أنت ملاكي الجزء الثاني
خيوط القدر تتشابك
بقلم ليلى الأحمد
توالت الأيام في قصر الزهراء، تحمل معها نسماتٍ لطيفةً من الترقب والترابط. كانت أميرة وعمر يتلاقيان بشكلٍ شبه يومي، في جلساتٍ عائليةٍ، أو لقاءاتٍ هادئةٍ تحت إشراف العائلة، حيث يتبادلان الحديث في أمورٍ شتى، من الأدب إلى السياسة، ومن الدين إلى الطموحات الشخصية. كانت كل لحظةٍ تمر تزيد من فهمهما لبعضهما البعض، وتعمق من تقديرهما لجوهر كل منهما.
لكن خلف هذه الواجهة الهادئة، كانت هناك عاصفةٌ خفيةٌ تتشكل. كان عمر، رغم رغبته الشديدة في التقرب من أميرة، يشعر بوطأةٍ لم يستطع البوح بها. كانت ذكرى فاطمة، خطيبته الراحلة، تلوح في الأفق كشبحٍ، تخيم بظلالها على سعادته المحتملة. لم يكن الأمر يتعلق بالشك في مشاعره تجاه أميرة، بل كان شعوراً بالذنب تجاه وعدٍ قطعه لنفسه، وبأنها لم تحصل على فرصةٍ كاملةٍ لحياةٍ معه. كان يرى في أميرة كل صفات المرأة الصالحة، لكنه كان يتساءل ما إذا كان قلبه جاهزاً لتقديم الحب الكامل، دون أن يكون هناك جزءٌ منه حبيس الماضي.
وفي أحد الأيام، بينما كان عمر يراجع بعض الأوراق المهمة في مكتبه، وردت مكالمةٌ هاتفيةٌ غيّرت مسار تفكيره. كان المتحدث صديقاً قديماً لوالده، وكان له دورٌ في بعض شؤون العائلة في الماضي. "عمر يا بني، سمعتُ أنك تنوي الزواج قريباً. هذا خبرٌ مفرحٌ حقاً." قال الصوت الودود. "الحمد لله، إن شاء الله. الأمر لا يزال في بدايته." أجاب عمر، محاولاً إخفاء قلقه. "ممتاز. ولكن، يا ولدي، هل استقرت أمورك تماماً؟ هل كل شيءٍ على ما يرام؟ سمعتُ همساتٍ، وشيئاً من القلق حول بعض الأمور المالية التي قد تكون عالقةً بين عائلتك وعائلة... أعتقد أن اسم العائلة كان... الغامدي؟"
توقف عمر، وانقبض قلبه. كانت عائلة الغامدي هي عائلة فاطمة. في الماضي، قبل وفاة فاطمة، كانت هناك بعض الاتفاقيات التجارية بين والده وعائلة زوجها المستقبلي. بعد وفاة فاطمة، تداخلت الأمور، وأصبحت بعض المستحقات ديوناً متراكمةً، لم يتم تسويتها بالكامل بسبب الظروف. كان عمر قد أمل أن تكون هذه المسألة قد طويت في طي النسيان، أو أن يتم تسويتها بعيداً عن علمه.
"الغامدي؟ لا أتذكر شيئاً محدداً الآن." قال عمر، وهو يحاول أن يبدو هادئاً، بينما كانت الأفكار تتسابق في رأسه. "سأراجع الأمر مع أبي، وسأبقى على تواصل."
بعد إنهاء المكالمة، شعر عمر بصداعٍ يضرب رأسه. لم يكن يتوقع أن تعود هذه المسألة لتطفو على السطح، خاصةً في هذا التوقيت الحساس. هل يمكن أن يكون لهذه الديون أو الالتزامات المادية أي علاقةٌ بأميرة أو عائلتها؟ كان يعرف أن عائلة أميرة، آل العلي، معروفةٌ بثراءها ونفوذها، لكنه لم يكن يربط بين عائلته وعائلة آل العلي بأي صلةٍ ماليةٍ سابقةٍ.
قرر عمر أن يتكتم على الأمر في الوقت الحالي. لم يكن يريد أن يقلق أميرة، أو أن يلقي بظلالٍ من الشك على علاقتهما. كان يعتقد أنه يستطيع حل هذه المسألة بنفسه. بدأ يتفحص سجلات والده القديمة، ليبحث عن أي أثرٍ لهذه الاتفاقيات.
من جانبها، كانت أميرة تشعر بتغيرٍ طفيفٍ في تصرفات عمر. كان يبدو أحياناً شارد الذهن، أو متعباً. كانت تسأله إذا كان كل شيءٍ على ما يرام، فيجيب بابتسامةٍ باهتةٍ: "كل شيءٍ بخير يا أميرة، فقط بعض الأمور العائلية التي تتطلب اهتمامي."
في إحدى جلساتهم الهادئة، وبينما كانا يتحدثان عن ذكريات الطفولة، قالت أميرة: "أتذكر أن جدتي كانت تقول إن الأسرار الثقيلة لا تلبث أن تطفو على السطح. أتمنى أن لا يكون هناك أي ثقلٍ يحمله قلبك يا عمر."
نظر إليها عمر بعمقٍ، شعر بصدق كلماتها، ورغب في أن يبوح لها بكل شيء. لكن الخوف من العواقب، ومن رد فعلها، ومن أن تبدو الأمور وكأنها تهديدٌ لاتفاقهم، جعله يصمت. "لا تقلقي يا أميرة، فأنا أؤمن بأن الصدق والوضوح هما أساس كل شيءٍ، ولن يكون هناك شيءٌ يعيق سعادتنا." قال، وعيناه تبحثان عن ابتسامتها المطمئنة.
في تلك الفترة، كانت ليلى، صديقة أميرة، تشعر بأن هناك أمراً ما يخفيه عمر. كانت ترى في عيني أميرة شيئاً من القلق، ورغم إخفائها لمشاعره، كانت ليلى تعرف صديقتها جيداً. قررت أن تتحرى الأمر بنفسها. بدأت تتحدث مع بعض معارفها ممن لديهم علاقاتٌ بأعمال عائلة عمر، وبدأت تتلقى بعض المعلومات المشوشة عن ديونٍ عالقةٍ، وعن بعض المشاكل المالية التي واجهتها عائلة عمر في السابق، والتي لم يتم تسويتها بالكامل.
كانت ليلى على علمٍ بأن عائلة فاطمة، عائلة الغامدي، كانت لها علاقاتٌ تجاريةٌ بعيدةٌ مع بعض العائلات في المنطقة. لكنها لم تستطع ربط هذه المعلومات بالوضع الحالي لعمر وأميرة.
في أحد الأيام، بينما كانت ليلى تتحدث مع والدها، الذي كان يعمل محامياً، سألته عن عائلة الغامدي. "عائلة الغامدي؟ نعم، أعرفها. كانت لهم سمعةٌ طيبةٌ في التجارة. ولكن، قبل سنواتٍ، واجهوا بعض الصعوبات المالية، وبعد وفاة الابنة الكبرى، فاطمة، تداخلت الأمور أكثر. أعتقد أن هناك بعض القضايا القانونية المعلقة بين بعض الأطراف، ولكنها أمورٌ معقدةٌ ولم يتم حسمها بالكامل."
بدأت الصورة تتضح لدى ليلى. إذا كانت هناك ديونٌ أو التزاماتٌ عالقةٌ تخص عائلة عمر مع عائلة الغامدي، فقد تكون هذه هي "الأمور العائلية" التي يتحدث عنها عمر. ولكن، كيف يمكن أن يؤثر هذا على علاقته بأميرة؟ هل كانت عائلة آل العلي، عائلة أميرة، لها علاقةٌ بماضي عائلة الغامدي؟
ذهبت ليلى إلى أميرة، وقالت لها: "يا أميرة، أعتقد أن عمر يخفي عنكِ شيئاً. هناك همساتٌ حول بعض المشاكل المالية في عائلته، ويبدو أن الأمر مرتبطٌ بعائلة الغامدي."
نظرت أميرة إلى ليلى بصدمةٍ. "عائلة الغامدي؟ ولكن، ما علاقة هذا بنا؟" "لا أعرف بعد يا أميرة. ولكن، بما أن عمر لا يشارككِ الأمر، فربما يكون هناك سببٌ وجيهٌ لذلك. أعتقد أنه عليكِ أن تتحلي بالحذر، وأن تستعدي لأي مفاجآتٍ."
شعرت أميرة بالخوف، ولكنها أيضاً شعرت بالثقة في عمر. كانت تعلم أنه رجلٌ نزيهٌ، ولن يتورط في شيءٍ خاطئ. ربما يكون الأمر مجرد سوء فهم، أو سوء تقدير. ولكن، كلمات ليلى زرعت فيها بذرة الشك.
في هذه الأثناء، كان عمر قد اكتشف أن الأمر أكبر مما كان يتوقع. لم تكن مجرد ديونٍ بسيطةٍ، بل كانت هناك اتفاقياتٌ قديمةٌ، وقعت بين والده ووالد فاطمة، تتعلق ببعض الاستثمارات المشتركة. بعد وفاة فاطمة، تعثرت هذه الاتفاقيات، وأصبحت هناك مطالباتٌ من عائلة الغامدي برد جزءٍ من رأس المال، بالإضافة إلى فوائد. والأكثر من ذلك، اكتشف عمر أن هذه المطالبات قد انتقلت إلى بعض الورثة الآخرين لعائلة الغامدي، الذين أصبحوا الآن يطالبون بأموالٍ كثيرةٍ.
كان عمر يدرك أن هذه المسألة قد تؤثر على سمعة عائلته، وربما على مستقبلها المالي. ولكنه لم يستطع ربط هذا الأمر بعائلة أميرة. هل يمكن أن يكون أحد الورثة المطالبين من عائلة الغامدي، له علاقةٌ بعائلة آل العلي؟
في تلك الليلة، بينما كان الجميع نياماً، كان عمر يجلس في مكتبه، يحدق في الأوراق المتناثرة أمامه. كان يشعر بأنه محاصرٌ. ماضٍ لم يستطع تجاوزه، ومستقبلٌ يلوح في الأفق، ولكنه يبدو غامضاً ومحفوفاً بالمخاطر. كان عليه أن يجد حلاً، ليس فقط لنفسه، بل لأجل أميرة، ولأجل مستقبلٍ كان يتمناه مشرقاً، ولكنه الآن يبدو غائماً.