الفصل 20 / 25

الزوج الكريم

وثيقةٌ وكشفٌ جديد

بقلم فاطمة النجار

فتحتْ "ليلى" يدَ "أحمد" الباردة، التي كانتْ تقبضُ على ورقةٍ صفراءَ اللون، بالكادِ تحتملُ بصرها. كانتْ الرسالةُ بخطِّ يدِ "كمال"، بخطٍ متعرجٍ، وكأنَّ يدَ كاتبها كانتْ ترتجفُ منْ شدةِ الانفعالِ أوْ التردد. بينما كانتْ "ليلى" و"أحمد" يعيشانِ في حالةٍ منْ الترقبِ المشوبِ بالحذر، كانتْ الأرضُ تحتَ أقدامهما تهتزُّ على إيقاعِ الحقائقِ التي بدأتْ تتكشف.

"هذهِ الرسالةُ الأخرى"، قالَ "أحمد" بصوتٍ مكتوم، يكشفُ عنْ ثقلٍ لا يُحتمل. "لقدْ تركهَا لي كمالٌ قبلَ رحيلهِ. كنتُ خائفاً منْ فتحها، خائفاً مما قدْ تحملهُ منْ أخبارٍ أخرى."

"ولكنْ علينا أنْ نعرفَ يا أحمد"، قالتْ "ليلى"، وهيَ تُمسكُ بيدهِ بقوةٍ، تُشاركهُ وطأةَ الموقف. "لا يمكننا أنْ نبقى في هذهِ الدوامةِ منْ القلقِ والشك."

بدأَ "أحمد" بقراءةِ الرسالةِ بصوتٍ خافتٍ، كأنما يتلو آياتٍ منْ كتابٍ مقدس، تتناثرُ كلماتها لتُشكلَ لوحةً مؤلمةً منْ الماضي. كانتْ الكلماتُ تتراقصُ أمامَ عينيهِ، كلُّ حرفٍ منها يحملُ معه وزناً هائلاً.

"إلى ابني العزيزِ أحمد،" بدأتْ الرسالة. "إذا كنتَ تقرأُ هذهِ السطور، فمعنى ذلكَ أنكَ عرفتَ جزءاً منْ الحقيقةِ المؤلمة. حقيقةٌ لطالما حاولْتُ أنْ أخفيها، ليسَ عنكَ، بلْ عنْ نفسي. لطالما كنتُ أُصارعُ ضميري، وأُحاولُ أنْ أُبررَ لنفسي ما فعلتْ. ولكنْ، ها قدْ حانَ الوقتُ لمواجهةِ كلِّ شيء."

"لقدْ اعترفتُ لكَ، يا أحمد، أنني سرقتُ منْ أخي، بلْ منْك. لقدْ أخذتُ أرضاً كانتْ ملكاً لعائلتنا، أرضاً كانتْ وعداً بمستقبلٍ مشرقٍ لنا جميعاً. لكنَّ السببَ لمْ يكنْ الطمعَ وحدَهُ. كانَ هناكَ سببٌ آخر، سببٌ أعمقُ وأكثرُ إيلاماً."

توقفتْ "ليلى"، تتنفسُ بعمقٍ، وتُراقبُ وجهَ "أحمد" الذي أصبحَ شاحباً.

"والدكَ، عبد الرحمن، كانَ يحبُّ والدتكَ حباً جماً. ولكنْ، كانتْ والدتكَ، رحمها الله، تعاني منْ مرضٍ عضال. لقدْ استنزفَ المرضُ كلَّ ما تملكُ، وأصبحَ عبئاً ثقيلاً على العائلة. وفي تلكَ الأثناء، كانَ هناكَ طبيبٌ أجنبيٌ، وعدَ بعلاجٍ شافٍ، ولكنهُ طلبَ ثمناً باهظاً. ثمنٌ لا يمكنُ لمالٍ عاديٍّ أنْ يُغطيه."

"لقدْ كانَ والدي، عبد الرحمن، في ضيقٍ شديد. وكانَ أخوهُ، عمكَ، لديهِ تلكَ الأرضُ التي كانتْ كنزاً. لقدْ طلبَ عبد الرحمن منْ أخيهِ أنْ يُعطيهِ المالَ مقابلَ تلكَ الأرض، ليُنقذَ زوجتهُ. ولكنَّ أخاهُ رفضَ، وقالَ لهُ إنَّ هذهِ الأرضَ هيَ مستقبلُ أبنائهِ، ولا يمكنُ التفريطُ بها."

"لقدْ انكسرَ قلبُ عبد الرحمن. ورأى بعينيهِ والدتَكَ تتدهورُ. وفي لحظةِ يأسٍ، وفي عتمةِ الليل، تسللَ والدي إلى بيتِ أخيهِ، وسرقَ الوثائقَ التي تثبتُ ملكيةَ الأرض. لمْ يكنْ لديهِ مالٌ، ولمْ يكنْ لديهِ خيارٌ آخر. لقدْ اضطرَّ لبيعَ تلكَ الوثائقِ لرجلٍ غريبٍ، رجلٍ لمْ يكنْ يعرفهُ، ولكنَّهُ وعدَ بتقديمِ المساعدة. وهذا الرجلُ الغريبُ، الذي لمْ أكتشفْ هويتهُ إلا مؤخراً، هوَ نفسه... هوَ نفسه الذي كانَ يسعى لأنْ يُفسدَ علينا حياتنا، وأنْ يُعيدَ الأراضي إلى أصحابهَا الأصليين... هوَ... هوَ والدُكِ يا أحمد."

صُعقَ "أحمد" منْ هذهِ الحقيقة. لمْ يكنْ يتوقعُ أبداً أنْ يكونَ جدهُ هوَ الدافعُ وراءَ كلِّ هذهِ الأحداث.

"لمْ يكنْ الأمرُ سهلاً على والدي أبداً"، أكملَ "أحمد" قراءةَ الرسالةِ بصوتٍ مرتجف. "لقدْ عاشَ حياتهُ كلها يحملُ عبءَ هذا السر. وكانَ كلما رأى والدتهُ تعاني، وكلما رأى سعادةَ أخيهِ، شعرَ بالذنبِ يتضاعف. ولكنْ، كانَ لديهِ حجةٌ لنفسهِ: أنهُ أنقذَ حياةَ زوجتهُ."

"وبعدَ وفاةِ والدتِكَ، وبعدَ أنْ أصبحَ والدي، عبد الرحمن، شيخَ القبيلة، لمْ يستطعْ أنْ يُعيدَ الحقَّ لأخيهِ. كانَ قدْ أصبحَ لهُ ولدٌ، وهوَ أنتَ. وكانَ يخشى أنْ يُدمّرَ سمعتهُ، وأنْ يُلقيَ بظلالٍ منْ الشكِّ على ماضيهِ. بلْ، لقدْ خافَ أنْ يُؤثّرَ ذلكَ على مستقبلِكَ."

"أما أنا، فقدْ علمتُ بهذهِ الحقيقةِ منذُ زمنٍ طويل. لقدْ رأيتُ الظلمَ الذي وقعَ على عمي، وعلى عائلتهِ. وكنتُ أُصارعُ نفسي. ولكنَّني لمْ أستطعْ أنْ أفعلَ شيئاً. كنتُ أخافُ أنْ أفقدَ صداقةَ والدي، وأنْ أُصبحَ غريباً في مجتمعي."

"لكنَّ رؤيةَ سعادتِكَ معَ ليلى، ورؤيةَ والدِكَ وهوَ يتذكرُ أيامَ شبابهِ، ورؤيةَ ابتسامتهُ الصادقةُ لأولِ مرةٍ منذُ زمنٍ طويل... كلُّ هذا جعلني أُدركُ أنَّ الوقتَ قدْ حانَ. حانَ لأنْ نواجهَ الحقيقةَ، ولأنْ نُعيدَ الأمورَ إلى نصابها."

"أنا أعتذرُ لكَ يا ابني. أعتذرُ عنْ كلِّ ما فعلتْ، وعنْ كلِّ ما لمْ أفعلْ. وأتمنى أنْ تجدَ في قلبكَ الرحمةَ، وأنْ تُصلحَ ما أفسدتْ. وأنْ تجعلَ هذا الزواجَ، زواجَكَ منْ ليلى، بدايةً جديدةً، بدايةً تقومُ على الحقِّ والعدلِ والنقاء."

"ولكنْ، هناكَ أمرٌ أخيرٌ أريدُ أنْ أُخبركَ بهِ. لقدْ تركَ لي عمكَ، قبلَ وفاته، صندوقاً سرياً، فيهِ وثائقُ وأسرارٌ كثيرة. لقدْ أخذتُ هذا الصندوقَ، وأخفيتُهُ. ولكنْ، لقدْ وعدتُ نفسي أنْ أُعيدَهُ إليكَ. لقدْ وضعتُهُ في مكانٍ آمنٍ، في مزرعتنا القديمة، تحتَ شجرةِ الزيتونِ الكبيرة. لقدْ سألتُكَ ذاتَ يومٍ عنْ هذهِ الشجرة، ألمْ أتذكرْ؟"

"أرجو أنْ تُسامحني، وأنْ تجدَ القوةَ لمواجهةِ كلِّ ما هوَ آتٍ. تذكرْ دائماً أنَّ الحبَّ الحقيقيَّ هوَ النورُ الذي يُضيءُ دروبَ الحياة."

"ابنكَ المخلص، كمال."

انتهتْ الرسالة. لكنَّ آثارها بدأتْ تتوغلُ في قلبي "أحمد" و"ليلى". لقدْ كشفتْ الرسالةُ عنْ طبقاتٍ أعمقَ منْ الخيانةِ والندم. لقدْ كانَ الجدُّ هوَ المجرمَ الأصلي، والوالدُ هوَ الذي حملَ عبءَ السر.

"هلْ كانَ جدي... هوَ السببُ في كلِّ هذا؟" سألَ "أحمد" بصوتٍ متهدج. "هلْ كانَ هوَ الذي باعَ الوثائق؟"

"هكذا يبدو يا أحمد"، قالتْ "ليلى" بهدوءٍ، وهيَ تُراقبُ علاماتِ الصدمةِ على وجههِ. "ولكنْ، انظرْ إلى ما هوَ أبعدُ منْ ذلك. انظرْ إلى ندمِ كمال، وإلى رغبتهِ في إصلاحِ خطأٍ ارتكبَهُ والدهُ، وخطأً ارتكبَهُ هوَ أيضاً بعدمِ كشفِ الحقيقةِ منْ قبل."

"وهذا الصندوق... صندوقُ جدي..." قالَ "أحمد"، وعيناهُ تلمعانِ بشيءٍ منْ الأملِ الممزوجِ بالخوف. "هلْ يمكنُ أنْ يحملَ هذا الصندوقُ إجاباتٍ أخرى؟"

"ربما"، قالتْ "ليلى". "وربما يحملُ مفاتيحَ لمرحلةٍ جديدةٍ منْ حياتنا. مرحلةٍ لا تقومُ على أسرارٍ مدفونة، بلْ على الشفافيةِ والصدق."

نظرتْ "ليلى" إلى "أحمد"، وشعرتْ بأنَّ هذهِ اللحظةَ هيَ لحظةٌ حاسمةٌ في حياتهما. لمْ يعودا مجردَ شابٍ وفتاةٍ وقعا في الحب. لقدْ أصبحا طرفينِ في صراعٍ كبيرٍ، صراعٍ يمسُّ تاريخَ عائلتينِ، وتاريخَ مجتمعٍ بأكمله.

"مزرعتنا القديمة... شجرةُ الزيتونِ الكبيرة..." همستْ "ليلى"، كأنها تحاولُ أنْ تستحضرَ صورةَ المكان. "يجبُ أنْ نذهبَ إلى هناكَ يا أحمد. يجبُ أنْ نجدَ هذا الصندوق."

كانَ صوتُها هادئاً، ولكنَّهُ يحملُ إصراراً لا يلين. كانَ "أحمد" يرى في عينيها قوةً لمْ يرها منْ قبل. قوةً مستمدةً منْ إيمانها العميقِ بالحقِّ والخير.

"نعم يا ليلى"، قالَ "أحمد"، وهوَ يشعرُ بنوعٍ منْ الطمأنينةِ الغريبة. "سنذهبُ إلى هناكَ. وسنُعيدُ الحقَّ إلى أصحابه. وسنُحاربُ منْ أجلِ مستقبلنا."

لكنَّ الخوفَ ظلَّ يراوده. فماذا لوْ كانَ هذا الصندوقُ يحملُ ألغازاً أخرى؟ ماذا لوْ كانتْ هناكَ قوى خفيةٌ لا تزالُ تُحاولُ أنْ تُفرقَ بينهما؟

وهلْ سينجحُ "أحمد" في التغلبِ على كلِّ هذهِ العقبات؟ هلْ سيتمكنُ منْ بناءِ مستقبلٍ خالٍ منْ قيودِ الماضي؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%