الزواج السعيد الجزء الثاني

بوح القلب وغموض الظل

بقلم فاطمة النجار

ارتسمت شمس الصباح الذهبية على أرجاء الغرفة، حاملة معها وعداً بيوم جديد. استيقظت فاطمة على صوت العصافير وزقزقتها العذبة، لكن قلبها كان لا يزال محملاً بثقل الأمس. جلست على طرف السرير، تستنشق عبق القهوة التي أعدتها لها والدتها، وهي تراجع في ذهنها ما ستقوله لأحمد. كانت قد اتخذت قرارها: ستبدأ بأسلوب ليّن، ثم تتدرج نحو المواضيع الأكثر حساسية.

عند الظهيرة، وصل أحمد. كان وجهه بشوشاً كعادته، ابتسامته الدافئة تبعث الطمأنينة. استقبله أهل فاطمة بكرم وحفاوة، ثم صعد أحمد إلى غرفة فاطمة. كان الهواء يحمل رائحة الياسمين التي غالباً ما كانت تملأ المكان، لكن فاطمة شعرت هذه المرة بأن هناك شيئاً مختلفاً، توتراً خفياً يلف المكان.

"مساء الخير يا فاطمة." قال أحمد بابتسامته المعهودة.

"مساء النور يا أحمد. تفضل بالجلوس." أجابت فاطمة، محاولة أن تبدو طبيعية قدر الإمكان.

بعد حديث قصير عن أحوال العائلة وعن مجريات الأسبوع، شعرت فاطمة بأن اللحظة قد حانت. أخذت نفساً عميقاً، وقالت بصوت هادئ: "أحمد، هل يمكن أن نتحدث قليلاً؟ في أمر يخصنا."

ارتسمت على وجه أحمد علامة استفهام بسيطة، لكنه أجاب: "بالتأكيد يا فاطمة. تفضلي."

"لقد كنت أفكر كثيراً في الفترة الماضية... وفي علاقتنا. وأنا سعيدة جداً بما أراه وما أشعر به تجاهك. ولكن، كأي علاقة جديدة، هناك دائماً بعض التساؤلات التي تدور في الذهن."

ابتسم أحمد. "هذا طبيعي. ماذا يدور في ذهنك؟"

"في الأسبوع الماضي، رأيتك تتحدث مع زميلتك السيدة خديجة في مكان عام. رأيتكما تتحدثان بشكل ودي، ولحظتِ نظرة ألقتها عليّ عندما مرت بجواري. ربما أكون قد أخطأت التقدير، ولكنها كانت نظرة... لا أعرف كيف أصفها. فيها شيء من الحدة."

انتظر أحمد بصمت للحظة، ثم قال: "آه، السيدة خديجة. نعم، كنّا نتحدث عن مشروع جديد في العمل. أما بالنسبة للنظرة، ربما لم تنتبهي جيداً. هي شخص لطيف، لكنها أحياناً ما تكون متسرعة في أحكامها."

شعر بأن الإجابة غير شافية تماماً. كان صوت أحمد طبيعياً، لكن نظراته كانت تتجنب نظراتها. "لكن أحمد، أنت لم تذكر أبداً وجود أي علاقة شخصية بينكما، بل كنت تتحدث عنها دائماً كزميلة مهنية. شعرت ببعض الغموض، وأردت أن أفهم."

كانت تلك اللحظة حاسمة. استطاع أحمد أن يرى في عيني فاطمة البحث عن الصدق، عن الأمانة. تنهد بصوت مسموع، وتغيرت ملامحه قليلاً، وكأنه يحمل وزناً ثقيلاً.

"يا فاطمة، أعتذر إذا كنت قد سببت لكِ أي قلق. السيدة خديجة... ربما لم أكن صريحاً تماماً بشأن طبيعة علاقتنا. هي صديقة مقربة، وأحياناً ما تتعدى حدود الصداقة المهنية. كنت أحاول أن أحمي علاقتنا من أي تدخل خارجي، أو ربما أردت أن أحميكِ من أي إزعاج."

"تحميني؟ كيف؟" سألت فاطمة بهدوء، ولكن صوتها كان يحمل نبرة من الحزن.

"هي... لديها مشاعر تجاهي. مشاعر ليست مهنية. وأنا لم أكن أرغب في استغلال هذا الأمر، أو إعطاءها أملاً زائفاً. كنت أحاول أن أحافظ على مسافة معقولة. ربما لم أوفق في ذلك."

"وهل كنت تدرك أنها تشعر بذلك؟"

"نعم، كنت أدرك. ولكنني كنت أؤمن بأنني أستطيع التعامل مع الموقف دون أن يؤثر ذلك على علاقتنا. كنت أظن أن الأمور تحت السيطرة."

"ولماذا لم تخبرني يا أحمد؟ لماذا تركتني أكتشف الأمر بالصدفة، وأرى تلك النظرة التي أثارت القلق في نفسي؟"

"كنت خائفاً، يا فاطمة. خائفاً من ردة فعلكِ، وخائفاً من أن تظني أنني لستُ جاداً في علاقتنا. كنت أخشى أن أفسد كل شيء. لقد حاولت أن أكون حذراً، ولكن يبدو أن حذري كان مفرطاً، أو ربما كان في غير محله."

جلست فاطمة بصمت، تعالج الكلمات. كان أحمد يتحدث بصدق، وهذا ما كانت تريده. ولكن، كان هناك شعور بخيبة أمل. خيبة أمل لأنه لم يثق بها بما يكفي ليشاركها هذا الأمر منذ البداية. "أحمد، الثقة هي أساس أي زواج. أنت لم تخبرني، وهذا يعني أنك لم تمنحني الثقة الكاملة. كنت سأفهم. كنت سأدعمك. ولكنك لم تعطني هذه الفرصة."

"أنا آسف جداً يا فاطمة. آسف لأنني لم أتصرف بالشكل الصحيح. كان خطأي. لم أقدر مدى أهمية الصراحة التامة بيننا. ولكنني الآن أدرك ذلك. أنا أحبكِ، وأريد أن تكون علاقتنا مبنية على أصدق الأسس. ولذلك، قررت أن أصارحكِ بكل شيء."

"وماذا عن السيدة خديجة؟ هل ما زلت تتواصل معها؟"

"نعم، ما زلت أتواصل معها. ولكن هذه المرة، سأضع حدوداً واضحة وصريحة. سأخبرها بأنني ملتزم بعلاقة معينة، وأن أي محاولة لتجاوز هذه الحدود ستكون غير مقبولة. وسأفعل ذلك أمامكِ إن لزم الأمر، لأريكِ مدى جديتي."

كانت كلمات أحمد تحمل صدقاً، ولكن فاطمة كانت تعلم أن الأمور قد لا تكون بهذه البساطة. كان عليها أن تتأكد بنفسها. "أحمد، أنا أقدر صراحتك الآن. ولكنني أريد أن أكون واثقة تماماً. أريد أن أتأكد من أن هذه الحدود ستوضع فعلاً. وأن هذه العلاقة المهنية ستظل كذلك، بلا أي تجاوزات."

"بالطبع يا فاطمة. سأفعل ما يلزم. لأجل علاقتنا. لأجل حبنا."

نظرت فاطمة إلى أحمد. كانت ترى في عينيه الندم والرغبة في تصحيح الخطأ. ولكن، كان هناك أيضاً شيء آخر. شيء من التردد، أو ربما من العجز. "وماذا عن تلك النظرة التي رأيتها؟ هل كانت فعلاً بسبب سوء فهم؟"

تجنب أحمد النظر إليها مرة أخرى. "ربما... ربما كان هناك شيء من المنافسة في نظرتها. هي لا تتقبل فكرة أنني مرتبط بكِ."

"ولماذا لا تتقبل؟ هل لها سبب؟"

"لا أعرف. ربما هي لديها تاريخ معي لم أخبركِ به. ربما... ربما كانت تتمنى أن تكون الأمور بيننا مختلفة."

"تاريخ؟ ما هو هذا التاريخ يا أحمد؟" سؤال فاطمة كان يبدو كأنها تطعن في قلب الموضوع.

صمت أحمد، وبدا وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة. "ليس تاريخاً عظيماً. فقط... كنا زملاء في السابق، وكنت أتعامل معها بلطف. ربما فسرت هذا اللطف بشكل خاطئ. ربما أخطأت في تقدير الموقف."

"أحمد، لا تتهرب من الإجابة. ما هو التاريخ؟"

"لم يكن هناك شيء يا فاطمة. فقط... كانت هناك مشاعر. ومحاولات. ولكنني كنت دائماً أحترم حدودي. الآن، الأمر مختلف. الآن، أنا ملتزم بكِ."

كانت فاطمة تشعر بأنها على وشك اكتشاف حقيقة أكبر، حقيقة قد تغير كل شيء. هل كان أحمد فعلاً ضحية لتفسير خاطئ من قبل السيدة خديجة؟ أم أن هناك شيئاً أعمق، شيئاً لا يزال يخفيه؟

"أحمد، أنا أحبك. وأريد أن أبني معكِ مستقبلاً. ولكنني لا أستطيع أن أبني ذلك المستقبل على أساس من الغموض. أحتاج إلى أن أعرف كل شيء. كل التفاصيل."

"أعلم. وأنا سأخبركِ بكل شيء. لقد تعلمت درساً قاسياً اليوم. لن أسمح لأي شيء أن يقف بيننا. السيدة خديجة... سأضع حداً نهائياً لعلاقتي بها. لن تكون هناك أي لقاءات خاصة، ولن أسمح بأي تجاوزات. وإذا استمرت في محاولاتها، فسأضطر إلى اتخاذ إجراءات أخرى، حتى لو أثر ذلك على عملي."

كانت كلمات أحمد قوية، وتعكس إصراراً لم تعهده فيه من قبل. ولكن، فاطمة كانت تعلم أن الكلمات لا تكفي وحدها. كان عليها أن ترى الأفعال.

"حسناً يا أحمد. أنا أثق بك. ولكن، علينا أن نتأكد من أن هذه الأمور ستُحل نهائياً. ربما نحتاج إلى فترة من الوقت، لنرى كيف تتطور الأمور."

"نعم. فترة من الوقت. وسأكون شفافاً معكِ تماماً. كل خطوة سأخطوها، ستكونين على علم بها. أنا لا أريد أي أسرار بيننا."

شعرت فاطمة بأنها قد قطعت شوطاً. لقد بدأت في فتح الصندوق الأسود، وبدأت تخرج منه بعض الأسرار. لكنها كانت تعلم أن المهمة لم تنته بعد. كانت السيدة خديجة ما تزال ظلاً يلوح في الأفق، وكانت هناك حاجة للتأكد من أن هذا الظل لن يتحول إلى عاصفة.

خرج أحمد من منزل فاطمة وقلبه مثقل، لكنه كان يشعر بنوع من الارتياح لأنه قد صارحها. كان يعلم أن الثقة التي فقدها جزئياً، سيحتاج إلى جهد مضاعف لاستعادتها. أما فاطمة، فقد جلست وحيدة بعد رحيله، تراقب غروب الشمس. كان قلبها لا يزال مضطرباً، ولكنها كانت تشعر بأنها على الطريق الصحيح. طريق البحث عن الحقيقة، طريق بناء الحب على أساس من الصدق والوضوح.

نظرت إلى هاتفها، وفكرت في الاتصال بليلى. أرادت أن تشاركها ما حدث، وأن تسمع نصيحتها. ولكنها قررت أن تنتظر. ربما عليها أن تعطي الأمور بعض الوقت. وأن ترى كيف سيتصرف أحمد في الأيام القادمة. فالأفعال، كما تعلمها دينها، أبلغ من الأقوال.

#

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%