الزواج السعيد الجزء الثاني

سر السوسن

بقلم فاطمة النجار

كانت الأيام تمر على ليلى كسرب من الطيور الهاربة، تحمل معها عبق الذكريات المرّة، وتترك خلفها جراحًا لم تندمل. كان الزواج من مراد، الذي طالما حلمت به كبستان تزينه زهور السعادة، قد تحول إلى صحراء قاحلة، تلسعها شمس خيبات الأمل. لم يكن مراد القسيم الذي تخيلته، ولم يكن الحب الذي وجدته فيه سوى سراب يتبدد مع أول شعاع من أشعة الواقع.

بدأت الأيام تكشف عن جوانب في شخصية مراد لم تكن ليلى لتتخيلها. كانت تراه رجلاً قويًا، ذو هيبة، يتحدث بلغة الحكمة، ويشير إلى درب الرشاد. ولكن خلف هذا القناع، كان يختبئ سرٌّ مظلم، ينهشه من الداخل، ويلقي بظلاله على حياتهما المشتركة. بدأت ليلى تلاحظ غياب مراد المتكرر، خاصة في أوقات متأخرة من الليل. كان يعود غالبًا مرهقًا، وعيناه زائغتان، تفوح منه رائحة غريبة، لا تستطيع تحديدها، لكنها تبعث في نفسها قلقًا مبهمًا.

في أحد الأيام، بينما كانت ليلى تبحث عن بعض الكتب القديمة في مكتبة مراد، وقع بصرها على صندوق خشبي صغير، مزخرف بنقوش عربية قديمة، مخبأ في أحد الأدراج. بدا الصندوق مغلقًا بإحكام، وبداخله شيء يثير فضولها. لم يكن من عادتها التطفل على خصوصيات زوجها، ولكن الهاجس الذي بدأ يتسلل إلى قلبها دفعها إلى محاولة فتحه. بعد عدة محاولات، نجحت في فك القفل الضعيف، وانفتح الصندوق ليكشف عن كنزه.

لم يكن الكنز ذهبًا أو مجوهرات، بل كان مجموعة من الصور القديمة، وبطاقات بريدية، ورسائل مبعثرة. كانت الصور تحمل وجوهًا غريبة، بعضها لنساء فاتنات، وبعضها لرجال في أوضاع لا تليق. أما الرسائل، فكانت تحمل عبارات مغازلة مبتذلة، ووعودًا زائفة، وتفاصيل لحياة لم تكن ليلى لتصدق أن مراد جزء منها. وجدت بين الأوراق رسالة بخط يد مراد، موجهة إلى إحدى النساء، يتحدث فيها عن شوقه للقائها، وعن آلامه التي يخففها منها، وعن الأوقات التي يقضيانها معًا بعيدًا عن أعين الناس.

شعرت ليلى بالدوار، وكأن الأرض قد انشقت وابتلعتها. لم يكن هذا هو الرجل الذي أحبته، ولم يكن هذا هو الزواج الذي ادعت عليه العهود. كانت تشعر بأن قلبها ينفطر إلى ألف قطعة، وأن كل الأحلام التي بنتها على صخرة حب مراد قد تحطمت. كانت تعرف أن عليها مواجهته، ولكن الخوف كان يشل أطرافها. كيف ستواجه رجلاً يبدو قويًا ومتحكمًا، ولكنه في الحقيقة يعيش أسيرًا لشهواته؟

في تلك الليلة، عاد مراد كعادته، متعبًا، ورائحته لا تزال غريبة. لمح في عيني ليلى شيئًا غير عادي، نظرة تحمل ألمًا مكبوتًا، وقلقًا لا يمكن إخفاؤه. "ما بك يا ليلى؟" سأل بصوت بدا له متعبًا. صمتت ليلى للحظة، وهي تجمع شتات نفسها، وتحاول إخفاء رجفة يديها. "كنت أتصفح أغراضك في المكتبة، ووجدت صندوقك يا مراد."

ارتعش وجه مراد قليلاً، لكنه حاول أن يستعيد رباطة جأشه. "وماذا وجدت فيه؟" سأل، محاولًا أن يبدو غير مبالٍ. "وجدت صورًا ورسائل، يا مراد. وجدتها." قالت بصوت مخنوق.

تصلب جسد مراد، وبدت عليه علامات الخوف والقلق. "ليلى، أرجوكِ..." بدأ يقول، ولكن ليلى قاطعته. "أرجوك ماذا؟ أن أنسى؟ أن أتظاهر بأنني لم أر شيئًا؟ أن أعيش مع رجل يخونني، ويتعامل معي كأنني مجرد واجهة اجتماعية؟"

ارتفعت نبرة صوت مراد قليلاً. "لم يكن خيانة بالمعنى الذي تفكرين فيه يا ليلى. كانت مجرد..." تردد، ثم أكمل بحذر، "مجرد نزوات عابرة، لم تعنِ لي شيئًا. أنتِ زوجتي، وأنتِ من أحب."

هذه الكلمات لم تخفف من ألم ليلى، بل زادت من سخريتها. "نزوات؟ هل هذه هي النزوات التي تجعلك تعود إلى المنزل في مثل هذه الأوقات؟ هل هذه هي النزوات التي تفوح منك؟"

صمت مراد، وأدرك أن الحقيقة بدأت تتكشف، وأن ما كان يخفيه بدأ يطفو على السطح. كانت ليلى تنظر إليه نظرة تحمل ألف سؤال، ونظرة تحمل ألف اتهام. كانت تشعر بأنها في دوامة من المشاعر المتناقضة، بين حبها القديم لمراد، وبين الواقع المرير الذي تواجهه.

"هناك أمور لا تفهمينها يا ليلى،" قال مراد بصوت خفيض، محاولًا استمالة قلبها. "حياتي قبل الزواج كانت معقدة. وبعض الأخطاء... كانت نتيجة للضغوط التي كنت أتعرض لها."

"ضغوط؟" كررت ليلى بتهكم. "هل هذه الضغوط هي من جعلتك تنغمس في عالم من الملذات السريعة، وتترك خلفك واجباتك كزوج؟"

أغمض مراد عينيه للحظة، وكأنه يستجمع قواه. "ليلى، سأكون صادقًا معكِ. أنا... أنا مدمن. مدمن على أمور... لا أريد أن تكون جزءًا من حياتنا. كنت أحاول التخلص منها، ولكنها تعود دائمًا."

صدمت كلمة "مدمن" ليلى. لم تكن تتوقع هذا الاعتراف. كان مراد يبدو دائمًا قويًا، وسيدًا لأمره. كيف يمكن لرجل مثله أن يكون أسيرًا لإدمان؟

"ماذا تقصد يا مراد؟" سألت بصوت مرتجف، وقلبها يرتجف خوفًا.

"أقصد أنني... أعاني من إدمان على القمار." اعترف مراد بصوت بالكاد مسموع. "الأمر بدأ كهواية، ثم أصبح عادة، ثم تحول إلى ما لا يمكن السيطرة عليه. تلك الغيابات، وتلك الأموال التي تختفي... كلها بسبب ذلك."

جلست ليلى على أقرب كرسي، تشعر بأن ساقيها لم تعد تحملانها. القمار! هذا هو السر المظلم الذي كان ينهش مراد. لم يكن الأمر يتعلق بخيانات عاطفية فحسب، بل كان يتعلق بإدمان يحرق حياته، ويهدد مستقبلهم.

"إذن، كل هذا... كل هذا كان بسبب القمار؟" سألت، وعيناها تلمعان بالدموع. "والآن، ماذا؟ هل ستستمر في هذه الحياة؟ هل ستستمر في إلقاء الظل على علاقتنا؟"

تنهد مراد بعمق، وبدا عليه الندم. "لا يا ليلى. أعدكِ. سأحاول التخلص من هذا. سأبحث عن المساعدة. أرجوكِ... لا تتركييني."

نظرت ليلى إلى وجه زوجها، ورأت فيه مزيجًا من الندم، والخوف، والأمل. هل يمكنها مساعدة هذا الرجل؟ هل يمكنها أن تجد السعادة في زواج يهدده هذا الإدمان؟ كانت تعلم أن الطريق سيكون صعبًا، وأن الصراع سيكون طويلاً، لكنها شعرت بشيء من الشفقة تجاه مراد، وبشيء من المسؤولية تجاه هذا الزواج الذي بدأته بحب كبير.

"سوف أفكر يا مراد،" قالت ليلى بصوت هادئ، ولكن فيه عزيمة. "ولكن يجب أن تكون صادقًا معي تمامًا. وأن تلتزم بقرارك. وإلا..." لم تكمل جملتها، وتركت النهاية معلقة في الهواء، كظل طويل يهدد مستقبلهم.

ارتسمت علامات الأمل على وجه مراد. "شكرًا لكِ يا ليلى. شكرًا لكِ."

في تلك اللحظة، شعرت ليلى بأنها تقف على مفترق طرق. هل ستختار طريق السعادة، أم طريق المعاناة؟ هل ستمنح مراد فرصة لتغيير حياتهما، أم ستغادر تاركةً له أشباح إدمانه؟ كانت تعلم أن القرار لن يكون سهلاً، ولكنه سيكون حاسمًا لمستقبلهما.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%