أنت ملاكي الجزء الثاني

رحلة الشكوك وطريق الحقيقة

بقلم ليلى الأحمد

كانت الأيام تمضي ثقيلة على قلب ليلى، مثقلة بظلال الشك التي نسجتها حولها أقدارٌ غامضة. لم تعد تستطيع الركون إلى سكينة الروح التي اعتادتها، فقد استحكم بها قلقٌ لا يهدأ، يتسلل إلى أعماقها كبردٍ قارس في ليالي الشتاء. كانت تنظر إلى يوسف، زوجها المحب، وأبو أطفالها، وتتساءل كيف استطاعت الأوهام أن تبث سمومها في هذا الصرح المتين من الود والوفاء؟

بدأت القصة بخبرٍ عابر، همسةٍ تناقلتها مجالس النساء، تتحدث عن لقاءاتٍ خفية، وعن كلماتٍ لم يكن ليوسف أن ينطق بها إلا لامرأةٍ أخرى. كانت البداية مجرد شكٍ ضعيف، كشعاعٍ باهتٍ يخترق سماءً مظلمة، لكن مع كل يومٍ يمر، كان هذا الشعاع يتسع، متحولاً إلى سيلٍ جارفٍ من التساؤلات التي عصفت بقلبها. كيف لمن حملت معه أمانة الحب والعهد، أن يخون؟ كيف لمن سجدت بين يديه لله شاكرةً نعمة وجوده، أن تجد في قلبه موطئ قدمٍ لغيرها؟

في إحدى ليالي رمضان المبارك، وبعد أن أقيم الليل وأُفطر الصائمون، اجتمعت العائلة في ديوان الأب، الوالد سليمان، ذلك الرجل الوقور الذي طالما كان مرساةً لاستقرارهم. كانت الأجواء مفعمة بالإيمان والصفاء، ولكن في داخل ليلى، كان الصراع يحتدم. كانت عيناها تلتقيان بعيني يوسف، فتحاول قراءة ما تخفيه، لكنه كان يبتسم لها، تلك الابتسامة الدافئة التي كانت يوماً ملاذها، والآن باتت تزيدها حيرة.

"يا ليلى، ما بالكِ؟" سأل الوالد سليمان بصوته الهادئ، وقد لمح اضطرابها. "أراكِ شاردة الذهن في هذه الليلة المباركة."

أجابت ليلى بكلماتٍ متقطعة، محاولةً إخفاء ألمها: "لا شيء يا أبي، مجرد تفكيرٍ في أحوال الناس."

لكن الوالد، ببصيرته الثاقبة، لم يقتنع. نظر إلى يوسف، ثم عاد بنظره إلى ليلى. "هل هناك ما يزعجكِ يا ابنتي؟ أصارحيني، ففي الصراحة راحةٌ وسكينة."

كانت تلك دعوةً صريحة، وفرصةً لم تكُن تتوقعها. أمسكت بيد زوجها، وكانت يداها ترتجفان. "يوسف... أحتاج أن أتحدث معك."

اجتمع قلباهما في تلك اللحظة، ولكن بمسافاتٍ شاسعةٍ بينهما. كانت عيون ليلى تحمل عتاباً لم يستطع يوسف فهمه، وبدت في عيني يوسف حيرةٌ لم يستطع هو نفسه تفسيرها.

"ماذا هناك يا حبيبتي؟" سأل يوسف، وهو يعقد حاجبيه قليلاً.

"هل... هل سمعتَ شيئاً عني؟" بدأت ليلى، وجملتها كانت كطعنةٍ في صدرها.

ارتسمت على وجه يوسف علامات الاستغراب. "عنكِ؟ كيف؟"

"همساتٌ... أقاويل... عن لقاءاتٍ... وعن..." توقفت ليلى، وكان صوتها قد اختنق. كانت الكلمات تثقل حلقها، وتقف حجر عثرةٍ أمام البوح.

نظر يوسف إليها بصمتٍ لدقائق، ثم أمسك بيدها بلطف. "ليلى، مهما سمعتِ، فاعلمي أن قلبي لم يعرف إلا أنتِ، وأن عيني لم ترَ إلا وجهكِ. من ذا الذي يجرؤ على زرع الشك بيننا؟"

لم تجب ليلى، بل استمرت في النظر إليه، تبحث عن بوادر الصدق التي كانت تعرفها في عينيه. لكن تلك الهمسات كانت قد تركت أثراً، وظلاً قوياً على ثقتها.

في تلك الأثناء، كان هناك رجلٌ آخر، يراقب بصمتٍ من بعيد. كان سيف، ابن عم يوسف، الذي لطالما حسد يوسف على سعادته، وعلى الحب الذي يجمع بينه وبين ليلى. كان سيف رجلاً طموحاً، يسعى إلى الارتقاء بنفسه بأي ثمن، وكان يرى في سعادة يوسف عقبةً أمام تحقيق أهدافه. لقد كان هو من يقف وراء تلك الهمسات، هو من نسج خيوط الشك، ليوقع بين أقرب الناس.

بدأ سيف في نشر الأكاذيب، مستغلاً بعض الثغرات في علاقات يوسف وعمله. كان يلقي بتلميحاتٍ مبطنة، ويشير إلى لقاءاتٍ اختلقها، مستخدماً أسماءً وهمية، ومفصلاً تفاصيل غير موجودة. كان هدفه واضحاً: زرع الفتنة، وتدمير عائلة يوسف، ليس فقط بدافع الحسد، بل لإضعاف يوسف نفسه، وربما لفتح الطريق أمامه للاستيلاء على ما يملكه.

في اليوم التالي، وبعد تفكيرٍ عميق، قررت ليلى أن تواجه يوسف بكل ما يدور في خاطرها. في خلوتهما، بعد صلاة الفجر، جلست أمامه، وعيناها تفيضان بالدموع.

"يوسف، لا أستطيع أن أبقى صامتةً بعد الآن. لقد سمعتُ أشياءً... أشياءً تجعلني أشك في كل شيء."

تنهد يوسف، ومد يده ليمسح دمعةً على خدها. "قولي لي يا ليلى. لا تتركي الشك يتملككِ. مهما كان، سنتجاوزه معاً، بإذن الله."

"قيل لي إنك تقابل امرأةً أخرى، وإنك... وإنك تمنحها اهتماماً خاصاً." كان صوتها يرتعش، وكل كلمةٍ كانت بمثابة سكينٍ في قلبها. "وأن هذه اللقاءات تتم في أماكن... سرية."

نظر يوسف إليها بعمق، وكان في عينيه حزنٌ عميق. "ليلى، أقسم لكِ بالله، إن هذا هراء. أنا لم ألتقِ بأي امرأةٍ أخرى. حياتي كلها لكِ، ولأطفالنا. من يجرؤ على اختلاق هذه الأكاذيب؟"

"لا أعرف يا يوسف. ولكن الشك بدأ يتملكني. كيف يمكن أن تنتشر مثل هذه الأقاويل دون أساس؟"

"ربما هناك من يريد لنا الشر يا ليلى. ربما هناك من يتمنى لنا زوال سعادتنا. ألا تذكرين كيف أن الحسد قد يؤذي؟"

كانت كلمات يوسف منطقية، ولكن الشك كان قد ترسخ. لم تستطع ليلى إقناع نفسها تماماً. كانت تتذكر بعض التفاصيل الصغيرة التي سمعتها، والتي بدت منطقيةً بشكلٍ مخيف. كان هناك موعدٌ محدد، واسمٌ غريب، وتفاصيلٌ لم تستطع تجاهلها.

"ولكن، كيف تفسر هذه التفاصيل؟" سألت ليلى، وعيناها تثبتان على عينيه. "قيل لي إنك في ذلك اليوم... ذهبت إلى مكانٍ معين، في وقتٍ محدد. قلت لي إنك كنت في اجتماعٍ عمل، ولكن... هل كان ذلك صحيحاً تماماً؟"

صمت يوسف لدقائق، وكان وجهه يعكس صراعاً داخلياً. كان يعلم أن هناك أمراً ما، ولكنه كان متردداً في البوح به. لقد أراد أن يحمي ليلى، وأن يحمي استقرار أسرته.

"نعم، لقد كنت في اجتماع عمل." قال يوسف أخيراً، ولكن صوته بدا متردداً. "ولكن... هناك تفاصيل أخرى."

كانت تلك الكلمات هي الشرارة التي أشعلت نار الشك في قلب ليلى. "ما هي التفاصيل الأخرى يا يوسف؟" سألت، وصوتها يكاد لا يُسمع.

"لقد... لقد كنت أحاول مساعدت شخصٍ ما." قال يوسف، وكان ينظر إلى الأرض. "شخصٌ كان يمر بضائقةٍ كبيرة، وطلب مني المساعدة بشكلٍ سري."

"من هذا الشخص؟ ولماذا سراً؟" سألت ليلى، وقلبها يخفق بعنف.

"إنه... إنه شخصٌ أعرفه. وكان الأمر حساساً جداً. أردت أن أحميه من الإحراج."

"ولماذا لم تخبرني أنت؟ لماذا لم تخبرني زوجتك، أم أطفالك؟" ارتفعت نبرة ليلى، واختلط فيها الحزن بالغضب. "ألم أكن أهلاً لثقتك؟"

"لقد كنت أنوي أن أخبركِ، ولكن... الأمور تعقدت. ولم أرد أن أقلقكِ."

كانت تلك اللحظة هي نقطة اللاعودة. لقد تغلغل الشك في أعماق ليلى، وأصبح من الصعب استئصاله. شعرت بأن هناك شيئاً ما يُخفى عنها، وأن يوسف لا يصارحها بكامل الحقيقة. لم تعد الثقة التي كانت بينهما قوية كما كانت. بدأت تتساءل عن مدى صدق هذا "الشخص" الذي أراد يوسف مساعدته، وعن طبيعة تلك "الضائقة" التي استدعت السرية.

لم تعلم ليلى أن سيف كان يتابع كل شيء، وأن تلك اللحظات من الحيرة والشك بين الزوجين كانت بالنسبة له انتصاراً. كان يخطط لخطوته التالية، وهي إلقاء المزيد من الوقود على نار الشك، لتتحول إلى لهيبٍ يلتهم كل شيء. لقد أراد أن يرى يوسف ينهار، وأن يرى ليلى تبتعد عنه.

بينما كانت ليلى تبكي بصمتٍ، ويوسف يحاول تهدئتها بكلماتٍ لم تعد تجدي نفعاً، كانت السماء الخارجية قد بدأت تمطر، كأن الطبيعة تبكي معها. كانت تلك الليلة بداية رحلةٍ شاقة، رحلةٍ ستكشف فيها ليلى عن حقائق مؤلمة، وستضطر فيها لمواجهة أعداءٍ لم تكن تتوقعهم، حتى الأقربين. لقد أصبح طريق الحقيقة مفروشاً بالأشواك، ولم يكن أمامها سوى أن تسلكه، بكل ما أوتيت من قوةٍ وصبر.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%