الحب الصادق الجزء الثالث
ماضٍ يعيق الحاضر
بقلم ليلى الأحمد
لم تكن سارة قد استعدت لعمق الأسئلة التي طرحها عليها فهد بعد حديثها الأول. كانت كلماتها أشبه بمنفذٍ صغيرٍ بدأ يفتح سدًا عميقًا، يسرب منه الماء ببطءٍ، لكنه يبشر بطوفانٍ من المشاعر والأفكار. كان فهد يستمع بإنصاتٍ تام، وعيناه لا تفارقان وجهها، وكأنه يبحث في تعابيره عن إجاباتٍ أعمق من الكلمات.
"إذًا، ما تركه والدكِ... كان له أثرٌ كبيرٌ على قراراتكِ المستقبلية، وعلى رؤيتكِ للزواج والعلاقات." قال فهد، وكان في صوته شيءٌ من التفهم، لا الحكم.
هزت سارة رأسها، وشعرتْ بأنّ عينيها بدأتا ترطبان. "نعم، يا فهد. لقد علمني أبي، بطريقته، أن الحياة مليئةٌ بالمفاجآت، وأنّ من نحب قد يرحلون فجأةً. كان دائمًا يشدد على أهمية أن يكون الإنسان قويًا، وأن يعتمد على نفسه. لكنّ قوته هذه، أحيانًا، كانت تبدو وكأنها رفضٌ للتعلق العاطفي العميق. كان يخشى أن نُصاب بالأذى إذا تعلّقنا بشخصٍ كثيرًا."
"وهذا جعلكِ تخشين التعلق؟" سأل فهد، وهو يحاول أن يفهم الديناميكية المعقدة داخل أسرتها.
"ليس تمامًا." أجابت سارة، وهي تبحث عن الكلمات الأنسب. "بل جعلني أخشى أن أكون ضعيفةً في مواجهة الحياة، وأن أكون عبئًا على من أحب. لقد رأيتُ كيف عانت أمي كثيرًا بعد وفاة أبي. كان عليها أن تدبر أمورنا وحدها. وكنتُ أريد أن أكون لها سندًا، وأن أكون قادرةً على الاعتناء بنفسي وبها."
"وهل تعتقدين أنّ هذا جعلكِ تتخذين قراراتٍ... لم تكن في صالحكِ؟" سأل فهد، مشيرًا إلى مسألةٍ لم تتطرق إليها سارة بعد، لكنها كانت كامنةً في حديثها.
نظرتْ سارة إلى النجوم، وكأنها تستمد منها القوة. "أظنّ ذلك. في مرحلةٍ ما، كنتُ أرى أنّ القوة تكمن في الاستقلالية التامة، وفي إبعاد أيّ شخصٍ قد يرى فيكِ ضعفًا. وربما... ربما كان هذا سببًا في ابتعادي عن بعض الفرص الجيدة، وفي بناء جدرانٍ حول قلبي."
"لكنّكِ الآن تبنين جسرًا." قال فهد بصوتٍ ناعمٍ، موجّهًا حديثه إلى قلبها. "جسرًا نحوي."
شعرتْ سارة بدفءٍ يسري في عروقها. "أنا أحاول، يا فهد. لكنّني أخشى أن تكون تلك الجدران التي بنيتها قديمةً وقويةً جدًا، وأنّ الجسر الذي أبني ليس متينًا بما يكفي."
"سنبنيه معًا." قال فهد بحزمٍ. "لن يكون جسرًا فحسب، بل سيكون قلعةً. قلعةً تحمينا، وتكون مأوى لنا. لكنّ هذا يتطلب منكِ أن تكوني صريحةً تمامًا معي، يا سارة. وأن تخبريني بكلّ ما يقلقكِ، حتى لو بدا صغيرًا أو تافهًا."
"وماذا عنك، يا فهد؟" سألتْ سارة، وهي تشعر بأنّ دفة الحديث قد بدأت تميل نحو كفة مخاوفه. "أنت أيضًا لديك ماضٍ، وأشياءٌ لم تخبرني بها بعد. كيف سأبني قلعةً إذا لم أكن أعرف أساساتها؟"
صمت فهد لبرهة، وكان صمته أبلغ من أيّ كلام. ثمّ قال بصوتٍ اكتسته نبرةٌ من الجدية، ممزوجةٌ بالحزن: "نعم، يا سارة. لديّ ماضٍ. ماضٍ مؤلمٌ جدًا. يتعلق بوالدتي... وبفتاةٍ أحببتها."
توقفتْ سارة عن التنفس. كانت تعلم بوجود فتاةٍ في ماضيه، لكنّ ذكر والدته مع الموضوع، جعل قلبها يخفق بعنف. "والدتكِ؟" سألتْ بصوتٍ خفيض.
"نعم." أجاب فهد، وكان في صوته شيءٌ من الانكسار. "والدتي... كانت دائمًا تخشى عليّ من النساء. كانت تقول إنّ النساء طماعاتٌ، وإنّهنّ يبحثن عن المال والمصلحة. كانت تعتقد أنّني ساذجٌ، وسأقع ضحيةً لهنّ."
"ولماذا كانت تقول ذلك؟" سألتْ سارة، وهي تشعر بأنّ قصة والدة فهد بدأت تتشابك مع قصة حياتها.
"لأنّها... لأنّها لم تختبر الحب الحقيقي في حياتها." قال فهد، وكان صوته يحمل أسى. "تزوجتُ من أبي لأسبابٍ أخرى، لم يكن هناك حبٌّ بينهما. وكان لديها شعورٌ بأنّها لم تحصل على ما تستحقه. وعندما رأتني أتعلق بفتاةٍ... بدأت تخشى عليّ."
"ومن هي تلك الفتاة؟" سألتْ سارة، وهي تشعر بأنّها تقف على حافة كشفٍ مهم.
"كان اسمها ليلى." قال فهد، وكان يتحدث وكأنه يراجع ذكرياتٍ مؤلمة. "كنتُ أحبها كثيرًا. وكانت هي الأخرى تبادلني الشعور. لكنّ والدتي... لم تكن راضيةً أبدًا. كانت ترى فيها كلّ ما كانت تخشاه. كانت تذكرني دائمًا بأنّني رجلٌ ذو مستقبل، وأنّني أستحقّ الأفضل."
"وماذا حدث؟" سألتْ سارة، وهي تشعر بأنّ القصة تتكشف أمامها، وكان فيها شيءٌ من القدر.
"حدث ما خافته أمي." قال فهد، وكان في صوته حزنٌ دفين. "بعد فترةٍ من خطبتنا، اكتشفتُ أنّ ليلى... كانت على علاقةٍ بشخصٍ آخر. شخصٌ كنا نعرفه جيدًا."
كانت هذه الكلمات أشبه بصاعقةٍ ضربتْ قلب سارة. لم تكن تتوقع هذه النهاية. "لـ... ليلى؟" تمتمتْ، ولم تستطع أن تصدق.
"نعم." أكد فهد، وكان صوته يكاد يختنق. "لم أستطع أن أصدق في البداية. لكنّ الأدلة كانت دامغة. شعرتُ بأنّ الأرض انشقت وابتلعتني. كانت تلك أصعب فترةٍ في حياتي. تركتني والدتي لنتفاهم مع الأمر، لكنّها كانت دائمًا تذكّرني بما كانت تقوله. شعرتُ بالخيانة، وبالغضب، وبأنّ ثقتي قد تدمرت."
"وهذا... هذا ما جعلكَ تخشى الارتباط مرةً أخرى، أليس كذلك؟" سألتْ سارة، وهي تشعر بأنّها بدأت تفهم جزءًا كبيرًا من شخصية فهد.
"نعم." أجاب فهد. "كانت لديّ فترةٌ طويلةٌ من العزلة. ابتعدتُ عن العلاقات، وركزتُ على عملي. كنتُ أخشى أن أتعرض للخيانة مرةً أخرى، وأن أضع ثقتي في شخصٍ لا يستحقها. كنتُ أرى في كلّ امرأةٍ... ظلّ ليلى."
"لكنّك لم تفعل ذلك معي." قالت سارة، بصوتٍ يحمل رجاءً.
"لأنّكِ مختلفةٌ، يا سارة." قال فهد، وكان في صوته إصرارٌ. "فيكِ صدقٌ، وفيكِ نقاءٌ، وفيكِ قوةٌ لم أرها في غيركِ. صحيحٌ أنّ ماضيّ قد ترك جروحًا، لكنّكِ بدأتِ في شفائها. أرى فيكِ الأمل، وأرى فيكِ مستقبلًا يستحقّ أن أقاتل من أجله."
استمعتْ سارة إلى كلماته، وشعرتْ بأنّ قلبها يمتلئ بمزيجٍ من الحزن والتفهم والأمل. كانت تعرف الآن أنّ الأمر ليس سهلًا، وأنّ هذه القلعة التي يتحدث عنها فهد، ستحتاج إلى الكثير من الجهد والصبر. لكنّها كانت مستعدةً. مستعدةً لأن تفهم، ومستعدةً لأن تبني.
"فهد..." قالتْ، وشعرتْ بأنّ ثقلًا قد زال عن صدرها. "شكرًا لكَ على صدقكَ. شكرًا لأنّكَ وثقتَ بي بما يكفي لتخبرني بكلّ هذا."
"الشكر لكِ، يا سارة، لأنّكِ استمعتِ، ولأنّكِ لم تحكمي." قال فهد. "أعلم أنّ هذا ليس بالأمر الهين. لكنّنا سنمضي قدمًا. معًا."
صمتتْ سارة، تنظر إلى السماء. كانت النجوم تبدو أكثر لمعانًا الآن. كانت تلك الليلة، ليلةً لن تنساها. ليلةً كشفت عن ماضٍ مؤلمٍ، لكنها فتحت أيضًا بابًا واسعًا للمستقبل. مستقبلٌ واعدٌ، لكنه يتطلب منها ومن فهد، بناءً متينًا، وصادقًا، وقائمًا على أساسٍ من الثقة المتبادلة.