الزوج الكريم
ظلال الماضي وأمل المستقبل
بقلم فاطمة النجار
لم تستطع "ليلى" أن تستوعب ما يحدث. كانت كلماتها الأخيرة لـ "خالد" أشبه بطلقةٍ أخيرة، أطلقتها دفاعاً عن نفسها وعن مستقبلها. لم تكن تريد أن تشك بزوجها، ولكن ظروف الأيام الأخيرة أجبرتها على ذلك. كان "خالد" يتغير، وبدأ يبتعد عنها، متخفياً وراء ستارٍ من الأعذار والتهرب.
بعد خروجها من المطبخ، جلست "ليلى" في غرفة المعيشة، تحاول أن تجمع شتات أفكارها. كانت تنظر إلى طفلها الذي ينمو بداخلها، وتتساءل: "ماذا سأقول له عن أبيه؟ هل سأضطر أن أكشف له يوماً ما عن خبايا هذه الأسرار؟" كان هذا السؤال يثقل كاهلها، ويزيد من شعورها بالوحدة.
تذكرت نصيحة جدتها، "العمة عائشة". كانت دائماً تقول لها: "عندما تشعرين بأن الظلام يحيط بك، ابحثي عن نورٍ ولو كان شمعةً صغيرة". شعرت "ليلى" بأن عليها أن تبحث عن هذا النور، وأن لا تستسلم لليأس.
قررت "ليلى" أن تبدأ رحلتها للبحث عن الحقيقة. لم تكن تريد أن تتهم "خالد" ظلماً، لكنها لم تستطع أن تتجاهل علامات الاستفهام الكثيرة التي تدور حوله. أول ما تبادر إلى ذهنها هو "أميرة"، والدة "خالد". فقد لمحت من خلال حديثها السابق معها، أن "أميرة" كانت تعرف عن "خالد" أكثر مما أظهرت.
اتصلت "ليلى" بـ "أميرة"، ودعتها لزيارتها في وقتٍ لاحقٍ من اليوم. عندما حضرت "أميرة"، لاحظت "ليلى" على وجهها بعض الإرهاق، لكنها كانت ترتدي ابتسامتها المعهودة. "أهلاً بك يا أميرة"، قالت "ليلى" وهي تقدم لها كوباً من الشاي. "كيف حالك؟". "الحمد لله يا ابنتي"، ردت "أميرة" بابتسامةٍ خفيفة. "كل شيءٍ على ما يرام، ولكن…". "ولكن ماذا؟" سألت "ليلى" باهتمام.
شعرت "أميرة" بأن "ليلى" بدأت تشعر بشيءٍ ما. ترددّت قليلاً، ثم قالت: "خالد… بدا لي متعباً في الآونة الأخيرة. يبدو أن ضغوط العمل قد زادت عليه". "هل هذا كل شيء؟" سألت "ليلى" بجدية. "لأنني أشعر بأن هناك ما هو أكثر من ضغط العمل يا أميرة".
نظرت "أميرة" إلى "ليلى" بعينين مليئتين بالحزن. "يا ابنتي، أخشى أن ما تشعرين به ليس من وهمك. خالد… لديه بعض المشاكل. مشاكله ليست حديثة، بل بدأت منذ سنواتٍ". "ما هي هذه المشاكل؟" سألت "ليلى" بقلقٍ متزايد. "لقد كان يعاني من… من بعض الميول التي لم تكن صحيحة"، قالت "أميرة" بصوتٍ منخفض. "كانت هناك بعض الأمور التي كان ينغمس فيها، وكانت تؤثر عليه سلباً. حاولت أن أنصحه، لكنه لم يكن يستمع أبداً. كان عنيداً".
"ميول؟" تكررت "ليلى" الكلمة، وشعرت بالبرد يتسرب إلى عظامها. "أي نوعٍ من الميول؟". "لا أحب أن أقولها بصراحة"، قالت "أميرة" بعينين دامعتين. "لكنها… أمورٌ تغضب الله. كانت تؤثر على صحته، وعلى نفسيته، وعلى ماله". "هل تقصدين…؟" بدأت "ليلى" تسأل، لكن صوتها كان يخنقها. "نعم يا ابنتي"، أكدت "أميرة" بهدوءٍ، وكأنها تقول كلمةً خرجت من قلبها بقوة. "كان يعاني من إدمانٍ… إدمانٍ على أشياءٍ حرمها الله".
شعر "ليلى" بأن الأرض تدور بها. لم تستطع أن تصدق ما تسمع. "خالد"؟ زوجها، أبو ابنها؟ إدمان؟ "إلى أين وصل الأمر؟" سألت "ليلى" بصوتٍ مرتعش. "هل ما زال يفعل ذلك؟". "لا أعرف على وجه اليقين"، قالت "أميرة" بحزن. "لقد حاولت أن أبعده عن بعض الأصدقاء الذين كانوا يشجعونه على ذلك. ولكنه… يبدو أنه يقع في المشاكل مرة أخرى. أخشى أن تكون هذه المشاكل المالية التي ذكرها لك، مرتبطةٌ بما كان يفعله".
"ولماذا لم تخبريني من قبل؟" سألت "ليلى" بعتاب. "كنت أخشى عليك يا ابنتي. وكنت أخشى أن أزرع في قلبك الشكوك. كنت أؤمن بأن خالد سيتغير، وأن الله سيهديه. ولكن يبدو أن الأمور قد ساءت".
شعرت "ليلى" بأنها تقف على حافة الهاوية. صورة "خالد" الذي أحبته، بدأت تتشوه أمام عينيها. كانت تدرك الآن لماذا كان متأخراً، ولماذا كانت رائحة غريبة تفوح منه أحياناً. كل شيءٍ بدأ يتضح، ولكن الصورة كانت قاتمةً ومؤلمة.
"ماذا أفعل يا أميرة؟" سألت "ليلى" وهي تشعر بالضياع. "أنا حامل، ولا أستطيع أن أتحمل كل هذا العبء وحدي". "القوة يا ابنتي"، قالت "أميرة" وهي تمسك بيد "ليلى". "القوة في الإيمان، وفي الصبر، وفي السعي إلى الله. يجب أن نتحدث مع خالد مرة أخرى، ولكن هذه المرة، يجب أن نكون حازمين".
تحدثت "ليلى" و"أميرة" لساعات، خططتا لخطواتهما القادمة. كان عليهما أن يحاولا إنقاذ "خالد"، قبل أن يغرق تماماً في مستنقع الإدمان. كان عليها أن تواجهه، وأن تمنحه فرصةً أخيرة.
في المساء، عاد "خالد" إلى المنزل. بدا أكثر شحوباً وقلقاً. كانت "ليلى" تنتظره، وفي عينيها نظرةٌ مختلفة. نظرةٌ تجمع بين الحزن، والشفقة، والعزيمة.
"أين كنت؟" سألت "ليلى" بهدوء. "كنت… كنت أقضي بعض الأمور"، قال "خالد" بتردد. "هل تعرف يا خالد؟" قالت "ليلى" بصوتٍ قوي، "لقد عرفت الحقيقة". ارتعش "خالد" وتجمد في مكانه. نظر إلى "ليلى" بذعر. "لقد تحدثت مع والدتك"، أكملت "ليلى"، "وعرفت كل شيء. عرفت عن ميولك، وعن إدمانك، وعن ديونك".
سقط "خالد" على أقرب كرسي، وبدأ وجهه يتساقط في يديه. لم يعد لديه ما يقوله. كانت "ليلى" قد كشفت كل شيء. "لماذا فعلت هذا يا خالد؟" قالت "ليلى"، وقد اختلط صوتها بالعتاب والأسى. "لماذا أخفيت عني؟ لماذا تركتني أشك بك؟" "لم أكن أريد أن أخسرك يا ليلى"، همس "خالد" بصوتٍ بالكاد يُسمع. "لم أكن أريد أن أراكِ تشعرين بالخيبة مني". "ولكنك خسرت ثقتي الآن يا خالد"، قالت "ليلى" بحزن. "لقد بنيت جداراً بيننا، وهذا الجدار لا يبنيه إلا الصدق. ولكنك اخترت الكذب، والاختباء".
جلست "ليلى" أمامه، ونظرت في عينيه. "سوف أساعدك يا خالد. سوف أقف بجانبك. ولكن عليك أن تقرر أنت أيضاً. عليك أن تقرر ما إذا كنت تريد أن تعيش حياتك هذه، أم تريد أن تغيرها. إنها معركتك، ولكننا سوف نخوضها معاً".
كانت كلماتها كأنها تمنحه بصيص أملٍ في الظلام الدامس الذي كان يعيش فيه. نظر إليها "خالد"، ورأى في عينيها حباً عميقاً، وحزناً صادقاً، وعزيمةً لا تلين. كانت هي النور الذي تحدثت عنه جدتها.