل سيتخلى عنها؟
قررت أن تواجه فهد. في المساء، عندما عاد إلى المنزل، وجدها جالسة في غرفة المعيشة، تبدو شاحبة ومتعبة.
"آمنة، ما بكِ؟" سأل فهد بقلق، وهو يجلس بجانبها. "فهد، لدي شيء مهم جداً أريد أن أخبرك به." بدأت آمنة، وصوتها يرتجف. روت له قصة والدتها، وقضية رشيد، والتهديدات الجديدة. شرحت كل شيء، بصدق كامل، متوقعة أسوأ رد فعل.
استمع فهد بصبر، وكان وجهه هادئاً، لكن عينيه كانتا تحملان خليطاً من الدهشة والقلق. عندما انتهت، ساد الصمت لبضع لحظات.
"آمنة،" قال فهد أخيراً، بصوت عميق. "أنا آسف لأنكِ اضطررتِ لمواجهة كل هذا بمفردكِ. أعتذر لأن والدتي، وربما عائلتي، قد ساهموا في زيادة قلقكِ." "لكن... أنت... أنت لست غاضباً؟" سألت آمنة، متفاجئة. "لماذا أغضب؟ أنتِ لستِ المذنبة في هذه القضية. أمكِ كانت تحميكِ. وأنا الآن بجانبكِ." مد فهد يده، وأمسك بيديها. "دعيني أساعدكِ. أعتقد أنني أستطيع أن أفعل شيئاً. والدي كان لديه الكثير من الأصدقاء القدامى، ربما بينهم من يعرف شيئاً عن هذه القضية، أو يستطيع المساعدة في العثور على الوثائق." "ولكن... عائلتك..." "عائلتي الآن أصبحت أنتِ جزءاً منها، بطريقة أو بأخرى. وسنواجه هذا معاً. هذه القضية، وإن كانت مؤلمة، لا تحدد من أنتِ. أنتِ ما أراه فيكِ: فتاة طيبة، قوية، ومتدينة." شعرت آمنة بدموع غزيرة تنهمر من عينيها، لكن هذه المرة، كانت دموع راحة وامتنان. كلمات فهد كانت كالبلسم الشافي. لقد وثق بها، وقرر أن يقف بجانبها، رغم كل التعقيدات.
"شكراً لك يا فهد." قالت، وهي تضغط على يده. "شكراً لك." "سنحل هذه المشكلة معاً." أكد فهد. "ولكن، هل يمكن أن أطلب منكِ شيئاً؟" "ماذا؟" "لا تخبري أحداً عن هذه القضية، حتى يتم حلها. خاصة والدتي. دعيني أتعامل مع هذا الأمر بحذر." "حسناً. سأفعل ما تقول."
بينما كانا يتحدثان، لم يعلما أن هناك من كان يراقبهما. من نافذة سيارة سوداء داكنة، كان "رشيد" يراقب مدخل منزل فهد، وعيناه تلمعان بنظرة شريرة. لقد علم بعودة آمنة للحياة، وبأنها على وشك الزواج. ولم يكن مستعداً ليتركها تستمتع بسعادتها دون أن يترك بصمته.