الزواج السعيد الجزء الثاني
ظلال الماضي تلوح في الأفق
بقلم فاطمة النجار
تعمقت الشكوك في نفس "ليلى". كانت تتنقل في أروقة منزلها، وفي أرجاء المدينة، وقلبها مثقلٌ بالخوف. تلك الرسائل الغامضة، والصور القديمة، كانت كالنار التي تأكل أوراق حياتها الهادئة. لم تكن تعرف من يقف وراء هذه المضايقات، لكنها كانت تشعر بأن هناك يدًا خفيةً تسعى لتمزيق سعادتها قبل أن تكتمل.
"أحمد"، بصلابته المعهودة، سعى لتهدئتها. قام بتقديم بلاغٍ رسمي للشرطة، وبدأت التحقيقات الأولية. لكن الأدلة كانت قليلة، والتهديدات مبهمة، مما جعل الأمر أشبه بمحاولة الإمساك بالدخان. كان "أحمد" يرافق "ليلى" في كل مكان، كظلٍ يحميها، يخشى أن يتركها لحظةً واحدة.
في إحدى الليالي، بينما كانا يجلسان معًا في شرفة منزل "ليلى"، يتحدثان عن تفاصيل حفل الزواج، توقف "أحمد" فجأةً. "ليلى"، هناك شيءٌ آخر. شيءٌ يتعلق بفترةٍ سابقة. قد لا يكون له علاقةٌ بما يحدث الآن، ولكنه قد يوضح بعض الأمور." قال "أحمد" بتردد.
شعرت "ليلى" بنبضها يتسارع. هل كان هناك شيءٌ آخر؟ "ما هو؟"
"عندما كنتُ في بداية مشواري المهني، كنتُ أعمل في مشروعٍ كبيرٍ في بلدٍ مجاور. كانت الأمور تسير على ما يرام، ولكن حدث خلافٌ كبيرٌ مع أحد الشركاء. رجلٌ كان يرى الأمور من منظورٍ ماديٍ بحت، وكان يسعى للربح السريع، حتى لو كان ذلك على حساب الجودة والأخلاق. أردتُ أن أبتعد عنه، وأن أتجنب أي تورطٍ في طرقٍ غير مشروعة. فبدأتُ أواجه بعض المشاكل، وتعرّضتُ لمحاولاتٍ لابتزازي. لم أتمكن من إثبات أي شيءٍ قانونيًا، فتخلّيتُ عن جزءٍ من حقوقي، وغادرتُ المشروع. ولكنني أخشى أن يكون لهذا الرجل بقايا، أشخاصٌ ما زالوا يعملون معه، وقد تكون لهم أساليبٌ خبيثة."
"هل تعتقد أن هذا قد يكون له علاقةٌ بما يحدث الآن؟" سألت "ليلى" بقلق.
"لا أدري. الاحتمالات مفتوحة. ولكنني لا أريد أن أترك أي شيءٍ دون أن أفحصه. لقد تعلمتُ درسًا قاسيًا في تلك الفترة. درسٌ علمني أن النزاهة هي أعظم ما يملك الإنسان. وأن الأمانة هي الركيزة الأساسية لكل عمل."
بدأ "أحمد" يبحث عن معلوماتٍ حول هذا الشريك السابق، وعن أي تفاصيل قد تكون ذات صلة. كان الأمر مرهقًا، ومحزنًا، لكنه كان يرى فيه واجبه تجاه "ليلى"، وتجاه علاقتهما.
في هذه الأثناء، بدأت "ليلى" تشعر بشيءٍ غريب. كانت تلاحظ نظراتٍ غريبة من بعض الأشخاص في السوق، ومن بعض الجيران. شعرت بأنها مراقبةٌ بشكلٍ مستمر. كانت تلك الأحاسيس تزيد من قلقها، وتزرع في قلبها بذور الشك.
ذات يوم، وبينما كانت "ليلى" تتسوق في أحد المحلات التجارية، سمعت صوتًا مألوفًا ينادي باسمها. استدارت، ورأت "نادية"، زميلتها القديمة في الجامعة. كانت "نادية" تبدو شاحبةً، وقد ظهرت عليها علاماتٌ من التوتر.
"ليلى! يا له من لقاءٍ مفاجئ!" قالت "نادية" بصوتٍ متهدج.
"نادية! كيف حالك؟" أجابت "ليلى" بترحيب، لكنها لاحظت أن "نادية" لا تبدو على طبيعتها.
"لستُ بخير يا ليلى. أنا... أنا في مأزقٍ كبير." قالت "نادية" بصوتٍ خافت.
"ماذا حدث؟" سألت "ليلى" بقلق.
"لقد تورطتُ في بعض الأمور. كان هناك رجلٌ، وعدني بالكثير، وبدأ يطلب مني أشياءً غريبة. والآن، أصبحتُ أرى رسائل تهديد، وأخشى على مستقبلي. يبدو أنه يعرف الكثير عني، وعن حياتي."
شعرت "ليلى" بأن شيئًا ما يربط قصة "نادية" بقصتها. بدأت الشكوك تتجمع في ذهنها. هل كان الرجل الذي هدد "نادية" هو نفسه الذي يهددها؟
"هل تعرفين اسمه؟" سألت "ليلى".
"قال لي إنه يدعى "ياسر". ولكني لا أعرف المزيد. إنه رجلٌ خطيرٌ يا ليلى. يملك الكثير من النفوذ."
"ياسر..." رددت "ليلى" الاسم. كان هذا الاسم غريبًا عليها. لم تسمعه من قبل.
"وماذا عنكِ يا ليلى؟ كيف حالك؟ سمعتُ عن خطوبتكِ. ألف مبروك." قالت "نادية" محاولةً تغيير الموضوع.
"بارك الله فيكِ. ولكنني أشعر بقلقٍ كبير. لقد تعرضتُ لبعض التهديدات أيضًا. أشعر بأن هناك من يحاول إفساد حياتي."
نظرت "نادية" إلى "ليلى" بتمعن، وقد ظهرت على وجهها علاماتٌ من الدهشة. "تهديدات؟ من؟"
"لا أعرف. ولكنها تبدو مشابهةً لما تصفينه."
"ربما... ربما يكون هو نفسه. يبدو أنه يستخدم أساليب متشابهة. إنه يعتمد على إخافة الناس، وإيقاعهم في فخه." قالت "نادية" بصوتٍ مرتعش.
"هل تقصدين "ياسر"؟"
"نعم."
شعرت "ليلى" ببرودةٍ تسري في عروقها. هل كان كل هذا مجرد صدفة؟ أم أن هناك خيطًا يربط بين كل هذه الأحداث؟
عندما عادت "ليلى" إلى المنزل، أخبرت "أحمد" بما حدث مع "نادية". كان "أحمد" يستمع بإنصات، وقد بدأت تظهر على وجهه علاماتٌ من التفكير العميق.
"ياسر... هذا الاسم لم يرد على مسامعي من قبل. ولكن، ما وصفته "نادية" عن أسلوبه، قد يتشابه مع بعض الطرق التي استخدمها الشريك السابق في مشروعي. إنه يعتمد على الترهيب، وعلى استغلال نقاط الضعف."
"هل تعتقد أن هذا "ياسر" هو نفسه الشريك السابق؟" سألت "ليلى".
"لا أعرف، ولكن الاحتمال وارد. سأحاول البحث عن أي معلوماتٍ حول شخصٍ يدعى "ياسر" في مجال الأعمال، وخاصةً في المشاريع التي كنتُ فيها. يجب أن نفهم من هو هذا الشخص، وماذا يريد."
في هذه الأثناء، كان "أحمد" يتواصل مع الشرطة، ويعرض عليهم المعلومات الجديدة. لكن الشرطة كانت بحاجةٍ إلى أدلةٍ قوية، وشيءٍ ملموسٍ يمكنهم الاستناد إليه.
بدأت "ليلى" تشعر بالعبء الثقيل. لم يعد الأمر مجرد تهديداتٍ عابرة، بل أصبح يشكل خطرًا حقيقيًا على حياتها، وعلى مستقبلها. كانت تتساءل، هل سيبقى هذا الشبح يطاردها إلى الأبد؟ وهل ستتمكن هي و"أحمد" من التغلب عليه؟
في إحدى الليالي، وبينما كانت "ليلى" في غرفتها، تسمع صوتًا خافتًا في الخارج. صوت خطواتٍ حذرة، تقترب من نافذتها. تجمدت في مكانها، وقلبها يدق بعنف. أمسكت بالهاتف، وأرسلت رسالةً سريعةً إلى "أحمد".
"أحمد، أنا خائفة. هناك أحدٌ في الخارج."
لم يمضِ وقتٌ طويل حتى سمعت صوت "أحمد" وهو يهبط من سيارته، ويركض نحو المنزل. سمعت صوت الباب وهو يُفتح بعنف، وصوت "أحمد" وهو يصرخ: "من هناك؟"
لم يكن هناك رد. اختفى الصوت، واختفى الشخص. لكن شبح الخوف ظل يلاحق "ليلى".