الحب الصادق الجزء الثالث
مواجهةٌ تفتح الأبواب
بقلم ليلى الأحمد
شعرت سارة بأنّ الوقت قد حان. كانت تلك المحادثات المتكررة مع والدتها، ومخاوف فهد بشأن والدته، قد خلقت لديها شعورًا قويًا بالحاجة إلى التحرك. لم يعد بالإمكان الانتظار، والتظاهر بأنّ الأمور ستُحلّ بنفسها. كان لا بدّ من مواجهةٍ، مواجهةٍ قد تكون صعبةً، لكنها ضروريةٌ لفتح الأبواب المغلقة.
"يا فهد،" قالت له في أحد لقاءاتهما. "أعتقد أنّه يجب أن أفعل شيئًا. يجب أن أحاول أن ألتقي بوالدتكِ. أن أتحدث معها، وأن أحاول أن أجعلها تفهمني."
نظر إليها فهد بقلقٍ. كان يعرف جيدًا طبيعة والدته، ومدى صعوبة اختراق دفاعاتها. "يا سارة، هل أنتِ متأكدةٌ؟ إنّها... إنّها ليست سهلةً. وقد تقول أشياءً قد تؤذيكِ."
"أعلم، يا فهد." قالت سارة، وكانت عيناها تلمعان بعزمٍ. "لكنّني لا أستطيع أن أرى حبّكِ معلقًا بسبب مخاوفها. وأنا أيضًا، لا أريد أن أبني مستقبلي وأنا أشعر بأنّ هناك ظلًا يخيم عليه. يجب أن نكون صادقين تمامًا، وأن نحاول. إذا فشلت، على الأقل سنعرف أننا حاولنا."
استجاب فهد لرؤيتها. كان يدرك أنّ سارة تحمل في قلبها شجاعةً تفوق شجاعته في هذه المسألة. "حسنًا يا سارة. سأتحدث مع أمي. وسأحاول أن أهيئ لها الجوّ المناسب. لكنّني أريدكِ أن تكوني مستعدةً لأيّ شيءٍ."
في الأيام التالية، كان فهد يعمل على مهمته. تحدث مع والدته، السيدة نورة، محاولًا إقناعها بأهمية لقاء سارة. لم يكن الأمر سهلًا. كانت والدته تشكك في كلّ كلمةٍ يقولها، وترى في الأمر محاولةً لكسر إرادتها.
"يا فهد،" قالت له السيدة نورة، وهي تشرب قهوتها في شرفتها المطلة على الحديقة. "لماذا كلّ هذا الإصرار؟ هل أنتَ متأكدٌ من هذه الفتاة؟ ألا ترين أنّ ليلى قد تركت في قلبك جرحًا لا يزال ينزف؟"
"يا أمي،" قال فهد، محاولًا أن يحافظ على هدوئه. "ليلى قصةٌ وانتهت. وسارة قصةٌ جديدةٌ. سارة فتاةٌ مختلفةٌ. فيها من النقاوة ما لم تريه في غيرها. أحبها، وأريد أن أبني معها مستقبلًا."
"الحبّ يا فهد، ليس كلّ شيء." قالت السيدة نورة، وكانت عيناها تحملان بريقًا قديمًا من الألم. "النساء يتغيرنّ. وهذا العالم مليءٌ بالأشخاص الذين يبحثون عن مصلحتهم. أنتَ شابٌ ناجحٌ، ولديكَ مالٌ. كثيراتٌ يطمعن في ذلك."
"لكنّ سارة ليست هكذا، يا أمي." قال فهد. "لقد عانت كثيرًا في حياتها. وفقدت والدها في سنٍّ مبكرة. تعرف قيمة الأشياء، وتعرف معنى التضحية."
"وهل هذا يعني أنّها لن تخونك؟" سألت السيدة نورة، وكانت نبرتها ساخرةً. "هل تعتقد أنّها لن تجد من هو أفضل منك، أو من هو أغنى؟"
شعر فهد بالإحباط. كانت والدته تعيش في عالمٍ خاصٍ بها، عالمٍ تشكّل من تجاربها الأليمة. "يا أمي، أرجوكِ. أعطني فرصةً. إنّها ستقابلني الأسبوع القادم. ربما إذا تحدثتِ معها، ستتغيرين."
ترددت السيدة نورة. كان هناك صراعٌ داخلها بين مخاوفها العميقة، ورغبتها في رؤية ابنها سعيدًا. "حسنًا." قالت أخيرًا، وبصوتٍ غير مقتنعٍ تمامًا. "سأقابلها. لكنّني لن أعدكِ بشيءٍ. ولا تتوقع منّي الكثير."
بعد هذه الموافقة، سارعت سارة إلى التحضير. اختارت ملابسها بعنايةٍ، ملابسٌ أنيقةٌ ومحتشمةٌ، تعكس شخصيتها. أعدت في حقيبتها بعض الهدايا البسيطة لوالدة فهد، كنوعٍ من التقدير. كانت تشعر بالتوتر، لكنّها كانت أيضًا تشعر بالإثارة. هذه كانت خطوةٌ مهمةٌ، خطوةٌ قد تغير كلّ شيء.
في اليوم المحدد، توجهت سارة إلى منزل فهد. كان فهد في استقبالها، يحمل في عينيه مزيجًا من الأمل والقلق. "هل أنتِ مستعدةٌ؟" سأل، وكان صوته يحمل نبرةً خفيفةً من الترقب.
"نعم، يا فهد." قالت سارة، وهي تبتسم له ابتسامةً هادئةً. "إنّها أمّكَ. وأنا أريد أن أكون صادقةً معها، ومع نفسي."
دخلت سارة إلى المنزل، وشعرت ببرودةٍ غريبةٍ في الأجواء. كانت السيدة نورة تجلس في غرفة الجلوس، امرأةٌ ذات حضورٍ قويٍّ، وشعرٌ أبيضٌ يكاد يغطي رأسها. بدت نظراتها حادةً، وكأنها تقيّم كلّ حركةٍ تقوم بها سارة.
"أهلًا بكِ، يا آنسة سارة." قالت السيدة نورة، وبصوتٍ خالٍ من العاطفة. "تفضلي بالجلوس."
جلست سارة، وشعرت بأنّ كلّ حواسها متيقظة. قدمت الهدايا، وشكرتها على استقبالها. بدأت المحادثة بشكلٍ تقليديٍّ، حول الأحوال، والأعمال. لكنّ سارة كانت تشعر بأنّ السيدة نورة تنتظر منها شيئًا، شيئًا أكبر.
"سمعتُ عنكِ الكثير من فهد." قالت السيدة نورة، وبدأت نبرتها تتغير. "يقول إنّكِ فتاةٌ طيبةٌ، وأنّكِ تحملين في قلبكِ حبًّا له."
"نعم، يا خالتي." قالت سارة، وهي تخاطبها بخجلٍ ولطف. "إنّني أحبّ فهد، وأرى فيه مستقبلًا طيبًا لي. وهو رجلٌ يستحقّ الحبّ والاحترام."
"الحبّ؟" كررت السيدة نورة، وكان في صوتها شيءٌ من السخرية. "وهل تظنين أنّ الحبّ وحده يكفي؟ هل تعرفين كم هي صعبةٌ الحياة؟ وهل تعرفين كم هي متقلبةٌ قلوب البشر؟"
"أعلم أنّ الحياة ليست سهلةً، يا خالتي." قالت سارة، وبدأ صوتها يحمل قوةً هادئةً. "لكنّني تعلمتُ من تجاربي أن الصدق والثبات هما الأساس. وقد فقدتُ والدي مبكرًا، وعشتُ صعوباتٍ. وهذا جعلني أفهم قيمة العلاقات، وقيمة الوفاء."
نظ