الزوج الكريم
لقاء على عتبة الأسطورة
بقلم فاطمة النجار
حمل القطار "مجد الدين" وفريقه إلى قلب الصعيد، حيث يتبدل الهواء وتنفرج الأرض عن مساحات واسعة تتزين بلون الذهب في الغروب، وتكتسي خضرة زاهية عند شروق الشمس. ترجلوا من القطار في محطة صغيرة، حيث استقبلهم رجل بسيط، يعمل لدى السيدة لطيفة، وقادهم إلى سيارة دفع رباعي قديمة، لكنها صالحة للخدمة.
كانت الرحلة إلى القصر طويلة، تتخللها طرق وعرة، وصحراء لا نهاية لها، تتخللها واحات نخل باسقة تمنح الأمل في هذا الامتداد الشاسع. كان "مجد الدين" ينظر حوله، يتأمل الجمال الخام للطبيعة، ويتخيل كيف كان القدماء يبنون حضاراتهم هنا، وسط هذه القسوة والرقة.
وصلوا أخيرًا إلى وجهتهم. لم يكن "قصر العذراء" مجرد قصر، بل كان تحفة معمارية صامدة أمام الزمن. ضخم، شامخ، تكسوه حجارة منقوشة بنقوش إسلامية متقنة، بعضها متآكل بفعل عوامل الطبيعة، لكنه ما زال يحتفظ ببريقه. كان القصر أشبه بقلب الصحراء النابض، يحكي قصصًا لم تُروَ.
عند مدخل القصر، كانت تقف سيدة في منتصف العمر، أنيقة، وجهها يحمل آثار الحكمة والقوة، ترتدي ملابس سوداء بسيطة، لكنها تنم عن ذوق رفيع. كانت السيدة "لطيفة". "أهلاً بك يا مهندس مجد الدين. أهلاً بفريقك. لقد سمعت عنك الكثير. أتمنى أن تكون عند حسن الظن." "الشرف لي يا سيدتي. قصركم تحفة فنية. وما سنقوم به هو محاولة للحفاظ على هذه التحفة للأجيال القادمة."
تبادلا الحديث لبضع دقائق، ثم أشارت السيدة "لطيفة" إلى فتاة تقف بجانبها، شابّة، ترتدي حجابًا أبيض أنيقًا، وملابس بسيطة لكنها عصرية. كانت "ندى". "وهذه ابنة أختي، ندى. ستبقى معك خلال فترة العمل. هي عيننا، وأذننا. لا تخف منها، فهي تعرف القصر جيدًا."
تقدمت "ندى" نحوه. كانت عيناها واسعتين، سوداوين، فيهما بريق ذكي وفضول لا يخفى. ابتسمت ابتسامة خفيفة، فيها بعض الارتباك، وبعض الثقة. "مرحباً بك يا مهندس مجد الدين. أنا ندى. أتمنى أن نتعاون جيدًا." "أهلاً بك يا ندى. بالطبع، لا شك في ذلك. أنا سعيد بوجودك معنا."
نظر "مجد الدين" إلى "ندى"، شعر بشيء غريب. لم يكن يعرف ما هو بالضبط. ربما كان إحساسًا بالفضول، أو ربما كان إحساسًا بالتحدي. كانت "ندى" مختلفة عن الفتيات اللواتي عرفهن. فيها رزانة، وفيها قوة خفية.
بدأت السيدة "لطيفة" تشرح لهم طبيعة المهمة. "هذا القصر، يا مهندس، له تاريخ طويل. ولم يُفتح إلا قليلاً عبر السنين. جدي الأكبر، الذي بناه، كان رجلاً ذا رؤية فريدة. لكنه كان أيضًا غريب الأطوار. يخشى الناس من القصر. يقولون إنه مسكون. لكنني لا أصدق هذا. أؤمن بأن هناك تاريخًا يجب أن يُكتشف، وأسرارًا يجب أن تُكشف."
"بالتأكيد يا سيدتي. هدفنا هو دراسة المبنى، وتقييم حالته، واقتراح خطة للترميم. وسنكون حريصين على كل شبر في هذا القصر."
بدأ "مجد الدين" وفريقه بالجولة الأولى. كان القصر من الداخل أوسع مما بدا من الخارج. ممرات واسعة، غرف عالية السقف، نقوش على الجدران تحكي قصصًا من التاريخ. كانت هناك قاعة ضخمة، تشبه المسرح، يبدو أنها كانت مخصصة للاحتفالات. "انظروا إلى هذه النقوش!" قال "سمير" بإعجاب. "هذه علامات من عصر المماليك، ربما أقدم."
كانت "ندى" تتابعهم بصمت، تسجل ملاحظاتها في دفتر صغير. كانت تتوقف أحيانًا، وتنظر إلى تفاصيل دقيقة، وكأنها تفهم لغة الحجر. "هذا الجزء،" قالت "ندى" مشيرة إلى زاوية في القاعة، "هنا كان هناك درج صغير. ولكنهم قاموا بإغلاقه. أتذكر أن جدتي كانت تحكي لي قصصًا عن هذا المكان."
"درج؟" استغرب "مجد الدين". "لم نرَ أي درج هنا." "كان مدخلًا سريًا. يقال إن جدي الأكبر كان يستخدمه للخروج من القصر دون أن يراه أحد."
أثار هذا كلام "ندى" فضول "مجد الدين". هذا القصر يحمل أكثر من مجرد حجارة. إنه يحمل أسرارًا.
في المساء، جلست السيدة "لطيفة" مع "مجد الدين" و"ندى" في إحدى الغرف الفسيحة، التي تم تجهيزها كمكتب مؤقت. "يا مهندس مجد الدين،" قالت السيدة "لطيفة"، "أنا أثق بك. لكنني أخشى أن يفسر البعض هذه الزيارة كبداية لاستغلال القصر. أو كإعلان عن وجود ثروات فيه." "لا تقلقي يا سيدتي. مهمتنا هي الحفاظ على التراث. وأي اكتشاف أثري، سيكون تحت إشراف وزارة الآثار، وسيعود للدولة. المال ليس هدفنا. التاريخ هو هدفنا." "هذا ما أريد سماعه. وأنا متأكدة أن ندى ستكون خير معين لك."
نظرت "ندى" إلى "مجد الدين"، ثم قالت: "أنا سعيدة جدًا بهذه الفرصة. لطالما شعرت بانتماء خاص لهذا المكان. وأريد أن أعرف كل شيء عن تاريخه."
في تلك الليلة، في غرفته المجهزة داخل القصر، لم يستطع "مجد الدين" النوم بسهولة. كان يفكر في "ندى". كانت تلك الفتاة، ببساطة، محيرة. فيها هدوء ساحر، وذكاء حاد. كان يشعر بأنها تحمل سرًا، وأنها جزء لا يتجزأ من لغز القصر.
تسلل إلى ذهنه سؤال: هل يمكن أن يكون هذا العمل مجرد مهمة؟ أم أنه سيكون بداية لشيء آخر؟ شيء أعمق؟ شيء يلامس القلب؟
نظر إلى النافذة، إلى سماء الصعيد المرصعة بالنجوم، والتي تبدو أقرب إلى الأرض من أي مكان آخر. شعر بأن قصر العذراء ليس مجرد بناء حجري، بل هو كيان حي، يتنفس تاريخًا، ويحتفظ بأسرار. وأن "ندى" هي المفتاح الذي يمكن أن يفتح هذه الأسرار.