الفصل 19 / 25

الزوج الكريم

بين ظلال الماضي وقيود الحاضر

بقلم فاطمة النجار

اجتمع القدر بـ "ليلى" و"أحمد" في ليلةٍ لم تكن كغيرها من الليالي. فبعد أسابيع من الترقب والقلق، وبعد أن استقرّت العاصفة التي عصفت بقلبيهما، وجدا نفسيهما أمام مفترق طرقٍ حاسم. كانت "ليلى"، بشعرها الداكن المتدلي كستارٍ ليلي، تجلس في ركنٍ من أركان مجلس "بيت العائلة"، ترتشف قهوتها المرّة، وقلبها يخفقُ كطائرٍ حبيسٍ في قفص. كانت عيناها، بلونِ العقيقِ الأسود، تتلفتانِ بين الحينِ والآخر نحو الباب، ترجو أن يفتحَ ليكشفَ عن وجهِ "أحمد" الذي أصبحَ لها وطناً وملجأً.

كان "أحمد"، ببدلتهِ الأنيقةِ التي لم تفلح في إخفاءِ توترهِ الظاهر، يقفُ عندَ النافذةِ المطلةِ على الحديقةِ التي شهدتْ بداياتِ حبهما. كانت يداهُ تتشابكانِ بخفّةٍ، تعكسُ ثقلهُ العاطفيّ الكبير. لم يكن الأمرُ سهلاً أبداً. فقد فرضتْ ظلالُ الماضي ثقلها على حاضرِهما، وألقتْ بأسئلتها التي لم تجدْ لها إجاباتٍ شافية. كانَ "كمال"، صديقُ والدهِ القديم، قدْ أصبحَ شوكةً في حلقهما، حاملاً معه أسراراً لم يكنْ أحدٌ يتوقعها، وكشفتْ عن وجهٍ آخرَ للحياةِ لمْ تخطرْ ببالِهما قط.

"لم يكنْ الأمرُ كما ظننتِ يا ليلى"، قالَ "أحمد" بصوتٍ خفيضٍ، كأنهُ يستجمعُ قواه لمواجهةِ أقسى الحقيقة. "لمْ تكنْ مجردَ خلافاتٍ عاديةٍ بينَ الأشقاء. هناكَ ما هوَ أعمقُ من ذلك بكثير."

"وما هوَ يا أحمد؟" سألتْ "ليلى" بصوتٍ مرتعشٍ، تلتقطُ منهُ اليأسَ الأمل. "قل لي ما يؤرقكَ. لا يمكنني أنْ أرى هذا العذابَ في عينيكَ وأنا عاجزةٌ عنْ فعلِ شيء."

كانَ "كمال" قدْ كشفَ عنْ وثائقَ قديمةٍ، ورسائلٍ لمْ يعرفْ أحدٌ بوجودها. وثائقُ تكشفُ عنْ مؤامرةٍ قديمةٍ نسجتْ خيوطها في الخفاء، مؤامرةٌ تمسُّ سمعةَ عائلةٍ بأكملها، وتلقي بظلالٍ من الشكِّ على نبلِ "عبد الرحمن"، والدِ "أحمد".

"والدي... لمْ يكنْ بالصورةِ التي رسمناها لهُ دائماً"، قالَ "أحمد"، وهوَ يشعرُ بحرقةٍ في صدرهِ. "لقدْ خانَ ثقةَ أخيهِ. بلْ، لقدْ سرقَ منهُ شيئاً عزيزاً. شيئاً لمْ يكنْ ليُسلبَ أبداً."

توسعتْ عينا "ليلى" بدهشةٍ، وأمسكتْ بيدِ "أحمد" بقوةٍ، كأنها تحاولُ أنْ تستمدَّ منهُ الشجاعة. "ماذا تقصدُ؟"

"لقدْ اكتشفتُ أنَّ عمي، شيخَ القبيلةِ السابق، كانَ يمتلكُ أرضاً واسعةً، ميراثاً لهُ ولأبنائهِ. وبعدَ وفاتهِ، ادعى والدي أنَّ أخاهُ لمْ يتركْ شيئاً. بلْ، استغلَّ ضعفَ أرملتهِ، وقامَ بتسجيلِ الأرضِ باسمهِ. هذهِ الأرضُ التي نعيشُ عليها الآن... جزءٌ كبيرٌ منها... ليسَ لنا."

صمتتْ "ليلى"، ولمْ تجدْ الكلماتِ المناسبة. كانتْ هذهِ الحقيقةُ صادمةً، تفوقُ كلَّ تصوراتها. لقدْ بنى "أحمد" حياتَهُ على أساسٍ منْ العدلِ والنبل، فكيفَ يمكنُ أنْ يكونَ والدهُ قدْ ارتكبَ مثلَ هذهِ الخطيئة؟

"وهذا ليسَ كلَّ شيء"، أضافَ "أحمد"، وصوتهُ يرتجفُ. "كمالُ لمْ يأتِ ليُخبرنا بهذهِ الحقيقةِ بدافعِ النخوةِ أوْ الإصلاح. لقدْ أخبرني أنهُ فعلَ ذلكَ بعدَ أنْ رأى مدى سعادةِ والدِهِ وهوَ يرى ابنَهُ "أحمد" يتزوجُ منكِ. لقدْ كانَ يخشى أنْ تُفسدَ سعادةَ والدِهِ... وأنْ تُصبحَ أنتِ، يا ليلى، جزءاً منْ هذا الإرثِ الملوّث."

انفجرتْ "ليلى" في البكاءِ، دموعٌ ساخنةٌ تنسابُ على خديها. لمْ يكنْ بكاؤها بكاءَ حزنٍ بقدرِ ما كانَ بكاءَ تضامنٍ معَ "أحمد"، ومعَ ثقلِ هذهِ الأعباءِ التي ألقتها الأقدارُ على كاهله.

"ولكنْ، لماذا الآن؟" سألتْ بضعف. "لماذا لمْ يكشفْ كمالٌ عنْ هذهِ الحقيقةِ منْ قبل؟"

"لأنهُ كانَ يخشى... يخشى أنْ يُدمّرَ اسمَ والدي. ولكنْ، عندما رأى حبنا، عندما رأى أنَّ والدهُ بدأَ يتذكرُ أيامَ شبابهِ، ويشعرُ بالندمِ، قررَ أنْ يأتي. لقدْ وضعَ كلَّ شيءٍ أمامي... وصارَ أمامي خياران: إما أنْ أتظاهرَ بأنني لمْ أعرفْ شيئاً، وأعيشُ في وهمِ سعادةٍ زائفة، أوْ أنْ أواجهَ الحقيقةَ، وأُعيدَ الحقَّ إلى نصابه."

"وماذا ستفعلُ يا أحمد؟" سألتْ "ليلى"، وعيناها مليئةٌ بالأملِ والرجاء.

"لا أعرفُ حتى الآن. لكنني أعرفُ شيئاً واحداً. أنَّ حبكِ هوَ النورُ الوحيدُ الذي يضيءُ دربي في هذا الظلام. وأنني سأجدُ القوةَ لمواجهةِ كلِّ شيءٍ لأنكِ معي."

نظرتْ "ليلى" إليهِ، وشعرتْ بزعزعةٍ عميقةٍ في كيانها. لقدْ كانتْ تتمنى أنْ تجدَ فيهِ رجلَ أحلامها، الرجلَ النبيلَ الذي يُعلي القيمَ والمبادئ. ورأتْ فيهِ الآنَ ما هوَ أبعدُ منْ ذلك: رجلاً شجاعاً، يواجهُ أصعبَ التحدياتِ منْ أجلِ الحقِّ والعدل.

"أنا معك يا أحمد"، قالتْ، وابتسامةٌ باهتةٌ ارتسمتْ على شفتيها. "مهما كانَ الثمن. سنواجهُ هذهِ الحقيقةَ معاً. وسنُعيدُ لهذهِ العائلةِ كرامتها."

في تلكَ اللحظة، شعرَ "أحمد" بقوةٍ جديدةٍ تسري في عروقه. لمْ يعدْ يشعرُ بالوحدةِ أوْ الضعف. كانتْ "ليلى" بجانبهِ، إنسانةٌ صلبةٌ، ومليئةٌ بالحبِّ والإيمان.

لكنَّ "كمال" لمْ يكنْ قدْ انتهى بعد. فلقدْ تركَ رسالةً أخرى، رسالةً لمْ يقرأها "أحمد" بعد. رسالةٌ قدْ تُغيرُ كلَّ شيءٍ مرةً أخرى. رسالةٌ تنتظرُ فتحها، لتكشفَ عنْ مفاجأةٍ أخرى، مفاجأةٍ قدْ تُعيدُ ترتيبَ أوراقِ الماضي والحاضرِ والمستقبل.

انتهتْ الليلةُ، تاركةً وراءها أسئلةً أكبرَ منْ ذي قبل، وترقباً مريراً لما سيأتي. فهلْ سيكونُ هذا الحبُّ أقوى منْ ظلالِ الماضي؟ وهلْ سينتصرُ الحقُّ على كلِّ شيء؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%