الزواج السعيد الجزء الثاني
سحابة عابرة ورياح التغيير
بقلم فاطمة النجار
مرت الأيام التالية على فاطمة وأحمد كرحلة قطار في مسارات متعرجة، بين محطات الهدوء النسبي ومحطات الشك القاتم. حافظ أحمد على وعده بالشفافية، يتحدث مع فاطمة عن كل صغيرة وكبيرة تتعلق بعمله، وبأي تواصل له مع السيدة خديجة. كانت المكالمات الهاتفية محدودة، ورسائلهما القصيرة تقتصر على الأمور المهنية فقط، دون أي إطالة أو تجاوز.
في إحدى الأمسيات، تلقت فاطمة رسالة من أحمد: "يا فاطمة، أود أن ألتقي بكِ غداً في المقهى الذي نحبه. هناك أمر هام أريد أن أشاركه معكِ."
شعر قلب فاطمة بخفقة قلقة. هل عاد الغموض؟ هل هناك ما استجد؟ حاولت أن تتذكر أي تفاصيل لم تشاركها معها، ولكن عقلها بدا خالياً. "بالتأكيد يا أحمد. سأكون هناك." أجابت.
في اليوم التالي، اجتمعا. كان المكان يعج بالناس، وصخب الأحاديث يملأ الأجواء، لكنهما اختارا زاوية هادئة، بعيداً عن الضجيج. قدم أحمد لفاطمة وردة حمراء، كعادتها. لكن عينيه كانتا تحملان شيئاً من الجدية.
"يا فاطمة، لقد اتخذت قراراً صعباً اليوم." بدأ أحمد، يتلاعب بوردته.
"ما هو؟" سألت فاطمة، وشعرت ببرودة تسري في عروقها.
"لقد تحدثت مع السيدة خديجة. أخبرتها بوضوح، بأن علاقتنا المهنية لن تتعدى حدود العمل. وأنني مرتبط بشخص آخر، أحبه، وأخطط لمستقبلي معه. وأن أي محاولة لتجاوز هذه الحدود ستكون مرفوضة تماماً."
"وماذا كان ردها؟"
"كان ردها... متوقعاً. لم تفهم. قالت إنني أظلمها. وإنها لم تتوقع هذا. كانت هناك نبرة حزن في صوتها، وربما غضب أيضاً."
"وهل استمررت في موقفك؟"
"بالطبع. لقد كنت حازماً. ولكن، ما أثار قلقي حقاً هو أنها ذكرت شيئاً عن 'تاريخ' بيننا. عن 'سوء فهم' في الماضي. عندما سألتها عن ذلك، قالت إنني عندما كنت أتعامل معها بلطف في وقت سابق، كان ذلك يشبه 'وعوداً' لم تفِ بها."
"وعود؟ ما نوع هذه الوعود؟"
"لم توضح. قالت إنها ستخبركِ بنفسها إذا رأت أن ذلك ضروري. كانت غامضة جداً. وهذا ما يقلقني يا فاطمة."
شعرت فاطمة وكأن الأرض تدور بها. "هل يمكن أن يكون هناك شيء حقيقي وراء كلامها؟"
"لا أدري. ولكنني لم أعهد منها ذلك من قبل. أخشى أن تكون محاولتها لإثارة الشكوك بيننا. أو ربما، أخشى أن يكون هناك شيء خفي في الماضي، لم أدركه. أنا أثق بكِ يا فاطمة، ولكنني أريد أن أكون صادقاً معكِ. كل شيء."
"إذن، أنت تقول إنها قد تكون تحاول زرع الشك بيننا؟"
"هذا احتمال وارد. ولكن، في الوقت نفسه، لا أستطيع أن أنفي تماماً احتمال وجود سوء فهم سابق. ربما لم أكن منتبهاً بما فيه الكفاية لتصرفاتها أو كلماتها في الماضي. إنها تعتمد على 'تاريخ' ما."
"وهل سنقابلها؟ هل ستوضح لكِ هذا التاريخ؟"
"لقد اقترحت أن نلتقي جميعاً. لأتحدث معها بحضوركِ. لتفهمي طبيعة علاقتنا. ولكنها رفضت. وقالت إن الأمر بيني وبينها فقط."
"هذا غريب جداً. لماذا ترفض أن تتحدث معي، إذا كان الأمر بينك وبينها؟"
"لا أعرف. ربما لا تريد أن تفضح نفسها. أو ربما لديها خطة أخرى."
"أحمد، هل أنت متأكد من أنك لم تمنحها أي إشارة خاطئة في الماضي؟"
"أنا متأكد، يا فاطمة. لقد كنت دائماً أحترم علاقتنا المهنية. ربما كنتُ متعاوناً أكثر من اللازم، أو أنني كنتُ طيباً أكثر من اللازم. لكنني لم أكن أبداً خائناً أو غادراً."
"وماذا عن 'الوعود' التي تحدثت عنها؟"
"لا أتذكر أي وعود. ولكن، ربما كانت لديها توقعات معينة مني، وأنا لم ألبِها. ربما كانت تتمنى أن أكون أكثر من مجرد زميل. ولكن هذا لا يعني أنني قد وعدتها بشيء."
جلست فاطمة صامتة، تفكر. كانت تدرك أن أحمد لم يكن يكذب. كان يتحدث بصدق، ولكنه كان يعاني من غموض لم يتمكن من كشفه. "حسناً يا أحمد. بما أنها ترفض التحدث معي، وبما أنها تصر على وجود 'تاريخ'، ربما علينا أن نتحقق بأنفسنا. هل تعرفين من هم الأشخاص الذين عملت معهم في السابق؟ ربما يكون لديهم فكرة عن طبيعة علاقتها بك."
"لدي فكرة عن بعضهم. ولكن، هل أنتِ مستعدة لفعل ذلك؟ قد يكون الأمر مزعجاً."
"أنا مستعدة. لا أريد أن أكون ضحية للشك. ولا أريد أن أكون ساذجة. أريد أن أعرف الحقيقة. وأن نبني علاقتنا على أساس صلب."
"حسناً. سأحاول أن أتواصل مع بعض الزملاء القدامى. ولكن، يجب أن نكون حذرين. لا نريد أن نسبب لها أي مشاكل في عملها، ولكننا نريد أن نعرف الحقيقة."
"نعم، بحذر. ربما يمكننا البدء بالحديث مع شخص تثق به من زملائك القدامى، وتسأله عن طبيعة علاقته بالسيدة خديجة، وعن أي شيء قد يكون قد لاحظه."
"سأفعل ذلك. سأحاول اليوم."
عادت فاطمة إلى منزلها وقلبها لا يزال يخفق بالقلق. لم يكن الأمر يتعلق فقط بـ "خديجة" الآن، بل كان يتعلق بقدرة أحمد على التعامل مع المواقف المعقدة. كان يتحدث بصدق، ولكنه كان يفتقر أحياناً إلى الجرأة الكاملة.
في تلك الليلة، تلقت فاطمة رسالة أخرى من أحمد: "لقد تحدثت مع زميل قديم، اسمه 'خالد'. قال لي إن السيدة خديجة كانت دائماً معجبة بي، ولكنها لم تكن تظهر ذلك بشكل علني. وأنه لم يرَ أي شيء خارج عن المألوف. لكنه أضاف شيئاً هاماً: قال إنها كانت تحاول دائماً أن تكون وحدها معي، وأن تتجنب وجود زملاء آخرين عندما نكون في اجتماعات."
"هذا يؤكد شكوكنا." ردت فاطمة. "إنها تحاول أن تخلق علاقة خاصة، وتخاف أن تظهر أمام الآخرين."
"نعم. ولكن، هل يكفي هذا؟ هل 'الإعجاب' وحده هو التاريخ الذي تتحدث عنه؟"
"ربما. ولكن، علينا أن نتحقق أكثر. ربما علينا أن نرى إن كان هناك أي شخص آخر قد لاحظ شيئاً. أو ربما، علينا أن نستمع إلى ما ستقوله السيدة خديجة إذا أتيحت لنا الفرصة."
"هل تعتقدين أننا سنتمكن من مواجهتها؟"
"لا أعرف. ولكن، سأظل أبحث عن الحقيقة. حتى أجدها."
في تلك الليلة، لم تستطع فاطمة النوم. كانت تفكر في أحمد، في "خديجة"، وفي ذلك "التاريخ" الغامض. شعرت بأنها تقف على حافة هاوية، وأن عليها أن تتخذ قراراً حاسماً. هل تواصل البحث عن الحقيقة، حتى لو كان ذلك يعني المزيد من التعقيدات؟ أم أنها تفضل السلام الظاهري، وتتجاهل الشكوك؟
قررت أن تواصل البحث. فالحياة، وخاصة الحياة الزوجية، لا يمكن أن تبنى على أساس من الغموض. وأن الصدق، مهما كان مؤلماً، هو دائماً الطريق الصحيح.
#