أنت ملاكي الجزء الثاني

عطرُ الياسمينِ في أروقةِ الذاكرة

بقلم ليلى الأحمد

عادتْ "ليلى" إلى منزلِها في المدينةِ، لكنَّ المدينةَ بدتْ باهتةً، خاليةً من الحياةِ. الأضواءُ الساطعةُ، أصواتُ السياراتِ المزعجةُ، وجوهُ الناسِ المتعبةُ، كلُها بدتْ وكأنها أصبحتْ عبئاً أثقلَ من ذي قبلَ. كانتْ حقيبتُها تحتوي على بعضِ الأغراضِ الضروريةِ، وعلى لوحةِ رسمٍ بيضاءَ، لم تجرؤْ على وضعِ أيِّ لونٍ عليها بعدُ. قلبُها ما زالَ ينبضُ بإيقاعٍ مختلفٍ، إيقاعٌ مستوحىً من هدوءِ الجبلِ، ومن صورةِ "آدم" الذي تركَ في روحِها أثراً عميقاً.

في الأيامِ التي تلتْ، كانَ "آدم" يراودُ ذهنَها باستمرارٍ. لم يكنْ مجردَ لقاءٍ عابرٍ، بل كانَ كشرارةٍ أضاءتْ في جوفِ ظلامٍ دامسٍ. كانتْ تتذكرُ تفاصيلَ وجهِهِ، طريقةَ حديثِهِ، عينيهِ الصادقتينِ. كانتْ تتساءلُ عن حياتِهِ، عن قريتِهِ، وعن والدتِهِ التي كانَ يقطفُ لها الأعشابَ. كلُ هذهِ التساؤلاتِ كانتْ تملأُ فراغَ عقلِها، وتُبعدُ عنها شبحَ الإحباطِ الذي كانَ يلاحقُها.

قررتْ "ليلى" أنْ تعودَ إلى الجبلِ. لم تكنْ تعرفُ لماذا، لكنَّها شعرتْ بضرورةٍ ملحةٍ لذلكَ. ربما كانتْ تبحثُ عن "آدم"، ربما كانتْ تبحثُ عن ذلكَ الشعورِ بالسكينةِ الذي وجدتهُ هناكَ. جهزتْ حقيبتَها مرةً أخرى، لكن هذهِ المرةَ، كانتْ تحملُ في داخلِها أملاً جديداً، وحماساً لم تعهدْهُ من قبلُ.

عندما وصلتْ إلى المكانِ الذي التقيا فيهِ، كانَ الجوُ مختلفاً. الشمسُ كانتْ في كبدِ السماءِ، تلقي بضوءِها الساطعِ على الوادي. الطبيعةُ بدتْ وكأنها تحتفلُ بعودتِها. جلستْ "ليلى" تحتَ شجرةِ البلوطِ نفسها، تلمسُ لحاءَها الخشنَ، مستذكرةً لقاءَها الأولَ بـ "آدم".

مرتْ ساعاتٌ، ولم يظهرْ "آدم". بدأتْ "ليلى" تشعرُ بخيبةِ أملٍ، وبأنَّ لقاءَها بهِ ربما كانَ مجردَ حلمٍ جميلٍ. بدأتْ الأفكارُ السلبيةُ تعودُ لتتسللَ إلى عقلِها. هل ذهبَ إلى مكانٍ آخرَ؟ هل نسِيَ لقاءَها؟

وبينما هيَ غارقةٌ في أفكارِها، سمعتْ صوتاً مألوفاً. "هل عادتْ روحُ الطبيعةِ لزيارتِها؟"

التفتتْ "ليلى" بسرعةٍ. كانَ "آدم". يقفُ على بعدِ خطواتٍ، يحملُ كيساً قماشياً، ويبتسمُ تلكَ الابتسامةَ التي أضاءتْ وجهَها.

"آدم؟" قالتْ "ليلى"، لم تصدقْ عينيها.

"نعم، أنا. لم أتوقعْ رؤيتَكِ مرةً أخرى بهذهِ السرعةِ. هل أتيتِ لتبحثي عن المزيدِ من الإلهامِ؟" سألَ "آدم"، وعيناهُ تعكسانِ سراً من الفرحِ.

"نعم، أعتقدُ ذلكَ." أجابتْ "ليلى"، وهيَ تشعرُ بأنَّ كلَّ خيبةِ أملٍ قد تلاشتْ.

"والدتي بخيرٍ، شكراً لسؤالِكِ. لقد شفيتْ تماماً، والأعشابُ التي قطفتُها ساعدتْ كثيراً." قالَ "آدم"، وكأنهُ يقرأُ أفكارَها.

"هذا خبرٌ رائعٌ. أنا سعيدةٌ لسماعِ ذلكَ." قالتْ "ليلى"، تشعرُ بأنَّ اهتمامَهُ بها لم يكنْ مجردَ لطفٍ عابرٍ.

"لماذا لم تخبريني أنكِ فنانةٌ؟" سألَ "آدم"، ينظرُ إلى لوحةِ الرسمِ البيضاءَ التي كانتْ تحملُها.

تفاجأتْ "ليلى" بسؤالِهِ. "كيفَ عرفتَ؟"

"أرى البريقَ في عينيكِ حينَ تتحدثينَ عن الألوانِ. وأرى شغفَ الفنانِ في طريقةِ نظرتِكِ للعالمِ. كما أنَّ والدتي، حفظها اللهُ، لديها صديقةٌ تعملُ في مجالِ الفنِ، وأعرفُ طبيعةَ الفنانينَ." قالَ "آدم"، وابتسامتُهُ اتسعتْ.

"أنا... أنا بدأتُ أفقدُ شغفي مؤخراً." اعترفتْ "ليلى"، تشعرُ بأنها بحاجةٍ لأنْ تشاركِ "آدم" ما يدورُ في داخلِها.

"فقدانُ الشغفِ شعورٌ طبيعيٌ يمرُ بهِ كلُ فنانٍ. المهمُ هوَ القدرةُ على استعادتهِ. أحياناً، نحتاجُ فقطْ لبعضِ الوقتِ، وبعضِ الإلهامِ. ربما تستطيعُ هذهِ الجبالُ أنْ تمنحَكِ ما تحتاجينَ." قالَ "آدم"، وكلماتهُ كانتْ تبعثُ في روحِها الأملَ.

"ربما." همستْ "ليلى"، تنظرُ إلى الأفقِ.

"هل أنتِ مستعدةٌ لبعضِ اكتشافاتِ الطبيعةِ؟" سألَ "آدم"، وبدا في صوتِهِ دعوةٌ لمغامرةٍ جديدةٍ.

"إلى أينَ؟" سألتْ "ليلى"، وقلبُها يتراقصُ فرحاً.

"هناكْ شلالٌ صغيرٌ لم يكتشفهُ الكثيرونَ بعدُ. مياههُ صافيةٌ، وصوتُهُ يبعثُ على السكينةِ. أعتقدُ أنهُ سيمنحُكِ الإلهامَ الذي تبحثينَ عنهُ." قالَ "آدم"، ويمدُ يدهُ إليها.

لم تترددْ "ليلى" للحظةٍ. مدتْ يدَها، و"آدم" يمسكُ بها. كانتْ يدُهُ قويةً ودافئةً، تبعثُ في جسدِها شعوراً بالاستقرارِ. انطلقَا في رحلةٍ عبرَ مساراتٍ جبليةٍ ضيقةٍ، تحتَ أشعةِ الشمسِ التي تخترقُ أغصانَ الأشجارِ. كانَ "آدم" يتحدثُ عن النباتاتِ، عن الطيورِ، وعن تاريخِ هذهِ المنطقةِ، بينما كانتْ "ليلى" تستمعُ بانتباهٍ، وتشعرُ بأنها تكتشفُ عالماً جديداً، ليسَ فقطْ في الطبيعةِ، بل في تفاصيلَ حياةِ "آدم".

عندما وصلا إلى الشلالِ، كانتْ "ليلى" مبهورةً. كانتْ المياهُ تتساقطُ من أعلى الصخورِ، مكونةً بحيرةً صغيرةً صافيةً. ضوءُ الشمسِ المنعكسُ على الماءِ خلقَ ألواناً قوس قزحٍ، تراقصتْ على وجوهِهما. جلسا بجانبِ الشلالِ، يستمتعانِ بالهدوءِ والصوتِ الموسيقيِّ للمياهِ.

"إنهُ مكانٌ ساحرٌ." قالتْ "ليلى"، تشعرُ بأنَّ روحَها بدأتْ تتنفسُ من جديدٍ.

"كما قلتُ لكِ." ابتسمَ "آدم". "الجمالُ موجودٌ في كلِّ مكانٍ، إذا أحسنَّا النظرَ."

"أشعرُ بأنني أرى الأشياءَ بعينٍ جديدةٍ." قالتْ "ليلى"، تنظرُ إلى "آدم". "شكراً لكَ."

"لا شكرَ على واجبٍ. كلانا يبحثُ عن شيءٍ، وربما نجدُهَ سوياً." قالَ "آدم"، ونظراتُهُ حملتْ وعداً، وبدايةً لشيءٍ أعمقَ.

كانتْ الشمسُ بدأتْ تميلُ نحو الغروبِ، تلقي بظلالٍ طويلةٍ على الوادي. شعرتْ "ليلى" بأنَّ هذهِ اللحظةَ، هذا المكانَ، وهذا الشعورَ، كلُها كانتْ جزءاً من قصةٍ جديدةٍ، قصةٍ بدأتْ بهمسِ الريحِ، واكتملتْ بعطرِ الياسمينِ الذي يحملهُ "آدم" في روحِهِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%