الحب الصادق الجزء الثالث

ظلال الماضي تُلقي بوشاحها

بقلم ليلى الأحمد

في صباح اليوم التالي، وبينما كانت نور تجهز نفسها للخروج إلى السوق لاختيار بعض أقمشة الفساتين، تلقت اتصالاً هاتفياً لم تتوقعه. كان المتصل رقماً غريباً، وعندما أجابت، سمعت صوتاً أنثوياً خشناً وغير مألوف، لكنه كان يحمل نبرةً مألوفة بشكلٍ مقلق.

"نور؟ هل أنتِ نور؟" سأل الصوت بتردد.

"نعم، أنا نور. من المتحدث؟" أجابت نور بحذر.

"أنا... أنا ليلى. ليلى التي كنتِ تعرفينها قديماً."

تجمدت نور في مكانها. ليلى. اسمٌ طالما حاولت نسيانه، اسمٌ كان يحمل ذكرياتٍ مؤلمة، ذكرياتٌ حاولت التخلص منها دفعةً واحدة. كانت ليلى زميلة لها في الجامعة، ولكنها انجرفت في مسارٍ منحرف، أدى إلى ابتعادها عن طريق الصواب، وقطعت نور علاقتها بها منذ زمنٍ طويل.

"ليلى؟ كيف حالكِ؟" استطاعت نور أن تنطق الكلمات بصعوبة، وكان قلبها يدق بعنف.

"أنا... أنا بخير، ولله الحمد. ولكنني أواجه بعض الصعوبات حالياً، وأردتُ أن أتحدث إليكِ." كان صوت ليلى يرتجف قليلاً، وكأنها تخفي وراءه الكثير.

"صعوبات؟ ما هي؟" سألت نور، ورغم تحفظها، إلا أن الشفقة بدأت تتسلل إلى قلبها.

"إنها... إنها تتعلق ببعض المشاكل المالية. وأنا... أنا لا أعرف أحداً غيركِ في هذه المدينة قد أستطيع اللجوء إليه."

صمتت نور للحظة، تحاول استيعاب ما تسمعه. لم يكن الأمر سهلاً. كانت تعلم أن ليلى لم تكن دائماً بهذه الصورة. كانت فتاةً ذكية وطموحة، ولكنها سقطت في فخ الوحدة واليأس.

"ولكن... كيف علمتِ برقمي؟" سألت نور.

"لقد... لقد سألتُ عنكِ. كنتُ أعرف أنكِ تزوجتِ أخيراً. سمعتُ أنكِ تعيشين حياةً مستقرة. أرجو أن تُساعديني يا نور. أنا في ضيقٍ شديد."

شعرت نور بمسؤوليةٍ تثقل كاهلها. كانت تعلم أن العلاقات القديمة، خاصةً تلك التي تنتهي بشكلٍ سيء، قد تكون مصدراً للكثير من المشاكل. ولكنها أيضاً كانت تدرك أن دينها يأمرها بالإحسان والرحمة.

"حسناً يا ليلى. متى تريدين أن نلتقي؟" سألت نور، محاولةً إخفاء قلقها.

"هل يمكن أن يكون اليوم؟ في مقهى قريب من منزلكِ؟"

"نعم، لا بأس. سأكون هناك بعد ساعة."

بعد انتهاء المكالمة، جلست نور على الأريكة، تشعر بالضياع. لم تكن تتوقع أن يعود الماضي ليُحلق فوق حياتها بهذه الطريقة. تذكرت كيف كانت ليلى تتقرب منها في الجامعة، وكيف كانت تحاول أن تجذبها إلى عالمها. كانت نورا دائماً حذرة، ولكنها لم تقطع العلاقة تماماً خوفاً من أن تُتهم بالغطرسة.

"ماذا بكِ يا ابنتي؟ تبدين شاحبة." قالت والدتها وهي تدخل الصالة.

"لا شيء يا أمي. لقد اتصلت بي زميلةٌ قديمة من الجامعة. أرادت أن تلتقي بي."

"وهل هذه الزميلة تعرف أنكِ مخطوبة؟" سألت والدتها بحذر.

"نعم، علمت بذلك. يبدو أنها تمر بضائقةٍ مالية."

تنهدت والدة نور. "كوني حذرة يا ابنتي. فالأيام قد تُغير القلوب، والأشخاص قد يظهرون على حقيقتهم عندما يحتاجون إليكِ."

"أعلم يا أمي. ولكنني أشعر ببعض الشفقة. ربما يمكنني مساعدتها."

"الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه. ولكن تأكدي من أن هذه المساعدة لا تضر بعلاقتكِ أو بقراركِ."

توجهت نور إلى المقهى، وقلبها يتأرجح بين الشفقة والقلق. كانت تتمنى لو أن أحمد كان بجانبها ليُقدم لها النصيحة، ولكنه كان في عمله.

عند وصولها، وجدت ليلى تجلس في زاويةٍ بعيدة، ترتدي ملابس بسيطة، ولكنها تبدو مرهقة. كانت نظراتها تحمل الكثير من الألم.

"أهلاً بكِ يا ليلى. كيف حالكِ؟" قالت نور، محاولةً إضفاء بعض الود على صوتها.

"الحمد لله. شكراً لكِ على المجيء. لقد كنتُ خائفةً أن ترفضي." قالت ليلى، وعيناها تلمعان بالدموع.

"لا تقلقي. نحن نتحدث في أمرٍ بسيط."

بدأت ليلى تحكي قصتها. كانت قد تركت الجامعة بعد مشاكل عائلية، وعملت في وظائف متدنية الأجر. ثم تورطت في ديونٍ كبيرة بسبب طبيبٍ ادعى أنه يعالج والدتها المريضة، ولكن تبين أنه محتال. والآن، يطالبها الدائنون بالمال، ومهددينها بإجراءات قانونية.

"أنا في حاجةٍ ماسة إلى مبلغٍ كبير يا نور. وأعلم أنكِ تزوجتِ حديثاً، وأن أحمد شخصٌ ميسور الحال. هل يمكن أن تطلبي منه أن يُقرضني هذا المبلغ؟ سأُعيده إليكِ حالما أتمكن من ذلك."

كان طلب ليلى مفاجئاً وصادماً لنور. لم يكن الأمر مجرد مساعدة بسيطة، بل كان طلباً كبيراً. كانت تعلم أن أحمد يثق بها، ولكنها كانت تعلم أيضاً أن إدخال أشخاصٍ مشكوكٍ في نواياهم في علاقتهما قد يكون بدايةً للمشاكل.

"ليلى، هذا مبلغٌ كبير. وأحمد... هو خطيبي. لا أستطيع أن أتحدث معه في مثل هذه الأمور دون أن أتأكد أولاً من كل شيء." قالت نور بحذر.

"ولكنني في ضيقٍ شديد يا نور. لا أعرف إلى أين ألجأ. أنتِ الوحيدة التي أثق بها." قالت ليلى، وحاولت أن تتظاهر بالبكاء.

شعرت نور بالضيق. كانت تعلم أن ليلى قد تكون مبالغةً في وصف حالتها، وأنها قد تكون لديها أغراضٌ أخرى. ولكنها لم تستطع أن تُغلق قلبها.

"حسناً. سأتحدث مع أحمد. ولكنني لا أعدكِ بشيء. سأحاول أن أرى ما يمكن فعله. ولكن يجب أن تكوني صادقةً معي. هل هذه هي الحقيقة كاملة؟"

"نعم، والله. أنا أقسم لكِ." قالت ليلى، ولكن نظراتها لم تكن ثابتة.

غادرت نور المقهى وهي تشعر بثقلٍ كبير. كان وجود ليلى في حياتها بمثابة ظلٍ قديم، بدأ يُلقي بوشاحه على حياتها الجديدة. كانت تعلم أن عليها أن تكون قوية، وأن تحمي علاقتها بأحمد من أي تأثيرٍ سلبي.

عند عودتها إلى المنزل، قررت أن تتحدث إلى والدتها. "أمي، لقد قابلتُ ليلى. لقد طلبت مني مبلغاً كبيراً من المال. وأريد أن أعرف رأيكِ."

"كما قلتُ لكِ يا ابنتي، كوني حذرة. هل تثقين بها؟ هل هي حقاً في هذا الضيق؟"

"لا أعرف يا أمي. شعرتُ بشيءٍ من الريبة."

"إذاً، لا تتدخلي بشكلٍ كبير. يمكنكِ أن تُعطيها مبلغاً بسيطاً كصدقة، ولكن لا تُدخليها في حياة أحمد بهذه الطريقة. العلاقات القديمة التي تنتهي بشكلٍ سيء غالباً ما تجلب معها المشاكل."

"ولكنها تقول إنها لا تعرف أحداً غيري."

"وهل هذا صحيح؟ لم تسمعي شيئاً عن عائلتها؟"

"لا. لقد انقطعتُ عن أخبارها منذ زمن."

"إذاً، كوني حكيمة. تحدثي مع أحمد، ولكن وضحي له أن الأمر كله يتعلق بصدقتكِ، وأنكِ لستِ متأكدةً من مصداقية قصتها. لا تجعليه يشعر بالضغط."

في تلك الليلة، شعرت نور بالقلق. كانت تعلم أن هذه المشكلة قد تكون معقدة. كانت تخشى من أن تتأثر علاقتها بأحمد، وأن يُنظر إلى ليلى كشخصٍ انتهازي. كانت تعلم أن عليها أن تواجه هذا التحدي بحكمةٍ وصبر، وأن تضع حدوداً واضحة، لا تسمح للماضي بأن يُعكّر صفو حاضرها ومستقبلها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%