الزواج السعيد الجزء الثاني

بقايا الذكريات المعتمة

بقلم فاطمة النجار

وصلت سارة إلى منزل عمر، وقلبها يخفق بقوةٍ كأنها في سباقٍ ضد الزمن. كل زاويةٍ في هذا المنزل كانت تشهد على قصة حبهما، على لحظات السعادة التي عاشاها. لكن الآن، كانت تلوح في الأفق ظلالٌ من الشك والخوف، تلقي بعبئها الثقيل على كل تفصيل.

وجدت عمر جالساً في غرفة المعيشة، شاحب الوجه، وعيناه زائغتان. بدا وكأنه فقد كل طاقته، كل قوته. لم يكن هذا "عمر" الذي تعرفه، الرجل الصلب، الواثق، الذي كان يمثل لها كل شيء.

"عمر، ما الذي يحدث؟" سألت سارة، وهي تقترب منه بحذر، وكأنها تخشى أن تكسر شيئاً هشاً.

رفع عمر عينيه إليها، وشعر بنظرتها كبلسمٍ شحيحٍ وسط عاصفةٍ هائلة. "سارة... لقد اكتشفت أمراً فظيعاً. أمراً يهدم كل ما بنيناه."

"ما هو هذا الأمر؟ هل له علاقةٌ بتلك الأوراق التي وجدتها في مكتبك؟" سألت سارة، وهي تبدأ بالشعور بأن خيوط الحقيقة بدأت تتشابك.

أومأ عمر برأسه ببطء. "نعم. بل أكثر من ذلك بكثير. لقد علمت أن... أن لدي ابناً. ابناً لم أكن أعرف بوجوده قط."

اتسعت عينا سارة بصدمة. "ابناً؟ كيف؟ هذا مستحيل!"

"هذا ما ظننته أنا أيضاً. لكن الرجل الذي تحدث معي، يدعى جمال، يدعي أنه شقيق زوجتك السابقة، ليلى. وهو يملك الأدلة."

"ليلى؟" همست سارة، وقد تذكرت تلك المرأة التي ذكرها عمر مرةً بشكلٍ عابر، كذكرى من الماضي البعيد. لم تكن تعرف عنها الكثير.

"نعم، ليلى. ويدعي أن ابني منها. طفلٌ وُلد بعد أن تركته، أو بعد أن تخليت عنه."

شعر عمر بأن الكلمات تخرج بصعوبةٍ من فمه، وكأنها أشواكٌ تمزق حلقه. كان يشعر بخجلٍ عميق، وبذنبٍ لم يكن يعرف حتى وجوده.

"لكن... كيف؟ متى؟" سألت سارة، وقد بدأ عقلها يستوعب الرواية، وإن كان بكل صعوبة.

"لقد كنت شاباً، يا سارة. وقعت في حب ليلى. ثم... حدث ما حدث. لقد ابتعدت عنها، لأسبابٍ عائلية، ولأسبابٍ تتعلق بمستقبلي. ظننت أنني لم أعد أراها أبداً. لكن الآن، يبدو أن كل ذلك كان مجرد بدايةٍ لكذبةٍ كبيرة."

"كذبة؟"

"نعم. كذبةٌ عشتها أنا، وعشتها أنتِ. ظننت أنني حرٌ في حياتي، وأن ماضيي قد طُوي. لكن ها هو الماضي يعود ليطاردني، ليطاردنا."

"ومن هو جمال؟ ولماذا يريد كشف هذا الآن؟" سألت سارة، وعيناها تتفحصان وجه عمر بحثاً عن إجابات.

"جمال يدعي أنه يريد تحقيق العدالة لأخته. يريد أن يعوض ما فات. وأعتقد أنه يريد الانتقام أيضاً."

"الانتقام؟ ممن؟"

"مني. ومن العائلة التي جعلتني أبتعد عن ليلى."

جلس عمر على الأريكة، وقد غطى وجهه بيديه. "لا أعرف ماذا أفعل يا سارة. كل شيءٍ ينهار. علاقتنا، حياتي، سمعتي... كل شيء."

مدت سارة يدها، ووضعتها على كتفه. "اهدأ يا عمر. نحن معاً في هذا. مهما كان ما حدث، مهما كان ما ستكشفه الأيام، سنجتازه معاً."

لكن في داخلها، كانت سارة تشعر بخوفٍ عميق. لم تكن المشكلة مجرد وجود ابنٍ غير شرعي. المشكلة كانت تتعلق بـ "عمر"، بشخصيته، بصدقه. هل كان "عمر" قد كذب عليها طوال هذه السنوات؟ هل كانت حياتهما مبنيةً على أسسٍ واهية؟

"هل أنت متأكدٌ من كل هذا؟ من أن لديك ابناً؟" سألت سارة، وهي لا تزال تحاول استيعاب هول الموقف.

"جمال يملك الأدلة. قال إنه سيأتي لاحقاً ليقدمها لي. وأعتقد أنه سيخبركِ بكل شيءٍ أيضاً."

"لم يخبرني بأي شيءٍ بعد."

"سيفعل. لأنه يريد منكِ أن تفهمي. يريد أن يرى كيف ستتعاملين مع هذه الحقيقة."

شعر عمر بأن جسده يعتريها بردٌ قارس، على الرغم من دفء الغرفة. كان يرى في عينيه سارة، القلق، الخوف، وعدم التصديق. كان يخشى أن يرى فيها أيضاً خيبة الأمل، الغضب، أو ربما... نهاية كل شيء.

"لا أعرف ما إذا كنت أستطيع تحمل هذا يا عمر." قالت سارة بصوتٍ بالكاد مسموع. "إنها ليست مجرد قصة. إنها حياتنا."

"وأنا أعرف. وأنا آسف. آسف لأنني لم أكن صادقاً معكِ بما فيه الكفاية في الماضي. آسف لأنني لم أكن شجاعاً بما يكفي لأواجه كل شيء."

"لكن كيف لي أن أثق بك الآن؟" سألت سارة، وكان سؤالها يحمل أثقل المشاعر.

"لا أعرف. لكنني أرجوكِ، امنحيني فرصة. امنحيني فرصة لأثبت لكِ أنني أحبكِ، وأنني سأقاتل من أجلنا، مهما كان ما سيحدث."

نظرت سارة إلى عمر، ورأت في عينيه رجاءً صادقاً. لكنها أيضاً رأت فيه ماضياً مظلماً، ماضياً كان يخشى منه، بل يخشى منه الآن.

"سأبقى بجانبك يا عمر." قالت سارة، وهي تشعر بأن قوتها الداخلية تتزايد. "لكن علينا أن نواجه هذه الحقيقة معاً. وأن نفعل ما هو صحيح، حتى لو كان مؤلماً."

"ما هو الصحيح؟" سأل عمر، وقد استنزفته الكلمات.

"أن نفهم كل شيء. أن نعرف القصة الكاملة. وأن نتخذ القرارات بناءً على الحقيقة، وليس على الوهم."

جلست سارة بجانبه، ووضعت رأسها على كتفه. كانت تشعر برائحة عمر، رائحة الأمان الذي اعتادت عليه، لكن الآن، كان هناك ظلٌ غامضٌ يلوح في الأفق.

"هل أخبرك جمال أي شيءٍ عن موعدٍ سيأتي فيه؟" سألت سارة.

"قال إنه سأتي لاحقاً. أعتقد أنه يريد أن يعطينا بعض الوقت، أو ربما... يريد أن يلعب بنا."

"لا أظن أنه يريد أن يلعب بنا، بل يريد أن يخبرنا بالحقيقة. حتى لو كانت مؤلمة."

"لكن ما هي هذه الحقيقة؟ هل هو حقاً ابني؟ هل كانت ليلى...؟"

"كل هذه الأسئلة سنجد لها إجابات. المهم الآن أن نكون أقوياء، وأن ندعم بعضنا البعض."

شعرت سارة بأن الوقت قد حان لبعض الإجراءات. لقد وجدت تلك الأوراق، وسمعت رواية "عمر" المفصلة. لكنها شعرت بأن هناك شيئاً ناقصاً، شيئاً غامضاً لا يزال يحوم حول "جمال" و "ليلى".

"عمر، هل تتذكر أي شيءٍ عن ليلى؟ أي تفاصيل عن علاقتكما؟"

تنهد عمر. "كانت علاقة حبٍ في أيام الشباب. لكنني كنت شاباً طائشاً. كنت أرغب في مستقبلٍ معين. لم تكن ليلى تتناسب مع خططي."

"وهل كان هناك أي شيءٍ آخر؟ أي أسبابٍ قوية للفراق؟"

"أسباب عائلية. والدي لم يكن موافقاً عليها. قال إنها ليست من مستوانا. ولأنني كنت ضعيفاً، استمعت له."

"وهل اتصلت بها بعد ذلك؟ هل عرفت أخبارها؟"

"لا. اختفت من حياتي. حاولت البحث عنها في البداية، لكنها اختفت تماماً. اعتقدت أنها تزوجت، أو هاجرت."

"وماذا عن جمال؟ هل ذكرت لك ليلى أن لها أخاً؟"

"نعم، ذكرت لي. لكنني لم أكن أهتم كثيراً بتفاصيل حياتها. كنت شاباً أنانياً."

"ربما يجب أن نتحدث معه. ربما نعرف منه القصة كاملة."

"لا أعرف إذا كنت أستطيع مواجهة المزيد من الحقائق يا سارة. أشعر أن عقلي سينفجر."

"سنواجهها معاً. لكن لا يمكننا أن نترك الأمور هكذا. يجب أن نعرف الحقيقة كاملة، مهما كانت."

جلست سارة وعمر جنباً إلى جنب، وكأنما هما سفينةٌ في بحرٍ هائج. كانت العاصفة قد بدأت، ولا يعرفان كيف ستنتهي. لكنهما كانا ملتزمين بالبقاء معاً، ومواجهة كل ما يأتي.

فجأة، سمعا صوت رنين الباب. هل كان "جمال" قد عاد؟ شعرت سارة برد فعلٍ متزايدٍ بالتوتر، والخوف. كان هذا هو الفصل الجديد، الفصل الذي سيكشف عن بقايا الذكريات المعتمة، وعن حقيقةٍ كانت مدفونةً منذ زمنٍ بعيد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%