الزوج الكريم
وحي الظنون ورنين الهاتف
بقلم فاطمة النجار
تغلغل الصمت المريب بين "ليلى" و"خالد" في تلك اللحظات، صمتٌ لم تعوّده "ليلى" في علاقتها بزوجها. كان "خالد" يتصرف بشكلٍ غريب، مزيجٌ من الحرص الزائد والتهرب الواضح. عندما سألته عن سبب تأخره، كانت إجابته مقتضبة، تحمل في طياتها ما لا يصدق. لم يكن "خالد" قط ممن يبالغ في تبرير أفعاله، ولكن في هذه المرة، كان تبريره أشبه بحجابٍ سميكٍ يحاول أن يستر به شيئاً ما.
"هل كنت مع الأصدقاء؟" سألت "ليلى" بصوتٍ حاول أن يبدو طبيعياً، بينما كانت عيناها تبحثان في وجهه عن أي علامةٍ للكذب. "لماذا لم ترد على اتصالاتي؟". تنهد "خالد" بخفة، ثم قال: "حقاً يا ليلى، لم أكن أرغب في إزعاجك. الهاتف كان صامتاً، ولم أشعر به. ثم، الأصدقاء كانوا في حالةٍ خاصة، لم يكن الوقت مناسباً للحديث". "حالة خاصة؟" تكررت "ليلى" الكلمة، وشعرت بأن خيطاً رفيعاً من الشك بدأ يتنسج في عقلها. "ما هي هذه الحالة الخاصة التي تجعلك تتغيب عن زوجتك، ولا ترد على اتصالاتها، وأنت تعلم أنها حاملٌ وتقلق عليك؟".
رفع "خالد" عينيه لينظر إليها، وكان فيهما شيءٌ من الحزن والارتباك. "أعلم يا عزيزتي، وأعتذر. الأمر يتعلق ببعض الديون القديمة، وبعض المشاكل التي حاولت حلها مع الأصدقاء. لن يحدث هذا مرة أخرى". "ديون؟" لم تستطع "ليلى" كتمان دهشتها. لم تكن تعلم قط أن "خالد" لديه ديونٌ بهذا الحجم. كان ظهوره دوماً متوازناً، لا يبدو عليه أبداً أثر القلق المادي. "نعم يا حبيبتي"، أجاب "خالد" بفتور. "بعض المشاكل المالية التي تراكمت، وبسبب بعض الاستثمارات غير الناجحة". "ولماذا لم تخبرني؟" سألت "ليلى"، بلهجةٍ تجمع بين العتاب والاستغراب. "نحن زوجٌ واحد، وما يؤثر عليك يؤثر عليّ. ما كنت لأقول شيئاً، بل كنت لأدعمه وأسانده".
خنق "خالد" صوتٌ في حلقه، وأشاح بوجهه بعيداً. كان يعلم أن "ليلى" لم تكن تعلم شيئاً عن طبيعة "استثماراته" الحقيقية، ولا عن حجم الديون. كان يعلم أنها ستكون خيبة أملٍ هائلة لو علمت. "أردت أن أحميكم"، قال بصوتٍ أجش. "لم أرد أن أقلقكم". "لكنك الآن تقلقني أكثر"، قالت "ليلى"، وبدأت دمعةٌ تنزل على خدها. "قلقي الآن ليس بسبب المال، بل بسبب الطريقة التي تتعامل بها معي. أشعر أنك تخفيني شيئاً، أشعر أن هناك جداراً بيننا".
حاول "خالد" أن يحتضنها، لكن "ليلى" تراجعت قليلاً. كانت بحاجةٍ إلى الصدق، إلى الوضوح. "خالد"، قالت بصوتٍ واثقٍ هذه المرة، "أنا لست طفلةً. أنا زوجتك، وشريكة حياتك. أريدك أن تخبرني كل شيء. ما هي هذه الديون؟ ما هي هذه المشاكل؟ هل أنت في خطر؟"
ارتعش جسد "خالد" كله، وشعر بأن عرقاً بارداً يتصبب على جبينه. كانت "ليلى" تضغط عليه، تضيق عليه الخناق. كانت كلماتها كأنها تسبر أغوار روحه المظلمة. "ليلى"، بدأ يقول بتردد، "الأمر معقدٌ جداً. لا يمكنني شرحه الآن. فقط ثقي بي". "ثقتك هي ما أحتفظ به الآن يا خالد،" قالت "ليلى" بصوتٍ بدأ يرتعش، "ولكن ثقتي بك تتزعزع مع كل يومٍ يمر، ومع كل كذبةٍ أكتشفها، أو أشعر بها".
في هذه الأثناء، كان هاتف "خالد" يرن. نظر إليه، ورأى اسم "سامي" يظهر على الشاشة. تجمد للحظة، ثم رفض المكالمة. "من هذا؟" سألت "ليلى"، لاحظت تغير تعابير وجهه. "لا أحد مهم"، أجاب "خالد" ببرود. "لا أحد مهم؟" تكررت "ليلى" بلهجةٍ ساخرة. "يبدو أن هناك الكثير من "لا أحد" في حياتك هذه الأيام".
كان "سامي" ينتظر رداً من "خالد". كان "سامي" يعرف تماماً ما الذي يجري، وكان يضغط على "خالد" لتسليم "البضاعة" في الوقت المحدد. كان "سامي" قد وعد "خالد" بمبلغٍ كبير، لكنه كان يريد ضماناً بأن "خالد" لن يتراجع. "لماذا رفضت المكالمة؟" سألت "ليلى"، وهي تشعر بأن شيئاً ما خطأ تماماً. "إذا كان لا أحد مهماً، فلماذا تشعر بالضيق هكذا؟".
"ليلى، من فضلك"، قال "خالد" بلهجةٍ منهكة. "أنا متعبٌ جداً. أحتاج للراحة. هل يمكننا تأجيل هذا الحديث إلى وقتٍ لاحق؟". "وهل هناك وقتٌ لاحقٌ مناسبٌ لك؟" سألت "ليلى"، بمرارةٍ واضحة. "أم أنك ستختفي مرة أخرى؟". "لن أختفي"، قال "خالد" متلعثماً. "ولكنني فقط بحاجةٍ إلى بعض الهدوء".
كانت "ليلى" تشعر بأنها تتخبط في بحرٍ من الظنون. كانت كل كلمةٍ من "خالد" تزيد الشكوك رسوخاً. بدأت تتذكر تلك الليالي التي كان يعود فيها متأخراً، ورائحة غريبة ترافق عودته. لم تكن تفهم ما هي هذه الرائحة، لكنها كانت مزعجة. الآن، مع ذكر "الديون" و"الأصدقاء" و"الحالة الخاصة"، بدأت تتكون لديها صورةٌ قاتمة.
نظرت إلى "خالد" بقوة، وقالت: "خالد، أرجوك. أخبرني الحقيقة. مهما كانت. أنا مستعدةٌ لسماعها. ولكن لا تتركني أتعذب هكذا. أريد أن أعرف لماذا يتغير زوجي أمامي بهذا الشكل. أريد أن أعرف لماذا أصبحت لا أستطيع الوثوق بك".
ارتعش "خالد" مرة أخرى. كان يتخبط بين اعترافٍ قد يدمر كل شيء، وإنكارٍ يزيد من بناء الجدار بينهما. كان يعرف أن "ليلى" بدأت تشك، وأنها تقترب من الحقيقة. كانت عيناها تلمعان بذكاءٍ وحزنٍ ممزوجين، وكانت كلماتها تخترق دفاعاته الهشة.
"أنا..." بدأ "خالد" يقول، ثم صمت. لم يستطع النطق. كانت الكلمات عالقةً في حلقه. كان يرغب بشدةٍ في أن يصرخ، أن يعترف بكل شيء، أن يطلب المساعدة. لكن الخوف كان أقوى. الخوف من نظرة "ليلى" له، الخوف من فقدان واحترام أبنائه له مستقبلاً، الخوف من المواجهة مع "سامي" وعصابته.
"حسناً"، قالت "ليلى" بهدوءٍ قاتل، بعد صمتٍ طويل. "إذا كنت لا تستطيع أن تخبرني، فسوف أبحث بنفسي. ولكن كن على يقين، يا خالد، أن أي شيءٍ أعرفه، لن يحميك مني". خرجت "ليلى" من المطبخ، وتركت "خالد" واقفاً في مكانه، غارقاً في دوامةٍ من القلق والندم. كان يعلم أن "ليلى" لم تكن تهدد، بل كانت تتكلم بجدية. وأن خيوط الظنون التي نسجتها بدأت تتشابك، وقد تتحول قريباً إلى شبكةٍ لن يفلت منها.