الحب الصادق الجزء الثالث

بوحٌ في سكون الليل

بقلم ليلى الأحمد

كانت ليلةٌ لا تشبه الليالي، سكونها يحمل ثقلًا، وصمتها يعجّ بالأفكار. جلستْ سارة على شرفة غرفتها، تطلّ على سماءٍ زاخِرةٍ بالنجوم، كلّ نجمةٍ منها كأنها تحمل سرّاً. الهواء البارد يلفّها، لكنّ الدفء الذي ينبعث من قلبها كان أكثر سخاءً. لقد مرّت أسابيع منذ زيارة الدكتور عبد الرحمن الأخيرة، ومنذ ذلك اللقاء الذي أعاد ترتيب أوراق حياتها. كان الحديث معه بمثابة طوفانٍ أجاب عن أسئلةٍ كانت تئنّ بصمتٍ في أعماق روحها.

تنهدتْ بعمق، تستحضر تفاصيل الحوار. لقد تحدثا عن الماضي، عن الأخطاء التي ارتكبتها، عن خياراتٍ اتخذتها بدافعٍ من ظروفٍ قاسيةٍ ومحاولاتٍ يائسةٍ لحماية ما تحب. لم يكن لومًا، بل كان استيعابًا، كان نورًا كشف لها مساراتٍ كانت تبدو مظلمةً ووعرةً. قال لها الدكتور عبد الرحمن يومها: "يا سارة، الخطأ ليس نهاية الطريق، بل هو فرصةٌ للتعلم والنمو. الأهم هو أن نعرف كيف نستفيد منه." وكانت كلماته هذه، كبلسمٍ شفاءٍ، قد بدأت تستقرّ في وجدانها.

لكنّ هذه الليالي لم تكن مجرد تأملاتٍ في الماضي. بل كانت أيضًا تفكيرًا عميقًا في المستقبل، وبشكلٍ أدق، في المستقبل الذي يبدو أنها ترسمه مع المهندس فهد. كانت مشاعرها تجاهه تتنامى، تتغلغل في أعماقها كجذور شجرةٍ راسخة. لم تكن مجرد إعجابٍ بما يملكه من خلقٍ وحياءٍ، بل كانت تقديرًا لروحه الطيبة، ولطريقته الهادئة في فهم الحياة، ولتلك النظرة الصادقة التي كانت تلتقي بنظراتها، وكأنها تترجم ما يعجز اللسان عن وصفه.

لكنّ القلق كان يرافق هذا الشعور المتنامي. كانت تعرف جيدًا أن الطريق إلى قلب فهد لم يكن مفروشًا بالورود. كانت هناك عقباتٌ، بعضها ظاهرٌ وبعضها الآخر كامنٌ في دهاليز الماضي. كانت قصة والدته، وقصّة تلك الفتاة التي لم تعرف عنها الكثير، مجرد لمحاتٍ ألقتها في أحاديثهم العابرة. كان فهد يحاول أن يخفي تلك الجراح، لكنّ سارة كانت ترى أثرها في نبرة صوته أحيانًا، وفي تلك اللحظات التي ينسحب فيها فجأةً إلى عالمه الخاص.

اليوم، وبعد يومٍ طويلٍ قضته في مساعدة والدتها في ترتيباتٍ متعلقةٍ بالمنزل الجديد، وفي إتمام بعض الالتزامات العائلية، شعرتْ بالرغبة في التواصل مع فهد. لم تكن ترغب في إثقال كاهله بمشاكلها، بل كانت بحاجةٍ إلى ذلك الصوت الهادئ الذي يشعرها بالأمان، إلى تلك الروح التي استطاعت أن تمنحها شيئًا من السكينة.

تناولتْ هاتفها، ترددتْ للحظة. هل الوقت مناسب؟ هل سيشغلها؟ ثمّ، وبدافعٍ من تلك الشجاعة التي اكتسبتها، ضغطتْ على اسمه. رنّ الهاتف مرتين، ثمّ جاء صوته، هادئًا كعادته: "أهلًا سارة. هل كل شيء على ما يرام؟"

كانت كلماته الأولى تحمل اهتمامًا صادقًا. ابتسمتْ، رغم أنها كانت تشعر بنبرةٍ خفيفةٍ من التعب في صوته. "كل شيء على ما يرام، الحمد لله. فقط أردتُ أن أطمئن عليك. يومك كيف كان؟"

تحدثا عن يوميهما، عن تفاصيل صغيرةٍ بدتْ عظيمةً في سياق علاقتها المتنامية. أخبرها عن اجتماعٍ مهمٍ عقده مع فريقه، وعن بعض التحديات الهندسية التي كان يتصدى لها. كان يصف الأمور بوضوحٍ ودقةٍ، ويكشف عن شغفه بعمله. بينما كانت هي تحدثه عن لمسةٍ فنيةٍ أضافتها إلى تصميم المنزل الجديد، وعن حوارٍ ممتعٍ دار بينها وبين والدتها.

ثمّ، وكما هو الحال دائمًا، انزلق الحديث تدريجيًا نحو أمورٍ أعمق. سأل فهد، بصوتٍ أصبح فيه بعض العمق: "هل فكرتِ فيما تحدثنا عنه سابقًا؟ بشأن... بشأن كل شيء؟"

كان يقصد بذلك مستقبلهما، علاقتهما، خطواتهما القادمة. توقفتْ سارة عن التنفس للحظة. هذا هو السؤال الذي كانت تخشاه وتتمناه في آنٍ واحد. "أفكر به كثيرًا، يا فهد." قالت بصوتٍ خفيض. "لكنّ الأمور ليست بسيطةً كما تبدو."

صمت فهد لبرهة. ثمّ قال بهدوءٍ: "أعلم أنّ هناك أشياءً تقلقين بشأنها. هل يمكنكِ أن تخبريني؟ ربما نستطيع أن نجد حلًا معًا. أنا هنا للاستماع، يا سارة. ولأكون بجانبكِ."

كان وعده صادقًا، وكانت كلماتُه درعًا. قررتْ سارة أن تبوح ببعضٍ مما يشغلها، لا كلها، فبعض الأسرار لا يزال حبيس الصدر. "أعلم أنك تتحمل الكثير، يا فهد. وأعلم أن لديك ماضٍ يعبث بك. لا أريد أن أكون سببًا في المزيد من الألم، أو أن أضيف عبئًا جديدًا عليك."

تنهد فهد، وكأنه يدرك عمق مخاوفها. "يا سارة، ماضيكِ ليس عبئًا عليّ. بل هو جزءٌ مما جعلكِ أنتِ. ومن ناحيةٍ أخرى، فإنّ ماضيّ... هو بالفعل جزءٌ منّي. لكنّني أرى فيكِ نورًا، نورًا لم أره منذ زمنٍ طويل. وأنا لا أريد أن أترك هذا النور يذهب."

كلماته هذه، كانت كفيلةً بإذابة بعض الجليد في قلبها. "لكنّ هناك أشياءٌ لم تخبرني بها، أليس كذلك؟ أشياءٌ تتعلق بعائلتكِ، أو... أو بشخصٍ آخر."

لم ينكر فهد. "نعم، هناك أشياءٌ. تفاصيلٌ دقيقةٌ قد تجعل الصورة تبدو مختلفة. لكنّني سأخبركِ بها، وقتما شعرتُ بأنّ الوقت مناسب، وأنّكِ مستعدةٌ للاستماع."

كان وعدًا يحمل ثقلًا، لكنه كان أيضًا وعدًا بالصدق. "أنا مستعدةٌ دائمًا للاستماع، يا فهد. ولأفهم." قالت، وشعورٌ بالراحة بدأ ينساب إليها.

"حسنًا." قال فهد. "لنفعل هذا. خطوةً بخطوة. لا تتعجلي في أيّ شيء. ولا تخافي من أيّ شيء. ما بيننا... يجب أن يكون مبنيًا على أساسٍ متينٍ من الصدق والثقة."

"وكيف نبني هذا الأساس، يا فهد؟" سألتْ، وهي تشعر بأنّ كلماته هي المفتاح.

"بالصبر." قال. "وبالحديث. وبالدعاء. وبالثقة بالله سبحانه وتعالى. ولنبدأ اليوم، بحديثٍ صريحٍ عن ما يقلقنا، وما نتمناه."

جلستْ سارة تستمع إليه، تتأمل كلماته. كان حقًا شخصًا نادرًا. رجلٌ يرى ما وراء الظاهر، ويسعى إلى بناء شيءٍ دائمٍ وصادق. أدركتْ في تلك اللحظة، أنّ حبها له ليس مجرد عاطفةٍ عابرة، بل هو اختيارٌ واعٍ، واختيارٌ لقيمٍ نبيلة.

"فهد..." بدأتْ، وبدأ صوتها يحمل استعدادًا حقيقيًا. "هناك شيءٌ أريد أن أقوله لك... شيءٌ يتعلق بما تركه أبي... في حياتي."

استعد فهد للاستماع. بدأتْ سارة تتحدث، بكلماتٍ تخرج بتروٍ، تحمل مشاعرَ متضاربةً من الحزن والندم والأمل. كان الليل شاهدًا على هذا البوح، وكان نجمٌ بعيدٌ يضيء سماء روحهما. كانت هذه اللحظة، بدايةً حقيقيةً لشيءٍ ما، بدايةً يتشكل فيها المستقبل تحت وطأة الماضي، وبصيص نورٍ يلوح في الأفق.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%