الحب الصادق الجزء الثالث
أصداء الماضي تدق أبواب الحاضر
بقلم ليلى الأحمد
بعد أسابيع قليلة، كانت التحضيرات للزفاف تسير على قدمٍ وساق. بدأت نورا تشعر بسعادةٍ غامرة وهي ترى أحلامها تتجسد أمام عينيها. كانت تختار فستان الزفاف مع والدتها، وتُناقش مع أحمد تفاصيل شهر العسل. كانت حياتها تتجه نحو مستقبلٍ مشرق، مليءٍ بالحب والسعادة.
في خضم هذه الفرحة، تلقت نورا اتصالاً هاتفياً أثار قلقها. كان المتصل هذه المرة شقيقها الأكبر، خالد. كان خالد دائماً محل ثقة نورا، وكان يُعتبر سندها في كثيرٍ من الأحيان.
"مرحباً يا خالد. ما الخبر؟ هل كل شيءٍ على ما يرام؟" سألت نورا بترقب.
"مرحباً يا نورا. نعم، الحمد لله. ولكنني أتصل بكِ لأخبركِ بشيءٍ يتعلق بوالدتكِ."
تجمدت نورا في مكانها. "والدتي؟ ما الذي حدث؟"
"والدتكِ، السيدة فاطمة، تعاني من بعض المشاكل الصحية منذ فترة. لقد اكتشفتُ مؤخراً أنها كانت تُخفي الأمر عنكِ وعن أبي. إنها بحاجةٍ إلى عمليةٍ جراحيةٍ عاجلة."
ارتعشت يدا نورا. والدتها. المرأة التي كانت مصدر قوتها وحنانها. كيف يمكن أن تُخفي عنها مثل هذه الأخبار؟ "ولكن... لماذا لم تُخبرني؟"
"لقد كانت تخاف عليكِ يا نورا. خاصةً مع اقتراب زفافكِ. لم تكن تُريد أن تُفسد عليكِ فرحتكِ. ولكن الوضع أصبح لا يحتمل."
شعرت نورا بالضيق الشديد. لم يكن الأمر يتعلق بليلى بعد الآن، بل بشيءٍ أكثر خطورةً وألماً. "متى ستُجرى العملية؟ وأين؟"
"غداً صباحاً. في مستشفى خاصٍ في المدينة. سأكون هناك مع أبي. أرجو أن تأتي إلينا بأسرع وقتٍ ممكن."
"بالتأكيد. سأذهب الآن."
أغلقت نورا الهاتف، وشعرت وكأن الأرض تميد بها. لقد كانت تستعد لفرحةٍ، ولكنها تجد نفسها الآن أمام اختبارٍ قاسٍ. كانت تعلم أن والدتها قوية، ولكن فكرة العملية الجراحية أثارت فيها الخوف.
اتصلت فوراً بأحمد، وأخبرته بكل شيء. استمع أحمد بصبرٍ وهدوء، وكان صوته يحمل تعاطفاً ودعماً كبيرين.
"لا تقلقي يا نورا. سنذهب معاً. سأكون بجانبكِ." قال أحمد.
"شكراً لكَ يا أحمد. أشعر بالضياع."
"أنا هنا لأسندكِ. والدتكِ في حاجةٍ إلينا الآن. والزواج يمكن تأجيله إذا اقتضى الأمر. صحتها هي الأهم."
"لا، لن نؤجل الزواج. والدتي لن تسمح بذلك. ولكنني سأكون قلقةً عليها."
"سنُدبّر الأمر. المهم الآن أن نكون معها. هيا، استعدي، وسننطلق فوراً."
وصلت نورا وأحمد إلى المستشفى، وكان المشهد مؤثراً. والد نورا، السيد عبد الله، كان يجلس بجانب غرفة العمليات، يبدو عليه الحزن والقلق. خالد كان يُحاول أن يُهدئه.
"الحمد لله أنكما جئتما." قال السيد عبد الله، وهو يحتضن نورا.
"كيف حالها؟" سألت نورا بصوتٍ متهدج.
"إنها قوية. إنها تُقاوم." قال خالد.
جلست نورا بجانب والدها، وشعرت ببردٍ يسري في عروقها. كان انتظار العملية الجراحية طويلاً ومؤلماً. كانت تفكر في كل اللحظات التي قضتها مع والدتها، في حنانها، في نصائحها.
"لا تقلقي يا نورا." قال أحمد، وهو يمسك بيدها. "سنتجاوز هذا معاً. والدتكِ قويةٌ بإيمانها."
في تلك الأثناء، كان أحمد يتحدث مع خالد. "هل هناك أي شيءٍ أستطيع فعله؟ أي ترتيباتٍ تخص المستشفى أو العلاج؟"
"شكراً لك يا أحمد. لقد تكفلنا بكل شيء. ولكنني أشعر بالراحة لوجودك معنا."
بعد ساعاتٍ طوال، خرج الطبيب من غرفة العمليات، وبدا عليه الارتياح. "لقد سارت العملية بنجاح. ولكنها تحتاج إلى فترةٍ للتعافي."
شعرت نورا بدموع الفرح تنهمر من عينيها. احتضنت والدها، ثم احتضنت أحمد. "الحمد لله. شكراً لكَ يا أحمد. لو لم تكن معي، لكان الأمر أصعب بكثير."
"بل الشكر لله. الآن، يجب أن نرتاح قليلاً، ثم سنرى كيف يمكننا زيارتها."
في الأيام التالية، بقيت نورا بجانب والدتها، تُساعدها في التعافي. كان أحمد يُزورهم بانتظام، ويُقدم الدعم والمساندة. كانت والدته، السيدة أمينة، تأتي أيضاً لتُساعد وتُطمئن.
ومع تعافي السيدة فاطمة، بدأت نورا تشعر بأن الحياة تعود إلى طبيعتها. ولكنها لم تنسَ أبداً تلك الأيام العصيبة. لقد أدركت أن الحياة تحمل مفاجآتٍ غير متوقعة، وأن الحب الحقيقي يظهر في أوقات الشدة.
تحدثت نورا مع أحمد عن تأجيل الزواج. "أحمد، أنا لا أعرف إن كان بإمكاني الاحتفال بزواجي بينما والدتي ما زالت تتعافى."
"لا تقلقي يا حبيبتي. والدتكِ هي الأهم. إذا كنتِ ترغبين في التأجيل، فسأُدعمكِ. ولكنني أعرف والدتكِ جيداً. أعتقد أنها لن ترضى بتأجيل زفافكِ. ربما يمكننا أن نجعل الزفاف بسيطاً، ثم نقيم حفلاً كبيراً عندما تتعافى تماماً."
"هذا اقتراحٌ جيد. سأتحدث معها."
عندما تحدثت نورا مع والدتها، وافقت السيدة فاطمة على اقتراح أحمد. "لا أريد أن أُفسد عليكِ فرحتكِ يا نورا. سأكون بخير. وأريد أن أرى ابنتي سعيدةً وهي تبدأ حياتها الجديدة."
استمرت التحضيرات، ولكن بروحٍ مختلفة. لم تعد مجرد استعداداتٍ لفرح، بل كانت استعداداتٌ لتمسكٍ أكبر بالحياة، ولتقديرٍ أعمق للنعم.
في أحد الأيام، وبينما كانت نورا تُساعد والدتها في العودة إلى المنزل، تلقت رسالةً نصية من رقمٍ غريب. كان نص الرسالة: "أعلم أنكِ تمرّين بظروفٍ صعبة. ولكن تذكري أنني أراقبكِ. ولن أسمح لكِ بالسعادة."
شعرت نورا ببرودةٍ تسري في عروقها. من هذه الرسالة؟ هل يمكن أن تكون ليلى؟ أم أن هناك شخصاً آخر يُهددها؟
نظرت إلى أحمد، وشعرت بالحاجة إلى حمايته. لقد كاد الحب الصادق أن يجد طريقه، ولكنه وجد نفسه الآن مُحاطاً بظلالٍ من الماضي، وظلالٍ جديدة تُلقي بوشاحها على مستقبله.