أنت ملاكي الجزء الثاني
همسُ الريحِ على سفوحِ الجبل
بقلم ليلى الأحمد
كانت الشمسُ تغربُ خلفَ الأفقِ، تلقي بآخرِ خيوطِها الذهبيةِ على وادٍ سحيقٍ، تتشكلُ فيهِ الظلالُ ككائناتٍ غامضةٍ ترقصُ على إيقاعِ صمتِ الطبيعةِ. في قلبِ هذا الجلالِ، حيثُ تلامسُ قممُ الجبالِ الغيومَ، وحيثُ تعانقُ الأشجارُ العتيقةُ السماءَ، وقفتْ "ليلى". شعرُها الداكنُ، كليلٍ لا يزالُ يترقّبُ طلعةَ الفجرِ، ينسابُ على كتفيها، يتلاعبُ بهِ النسيمُ العليلُ الذي يحملُ معه عبقَ الترابِ المبللِ وأريجَ الأزهارِ البريةِ. عيناها الواسعتان، بلونِ العقيقِ الداكنِ، تلمعانِ بذكاءٍ وحيرةٍ، تتأملانِ ما تراهُ أمامها من اتساعٍ لا نهائيٍ.
كانتْ "ليلى" في ذلكَ المكانِ بحثاً عن إجاباتٍ، عن سكينةٍ تفتقدُها في ضجيجِ الحياةِ الذي طالما أحاطَ بها. كلُ خطوةٍ تخطوها على الأرضِ الصلبةِ كانتْ تبدو وكأنها تقرّبُها من غايةٍ ما، من معنىً أعمقَ للحياةِ. لم تكنْ مجردَ سائحةٍ أو باحثةٍ عن منظرٍ طبيعيٍ خلابٍ، بل كانتْ روحاً متعبةً تبحثُ عن ملاذٍ، عن صوتٍ يطمئنُ قلبَها المضطربَ.
تنفستْ بعمقٍ، محاولةً أنْ تستوعبَ كلَ ذرةٍ من هواءِ الجبلِ النقيِّ. هنا، بعيداً عن صخبِ المدينةِ، عن زيفِ المظاهرِ، تشعرُ بأنها أقربُ إلى ذاتِها، إلى حقيقتِها. تذكرتْ كلماتِ جدتِها، تلكَ المرأةُ الحكيمةُ التي طالما أغرقتها بالقصصِ والأمثالِ: "يا ابنتي، عندما تضيقُ بكَ السبلُ، وتتعثرُ خطواتُكَ، انظري إلى السماءِ، واستمعي إلى همسِ الأرضِ، ففيها تكمنُ كلُ الأجوبةِ".
كانتْ "ليلى" فنانةً تشكيليةً، موهوبةً أبدعتها يدُ الخالقِ، ترى العالمَ من خلالِ ألوانٍ ورسوماتٍ. لكنْ في الآونةِ الأخيرةِ، بدأَ قماشُ لوحاتِها يكتسي بالرماديِّ، والفراغُ يحلُ محلَّ الألوانِ الزاهيةِ. شعرتْ بفراغٍ داخليٍ عميقٍ، بصراعٍ داخليٍ لم تستطعْ ترويضهُ. كانتْ تتساءلُ هل تلاشتْ موهبتُها، أم أنَّ روحَها فقدتْ طريقَها؟
رفعتْ يدَها، تلمسُ أوراقَ شجرةِ بلوطٍ معمرةٍ، ملمسُها الخشنُ يبعثُ شعوراً بالألفةِ. كلُ ورقةٍ، كلُ غصنٍ، كلُ جذرٍ ظاهرٍ على السطحِ، كانتْ تحملُ قصةَ صمودٍ، قصةَ مقاومةٍ لتقلباتِ الزمانِ. تمنتْ لو تستطيعُ أنْ تستمدَّ من هذهِ الشجرةِ جزءاً من قوتِها، من ثباتِها.
وفجأةً، سمعتْ صوتاً. لم يكنْ صوتاً عادياً، بل كانَ نداءً خفيفاً، يحملُ في طياتهِ رقةً وعمقاً. التفتتْ حولَها، محاولةً تحديدَ مصدرِ الصوتِ. لم ترَ أحداً. ربما كانتْ خيالاتٌ، أو أوهامُ عقلٍ متعبٍ. لكنَّ الصوتَ عادَ مرةً أخرى، هذهِ المرةَ أقربُ، وأوضحُ.
"هل أنتِ بخيرٍ؟"
كانَ الصوتُ ذكورياً، رزيناً، يحملُ نبرةَ قلقٍ صادقٍ. استدارتْ "ليلى" بسرعةٍ، وقلبُها يدقُ بعنفٍ. أمامَها، يقفُ رجلٌ. شابٌ في مقتبلِ العمرِ، لكنَّ ملامحَهُ تحملُ وقارَ الكبارِ. كانَ يرتدي ملابسَ بسيطةً، إلا أنها بدتْ أنيقةً على قامتهِ الطويلةِ. عيناهُ، بلونِ العسلِ، تلمعانِ بذكاءٍ ولطفٍ، تنظرانِ إليها بتمعنٍ، كأنهما يقرآنِ ما في أعماقِ روحِها. كانَ يقفُ على بعدِ أمتارٍ قليلةٍ، يمسكُ بيديِهِ كيساً قماشياً، ربما كانَ عائداً من رحلةٍ ما.
شعرتْ "ليلى" بحرجٍ شديدٍ، لكنها في الوقتِ نفسهِ شعرتْ بشيءٍ غريبٍ، بشعورٍ بالأمانِ لم تختبرهُ من قبلُ. تلعثمتْ قليلاً، ثم أجابتْ: "نعم، أنا بخيرٍ. فقطْ كنتُ أتأملُ الطبيعةَ".
ابتسمَ الرجلُ ابتسامةً ساحرةً، كسرتْ حاجزَ التوترِ الذي كانَ يحيطُ بهما. "إنها مكانٌ رائعٌ للتأملِ. خاصةً في هذا الوقتِ من اليومِ، حينَ تنسجُ الشمسُ آخرَ خيوطِها الذهبيةِ على هذهِ السفوحِ."
كانَ حديثهُ مريحاً، وكلماتهُ منسجمةً معَ المشهدِ الذي كانا فيهِ. شعرتْ "ليلى" بأنها تستطيعُ التحدثَ إليهِ، بأنها أمامَ شخصٍ يستمعُ حقاً.
"لم أتوقعْ أنْ أرى أحداً هنا بهذهِ الساعةِ." قالتْ "ليلى"، محاولةً أنْ تتجاوزَ صدمةَ اللقاءِ المفاجئِ.
"وأنا أيضاً. هذهِ المنطقةُ غالباً ما تكونُ مهجورةً في أواخرِ النهارِ. اسمي 'آدم'." قالَ الرجلُ، ممدداً يدهُ في اتجاهِها.
ترددتْ "ليلى" للحظةٍ، ثم مدتْ يدَها لتصافحَهُ. كانتْ لمستهُ دافئةً، ثابتةً. "ليلى."
"أهلاً بكِ يا ليلى. هل أنتِ من سكانِ هذهِ المنطقةِ؟" سألَ "آدم"، وعيناهُ ما زالتا تركزانِ عليها.
"لا، أنا قادمةٌ من المدينةِ. كنتُ أحتاجُ لبعضِ الهدوءِ." أجابتْ "ليلى"، تشعرُ بأنها تكشفُ عن جزءٍ من ذاتِها لشخصٍ لا تعرفهُ.
"المدينةُ قد تكونُ مرهقةً جداً. أحياناً نحتاجُ لأنْ نبتعدَ عنها، لنستعيدَ توازنَنا." قالَ "آدم"، ثم أشارَ إلى كيسِهِ. "كنتُ في طريقي إلى البيتِ بعدَ قطفِ بعضِ الأعشابِ الطبيةِ لوالدتي."
"هذا لطفٌ كبيرٌ منك." قالتْ "ليلى"، معجبةً بشخصيتِهِ.
"إنها واجبٌ. وهي أيضاً تفعلُ الكثيرَ لأجلي. هل تسمحينَ لي بدقائقَ قليلةٍ لأرى إنْ كنتِ بحاجةٍ لشيءٍ؟ قد أكونُ قادراً على المساعدةِ." سألَ "آدم"، وبدا عليهِ الصدقُ في عرضه.
نظرتْ "ليلى" حولَها، ثم عادتْ تنظرُ إلى "آدم". شعرتْ بأنَّ هذهِ اللحظةَ، هذا اللقاءُ، كانَ قدراً. لقد جلبتْها قدماها إلى هذا المكانِ، وهذهِ الطبيعةُ، وها هو "آدم" يظهرُ كالمنقذِ. "لا، شكراً لكَ. أنا بخيرٍ."
"حسناً. لكنْ إذا احتجتِ أيَّ شيءٍ، فلا تترددي. أنا أسكنُ في القريةِ الصغيرةِ هناكَ." أشارَ "آدم" إلى اتجاهٍ معينٍ. "آملُ أنْ تكونَ رحلتُكَ إلى هنا مريحةً. أتمنى لكِ أمسيةً سعيدةً."
انحنى "آدم" قليلاً، ثم استدارَ وبدأَ يسيرُ في طريقِهِ. وقفتْ "ليلى" تراقبُهُ حتى اختفى بينَ الأشجارِ. شعرتْ بفراغٍ مفاجئٍ، كما لو أنَّ شيئاً ثميناً قد غادرَ المكانَ. لم تكنْ تتوقعُ أنْ يكونَ لهذا اللقاءِ القصيرِ أثرٌ كبيرٌ عليها.
واصلتْ "ليلى" تأملَها، لكنَّ الذهنَ ظلَّ معلقاً بصورةِ "آدم". ابتسامتُهُ، لطفُهُ، وعيناهُ الصادقةُ. شعرتْ بأنَّ هذا اللقاءَ لم يكنْ مصادفةً، بل كانَ رسالةً، بدايةً لشيءٍ ما. أخذتْ نفساً عميقاً مرةً أخرى، هذهِ المرةَ بقلبٍ أخفَ، وعينينِ تلمعانِ ببريقٍ جديدٍ. ربما كانتْ الطبيعةُ قد أجابتْ على سؤالِها، ليسَ من خلالِ همسِ الريحِ، بل من خلالِ لقاءٍ غيرِ متوقعٍ.