أنت ملاكي الجزء الثاني
رياحُ التغييرِ وعواصفُ الشكوكِ
بقلم ليلى الأحمد
عادتْ "ليلى" إلى المدينةِ، لكن هذهِ المرةَ، لم تكنْ تعودُ بنفسِ الروحِ التي غادرتْ منها. كانتْ تحملُ معها وعدَ "آدم" ببناءِ أسرةٍ، وقلباً مليئاً بالحبِّ والأملِ. أخبرتْ عائلتَها عن "آدم"، وعن خطوتِهما نحو الزواجِ، واستقبلتْ الخبرَ بمزيجٍ من الفرحِ والقلقِ. فوالدُها، السيدُ "عليٌ"، رجلٌ عمليٌ، يميلُ إلى التفكيرِ العميقِ قبلَ اتخاذِ أيِّ قرارٍ. والدتُها، السيدةُ "فاطمةُ"، كانتْ أكثرَ حماساً، لكنها أيضاً كانتْ تتمنى أنْ يكونَ "آدم" مناسباً لابنتِها على كافةِ المستوياتِ.
بدأتْ التحضيراتُ لخطبةِ "آدم" و"ليلى". كانتْ "ليلى" مشغولةً بينَ تجهيزِ بيتِ الزوجيةِ، والتنسيقِ معَ "آدم" بشأنِ تفاصيلِ الخطبةِ، وبينَ محاولاتِها لاستعادةِ شغفِها الفنيِّ. لكنْ، بينَ كلِّ هذهِ المشاغلِ، بدأَ شعورٌ غريبٌ بالتسللِ إلى عقلِها. كانتْ تبدأُ في التفكيرِ في الاختلافاتِ بينَ عالَمِها وعالمِ "آدم".
فـ "آدم" قادمٌ من قريةٍ صغيرةٍ، حيثُ البساطةُ والقيمُ الأصيلةُ هيَ المسيطرةُ. أما "ليلى"، فقد نشأتْ في المدينةِ، واعتادتْ على مستوى معينٍ من الرفاهيةِ، وعلى نمطِ حياةٍ مختلفٍ. بدأتْ تقلقُ من ردودِ فعلِ بعضِ أقاربِها، خاصةً أولئكَ الذينَ يميلونَ إلى النظرِ إلى الأصولِ والمستوياتِ الاجتماعيةِ.
كانتْ تذكرُ جيداً بعضَ الأحاديثِ التي سمعتْها من والدتِها عن أعمامِها وخالاتِها، وكيفَ أنهمْ كانوا دائماً يبحثونَ عن "الزواجِ المناسبِ"، الذي يعني غالباً الزواجَ من عائلاتٍ غنيةٍ ومشهورةٍ. بدأتْ الشكوكُ تراودُها. هل سيتقبلُ الجميعُ "آدم"؟ هل سيتمكنُ هوَ من التأقلمِ معَ عالمِها، ومعَ أفرادِ عائلتِها الذينَ قد ينظرونَ إليهِ بنوعٍ من الشفقةِ أو الاستعلاءِ؟
في إحدى الليالي، حينَ كانتْ تتحدثُ معَ "آدم" عبرَ الهاتفِ، حاولتْ أنْ تسألَهُ عن شعورِهِ تجاهَ فكرةِ لقائِهِ بعائلتِها.
"أنا متحمسٌ للقائِهِم، يا ليلى. خاصةً والدِكِ. أريدُ أنْ أعرفَ منهُ كلَّ شيءٍ عنكِ، وأنْ أطلبَ منهُ يدَكِ بشكلٍ رسميٍ." قالَ "آدم"، وصوتُهُ مليءٌ بالثقةِ.
"لكنْ... هل أنتَ مستعدٌ لبعضِ الأسئلةِ الصعبةِ؟" قالتْ "ليلى"، تترددُ في التعبيرِ عن مخاوفِها.
"ما هيَ هذهِ الأسئلةُ الصعبةُ؟" سألَ "آدم"، وبدا عليهِ بعضُ الفضولِ.
"عائلتي... لديهمْ بعضُ العاداتِ الغريبةِ. يميلونَ إلى الحكمِ على الناسِ من خلالِ أموالِهِم ومناصبِهِم." قالتْ "ليلى"، بصوتٍ شبهِ متهدجٍ.
ضحكَ "آدم" ضحكةً خفيفةً. "يا ليلى، هل ترينَ أنَّ المالَ هوَ كلُ شيءٍ؟ أنا لم أهتمَّ يوماً بالثروةِ الماديةِ، بقدرِ اهتمامي بالثروةِ الروحيةِ، وبناءِ أسرةٍ مسلمةٍ صالحةٍ. إذا كانَ والدُكِ رجلاً صالحاً، فسيفهمُ ذلكَ. وإذا لم يفهمْ، فسيظلُ حبُنا هوَ الأهمُ."
كلماتُ "آدم" كانتْ تبعثُ على الطمأنينةِ، لكنَّ الشكوكَ كانتْ قد بدأتْ تستقرُ في عقلِ "ليلى". شعرتْ بأنها قد ترتكبُ خطأً كبيراً، وأنها قد تضعُ "آدم" في موقفٍ لا يحسدُ عليهِ.
في هذهِ الأثناءِ، كانَ هناكَ شخصٌ آخرُ يراقبُ تطوراتِ علاقةِ "ليلى" بـ "آدم". كانَ "طارقٌ"، ابنَ عمِّ "ليلى" الأكبرِ، والذي كانَ يطمحُ منذُ فترةٍ طويلةٍ للزواجِ منها. كانَ "طارقٌ" شاباً ناجحاً في عملِهِ، ولكنهُ كانَ يفتقرُ إلى أخلاقِ "آدم" النبيلةِ. كانَ يرى في "آدم" مجردَ فلاحٍ بسيطٍ، لا يليقُ بابنةِ عمِّهِ التي نشأتْ في بيئةٍ راقيةٍ.
بدأَ "طارقٌ" في نشرِ الشائعاتِ بينَ بعضِ أفرادِ العائلةِ. كانَ يتحدثُ عن "آدم" بطريقةٍ تقللُ من شأنِهِ، ويصفُهُ بأنهُ شخصٌ انتهازيٌ، يبحثُ عن المالِ الذي قد تحصلُ عليهِ "ليلى" من عائلتِها. كانَ يقولُ: "أتساءلُ عن دوافعِ هذا الشابِ. هل هوَ فعلاً يحبُ ليلى، أم أنهُ يرى فيها سلماً للوصولِ إلى ثروةِ عائلتِها؟"
كانتْ هذهِ الكلماتُ، رغمَ غموضِ مصدرِها، تبدأُ في الوصولِ إلى مسامعِ بعضِ الأقاربِ، مما يزيدُ من قلقِ "ليلى" وشكوكِها. بدأتْ تتخيلُ كيفَ سيكونُ لقاءُ "آدم" ببعضِ أفرادِ عائلتِها، وكيفَ قد يتلقونَ حديثَ "طارقٍ".
في أحدِ الأيامِ، حينَ كانتْ "ليلى" في زيارةٍ لمنزلِ عمّتِها، سمعتْ صدفةً حديثاً بينَ عمّتِها وصديقةٍ لها.
"سمعتِ أخباراً عن ابنةِ عليٍ؟" قالتْ الصديقةُ.
"نعم، سمعتُ أنها ستتزوجُ من رجلٍ من القريةِ. رجلٌ فقيرٌ، يبدو أنهُ يبحثُ عن فرصةٍ. أتمنى أنْ تتداركَ الأمرَ قبلَ فواتِ الأوانِ." أجابتْ العمّةُ.
شعرتْ "ليلى" بالضيقِ، وكأنَّ كلامَ "طارقٍ" قد وصلَ إلى آذانِهم، وتمَّ تشويهُهُ. عادتْ إلى منزلِها، وقلبُها يعتصرُ ألماً. بدأتْ تتساءلُ: هل كانتْ متهورةً؟ هل كانَ يجبُ عليها أنْ تفكرَ ملياً قبلَ أنْ تقبلَ بـ "آدم"؟
في تلكَ الليلةِ، اتصلتْ بـ "آدم"، وحاولتْ أنْ تنقلَ