ابتسامتك حياتي الجزء الثالث
فخاخ محكمة ونذير شؤم
بقلم سارة العمري
تسلل نور الدين إلى مكتبه الخاص، والقلب يعتصر من القلق. كانت كلمات ليلى، وصورتها المتألمة، لا تفارقان عقله. لم يكن مجرد مواجهة ماضٍ مظلم، بل كان مواجهة مع عدوٍ يسعى بكل قوته لإفساد حياته. سليمان، الاسم الذي كان دائماً يحمل معه ظلالاً من الشر.
جلس خلف مكتبه، وبدأ يتصفح بعض الملفات القديمة. كان لديه معلومات عن نشاطات سليمان، وعن شبكته من العلاقات المشبوهة. لم يكن سليمان مجرد رجل أعمال فاسد، بل كان يمتلك نفوذاً سياسياً واقتصادياً، وكان لا يتوانى عن استخدام أي وسيلة لتحقيق أهدافه.
اتصل الشيخ سالم، والد نور الدين، به. "يا بني، هل أنت بخير؟ يبدو أن الأمور تتصاعد."
"أبي، نعم. لقد تحدثت مع ليلى. لقد علمت بكل شيء. وهي معي."
"الحمد لله. هذا ما كنت أتمناه. ولكن، هل لديك أي معلومات جديدة عن تحركات سليمان؟"
"نعم يا أبي. لدي بعض المعلومات. يبدو أنه يحاول عزلنا، واستخدام بعض الأفراد الذين لديهم خلافات سابقة معنا. لقد سمعت أنه يتواصل مع بعض العائلات التي كانت لها مشاكل مع عائلتنا في السابق."
"يجب أن نكون حذرين. لا تدعه ينجح في خططه. هل أخبرت ليلى بأي تفاصيل عن سليمان؟"
"أخبرتها بما أعرفه. عن عداوته مع جدي، وعن محاولاته لإيذائي. ولكن، لم أتحدث عن مدى خطورته. لم أرد أن أخيفها أكثر."
"لا يا بني، لا تخفها، ولكن كن واضحاً. الشفافية هي قوتنا. سليمان يعتمد على الخوف والترهيب. إذا عرفت ليلى طبيعة الخطر، يمكنها أن تكون أكثر حذراً."
"حسناً يا أبي. سأكون أكثر وضوحاً معها."
بينما كان نور الدين يتحدث مع والده، وصلت رسالة نصية إلى هاتفه. كانت من مصدر مجهول. "إذا استمر زواجك من ليلى، فستندم. هناك من يراقب كل تحركاتك."
شعر نور الدين ببرودة تسري في عروقه. كان هذا تهديداً مباشراً. ولم يكن مجرد تهديد عابر، بل كان دليلاً على أن سليمان بدأ يتصرف.
في نفس الوقت، كانت ليلى تجلس مع جدتها، أم أحمد. كانت تشعر بحزن شديد، ولكنها كانت تحاول أن تكون قوية.
"جدتي،" قالت ليلى بصوتٍ مرتجف. "لقد علمتُ شيئاً عن نور الدين وعن عائلته. هناك خلافات قديمة، وهناك شخصٌ يدعى سليمان يحاول إيذاء نور الدين."
نظرت أم أحمد إلى ليلى بقلق. "كنت أعرف أن هناك ما يدور. والدتكِ، رحمها الله، كانت تخشى هذا الأمر. لقد حذرتني كثيراً من عائلة الهاشمي، ولكنني لم أفهم السبب آنذاك. ولكن، سليمان؟ هذا الاسم ليس غريباً."
"نور الدين يقول إنه كان لديه عداء قديم مع جده، وأنه يسعى لإيذائه."
"هذا أمرٌ خطير يا ابنتي. إذا كان الأمر يتعلق بخلافات قديمة، فقد تكون لها جذور عميقة. يجب أن تكوني حذرة جداً. لا تثقي بأحد بسهولة."
"ولكن، جدتي، نور الدين يحبني، وأنا أحبه. لا أريد أن أتركه يواجه هذا كله بمفرده."
"أعلم يا ابنتي، وأنا أؤيدكِ في ذلك. الحب الصادق يقف في وجه كل الصعاب. ولكن، الحكمة مطلوبة. تحدثي مع نور الدين، وضعي خطة معاً. لا تدعي هذا سليمان ينجح في فصلكما."
في المساء، اجتمع نور الدين وليلى مع الشيخ سالم. كان الاجتماع جاداً، والجو مشحوناً بالتوتر.
"يا أبي،" قال نور الدين، "لقد تلقيت تهديداً. يبدو أن سليمان بدأ يتحرك بالفعل."
نظر الشيخ سالم بجدية إلى ابنه. "هذا ما كنت أخشاه. سليمان رجلٌ لا يعرف الرحمة. لقد استخدم أساليب قذرة في الماضي. يجب أن نكون مستعدين لمواجهة أي شيء."
"ماذا سنفعل يا أبي؟" سألت ليلى بقلق.
"علينا أن نكون أذكياء. سليمان يعتمد على المفاجأة، وعلى استغلال نقاط ضعفنا. يجب أن نجعل كل شيء مكشوفاً، وأن نترك له مجالاً أقل للمناورة."
"لقد فكرت في شيء،" قال نور الدين. "لقد تحدثت مع بعض أصدقائي القدامى، الذين يثقون بهم. هم مستعدون لتقديم المساعدة، وسنحاول أن نجمع أكبر قدر ممكن من الأدلة ضد سليمان. إذا أمكننا إثبات فساده، فقد نتمكن من الحد من نفوذه."
"هذه فكرة جيدة يا بني. ولكن، هل أنت متأكد من هؤلاء الأصدقاء؟ سليمان لديه عملاء في كل مكان."
"نعم يا أبي، هم من أشد المخلصين. لقد عرفتهم منذ زمن طويل، وهم يعرفون سليمان جيداً، ويعرفون شره."
"حسناً. ولكن، يجب أن نتخذ احتياطات أخرى. لا تستطيع أن تترك ليلى وحدها في أي وقت. يجب أن تكون تحت حمايتنا."
"بالطبع يا أبي. لم أكن لأتركها أبداً."
"وعلينا أن نحذر العائلة. يجب أن يعرف الجميع أن هناك خطراً. لا نريد أن نفاجأ بأي تحرك."
"سأخبر جدتها. وهي ستساعدني في إبلاغ الأقارب."
بدأ نور الدين وليلى في وضع خطة محكمة. لقد قررا عدم التراجع، والوقوف في وجه سليمان بكل قوة. كان لديهما دعم بعض الأصدقاء الموثوقين، ودعم العائلة، والأهم من ذلك، كان لديهما الحب الذي يربطهما.
ولكن، في زاوية أخرى من المدينة، كان سليمان يبتسم. لقد وصلته أخبار عن اجتماع نور الدين وليلى بالشيخ سالم، وعن خططهم. كان يعلم أنهم يحاولون جمع الأدلة ضده.
"حسناً يا نور الدين،" تمتم سليمان بصوتٍ خبيث. "تعتقد أنك تستطيع هزيمتي؟ لقد أخطأت. أنا أعرف كيف أستخدم نقاط ضعف خصومي. والآن، سأستخدم نقطة ضعفك الأكبر."
في تلك الليلة، بينما كان نور الدين وليلى يحاولان بناء حصن حول علاقتهما، كان سليمان يجهز لفخٍ جديد. فخٌ سيكون له عواقب وخيمة، وسيجعل الأمور أكثر تعقيداً. لقد استطاع أن يزرع بعض الجواسيس في محيط نور الدين، وأن يحصل على معلومات دقيقة عن تحركاته.
كان هناك شعورٌ متزايد بالنذير الشؤم يخيم على الأجواء. لم تكن مجرد معركة بين رجلين، بل كانت صراعاً بين الخير والشر، بين الحب والكره، بين بناء مستقبل مشرق وهدمه. كان على نور الدين وليلى أن يكونا مستعدين لكل شيء، لأن سليمان كان قد بدأ معركته، ولم يكن ليتوقف إلا بعد تحقيق هدفه.