أنت ملاكي الجزء الثاني
زوابعُ الشك وربيعُ الوصل
بقلم ليلى الأحمد
تسللت خيوطُ الصباح الباكر عبر ستائر غرفة ليالي، حاملةً معها وعداً بيومٍ جديد، يكتنفه ترقبٌ ممزوجٌ بالإثارة. كانت الأجواء في قصر آل عبد الرحمن تعج بالنشاط، مع اقتراب موعد الخطبة الرسمي. كان كل شيءٍ يسير وفق المخطط، من تحضيراتٍ للقاعة، إلى ترتيباتٍ خاصةٍ بالقاعة العائلية، وصولاً إلى اختيار العطور المناسبة التي ستفوتح الأجواء.
في هذه الأثناء، كان سليمان قد غرق في بحرٍ من الأوراق والكتب القديمة. كان يبحث عن أي أثرٍ للنقوش التي وصفتها ليالي. لم يكتفِ بالكتب التاريخية، بل استعان بأرشيفاتٍ خاصةٍ بعائلته، تلك التي تحتفظ بسجلاتٍ قديمةٍ عن أجداده. كانت رحلةً شاقة، تتطلب صبراً ودأباً، لكنه كان مدفوعاً برغبته في اكتشاف سر القلادة، وفي إسعاد ليالي.
"لا أستطيع أن أصدق أن هناك من لديه الوقت الكافي لمثل هذه الأمور." قال أحمد، صديق سليمان، بلهجةٍ مازحة، وهو يدخل مكتب سليمان. "هل أنت متأكدٌ أنك لستَ في مهمةٍ سريةٍ لفك رموزٍ قديمة؟"
ابتسم سليمان، وهو يرفع رأسه من بين الكتب. "يا أحمد، ربما تكون الأمور التي تفكر فيها مجرد ترفيه، لكن هناك أشياءٌ في الحياة تحمل أبعاداً أعمق. هذه القلادة تخص ليالي، وهي جزءٌ من تاريخ عائلتها، وأنا أريد أن أفهمها."
"حسناً، حسناً. لا أريد أن أتدخل في أمور العشق والغرام." قال أحمد، وهو يتناول تفاحةً من على المكتب. "فقط تذكر، أن لديكَ حفلةَ خطبةٍ قريبة، وليست رحلةً استكشافيةً أثرية."
"وأنا أستعد لها تماماً،" قال سليمان، بثقة. "لكنني أريد أن أكون مستعداً لكل شيء. أؤمن بأن المعرفة قوة، وأن فهم الماضي يساعدنا على بناء المستقبل."
في قصر آل عبد الرحمن، كانت والدة ليالي، السيدة فاطمة، تشعر ببعض القلق. لم يكن قلقاً من سليمان أو عائلته، بل كان قلقاً من تلك السيدة الغامضة التي قابلتها في السوق. كانت كلماتها لا تزال ترن في أذنيها، وكأنها تحمل نذيراً.
"يا فاطمة، هل أنتِ متأكدةٌ من أن هذه الخطبة ستسير على ما يرام؟" سألت السيدة فاطمة ابنتها ليالي، وهي تعد بعض الحلوى. "لقد قابلتُ سيدةً بالأمس، وكانت كلماتها غريبةً بعض الشيء. وكأنها تحذرني من شيءٍ ما."
نظرت ليالي إلى والدتها، وقالت بهدوء: "أمي، لا تقلقي. أنا واثقةٌ من سليمان، ومن نواياه. ولدي ثقةٌ بالله أنه سيحمينا. ربما كانت مجرد سيدةٍ لديها مشاكلها الخاصة."
"أتمنى ذلك يا حبيبتي،" قالت السيدة فاطمة، وهي تعود إلى عملها. "لكن قلبي ليس مرتاحاً تماماً."
في تلك الأثناء، تلقت ليالي رسالةً أخرى من نور. كانت الرسالة هذه المرة تحمل نبرةً مختلفة.
"ليالي، أود أن ألتقي بكِ قبل الخطبة. لدي أمرٌ هامٌ أريد أن أحدثكِ فيه. إنه أمرٌ يتعلق بـ... بالأحوال." كتبت نور، ببعض التردد.
شعرت ليالي ببعض الغموض، لكنها وافقت على اللقاء. كان لديها فضولٌ لمعرفة ما تريد نور أن تقوله.
عقدت ليالي ونور لقاءً في حديقةٍ هادئة، بعيداً عن أعين المتطفلين. جلست الفتاتان، وبدأت نور تتحدث.
"ليالي، لقد اكتشفتُ شيئاً... شيئاً قد يؤثر على علاقتكِ بسليمان." قالت نور، بصوتٍ متوتر. "لقد سمعتُ حديثاً بين بعض الأشخاص... حديثاً يتعلق بـ... بمنافسةٍ قديمةٍ بين عائلة سليمان وعائلة أخرى. ويبدو أن هناك بعض الأمور لم تُحل بعد."
اتسعت عينا ليالي، وهي تسمع كلام نور. "منافسة؟ وما علاقة ذلك بي؟"
"لا أعرف التفاصيل بالضبط،" قالت نور، "لكنهم كانوا يتحدثون عن... عن ثأرٍ قديم، وعن احتمال أن يكون هناك من يحاول التدخل لمنع هذه الخطبة. لقد ذكروا اسم شخصٍ يدعى... 'سعيد'."
شعرت ليالي ببرودةٍ تسري في عروقها. "سعيد؟ من هو سعيد؟"
"لا أعرف. لكنهم كانوا يتحدثون عن رجلٍ يسعى للانتقام، وعن أنه قد يتدخل بشكلٍ ما." قالت نور، وعيناها تملأها القلق. "أردتُ أن أخبركِ، لكي تكوني مستعدةً. أنا لا أريد أن يحدث لكِ أي سوء."
بعد انتهاء اللقاء، عادت ليالي إلى قصرها، وقلبها يخفق بشدة. هل كانت نور تقول الحقيقة؟ هل هناك خطرٌ يهدد علاقتها بسليمان؟ بدأت الشكوك تتسلل إلى ذهنها. لم تكن تريد أن تفقد الثقة في سليمان، لكنها كانت تخشى أن تكون هناك حقائقٌ تخفى عليها.
حاولت ليالي أن تتحدث مع سليمان عن الأمر، لكنها لم تجد الكلمات المناسبة. لم تكن تريد أن تشعره بالشك، أو أن تبدو كشخصٍ يسهل التأثير عليه.
في هذه الأثناء، كان سليمان قد وجد أخيراً ما يبحث عنه. لقد عثر في أحد الكتب القديمة على رسمٍ يشبه نقوش القلادة، وكان مرتبطاً بعائلةٍ كانت تسكن في المنطقة منذ زمنٍ بعيد، عائلةٌ اشتهرت بامتلاكها لكنوزٍ غامضة. كانت تلك العائلة قد اختفت فجأةً، ولم يعد لها أي أثر.
"يا ليالي!" قال سليمان بحماسٍ عبر الهاتف، "لقد وجدتُ شيئاً! هذه النقوش، إنها تشير إلى عائلةٍ قديمة، يقال إنها كانت تملك أسراراً وكنوزاً."
شعرت ليالي ببعض الراحة لسماع حماس سليمان، لكنها لم تستطع أن تنسى ما قالته نور.
"هذا رائعٌ يا سليمان،" قالت ليالي، محاولةً أن تخفي قلقها. "ولكن، هل لك أن تخبرني عن هذه العائلة؟ هل كان لديها أعداء؟"
"لا أعرف الكثير عن أعدائهم،" قال سليمان، "لكنها كانت عائلةً قوية، ويقال إنها تعرضت لبعض المشاكل في الماضي. لماذا تسألين؟ هل هناك شيءٌ يقلقك؟"
ترددت ليالي قليلاً، ثم قررت أن تخبره بما قالته نور.
"سليمان، سمعتُ شيئاً... شيئاً قد يكون مهماً. أخبرتني نور، أن هناك حديثاً عن منافسةٍ قديمة، وعن رجلٍ يدعى سعيد، قد يحاول التدخل."
صمت سليمان لبرهة، ثم قال بنبرةٍ قوية: "سعيد؟ لم أسمع بهذا الاسم من قبل، ولكني سأتأكد من الأمر. لا تقلقي يا ليالي، لن أسمح لأي شخصٍ بأن يعكر صفو سعادتنا. ثقي بي."
في تلك اللحظة، شعرت ليالي بأن سليمان هو ملاذها الآمن. كان إيمانه قوياً، ووعده صادقاً. لكن الشكوك ظلت تساورها. هل كانت نور تقول الحقيقة؟ وهل