ابتسامتك حياتي الجزء الثالث
لقاءٌ تحت سماءٍ ملونة
بقلم سارة العمري
مع بزوغ أول خيوط الفجر، انبعث نورٌ ذهبيٌ أخاذٌ من الأفق، يرسم لوحةً سحريةً على صفحة السماء، مزينًا إياها بظلالٍ ورديةٍ وأرجوانية. استيقظت "ليلى" على صوت عصافيرٍ تغرد بألحانٍ عذبة، تتسلل من بين أوراق النخيل. فتحت عينيها ببطء، شعرت بانتعاشٍ لم تعرفه منذ زمن. كانت رائحة القهوة العربية الطازجة تفوح من المطبخ، ممزوجةً بعبق الياسمين المنبعث من الحديقة.
نهضت من فراشها، وارتدت عباءتها الحريرية، وذهبت إلى الحديقة. جلست على مقعدٍ حجريٍ قديم، تستنشق عبير الزهور، وتراقب النمل وهو يسير في صفوفٍ منظمة. كان المكان ينبض بالحياة، بالحيوية التي لطالما افتقدتها في صخب المدينة.
"صباح الخير يا ابنتي."
التفتت ليلى لتجد جدتها "الحاجة فاطمة" تقف أمامها، تحمل صينيةً عليها كوبان من القهوة العربية، وبعض التمرات.
"صباح النور يا جدتي. ما أجمل هذا الصباح." "ما أجمل هذه الروح التي تشع بالإيمان، يا ابنتي. فسبحان من جعل في الصباح تجديدًا للحياة."
جلست ليلى بجوار جدتها، وشربت القهوة ببطء. كانت تلك القهوة مذاقها يختلف عن أي قهوةٍ شربتها من قبل، مذاقٌ يحمل عبق الأصالة ودفء العائلة.
"اليوم يا ليلى، سيكون يومًا مميزًا." قالت الحاجة فاطمة، وعيناها تلمعان بحماس. "لماذا يا جدتي؟" "الوفد الذي ينتظره الشيخ سالم، سيمرون من هنا في طريقهم إلى مضارب القبيلة. وقد أخبرني بأنهم سيستريحون لدينا قليلًا، لشرب القهوة وتناول بعض الطعام الخفيف. أرجو أن تساعديني يا ابنتي."
اتسعت عينا ليلى بدهشة. لم تكن تتوقع أبدًا أن يلتقي طريقها بضيوفٍ رفيعي المستوى كهؤلاء. شعرت بقليلٍ من الارتباك، لكنها سرعان ما تغلبت عليه. كانت تحب مساعدة جدتها، وتحب إكرام الضيف.
"بالتأكيد يا جدتي. سأساعدك بكل سرور."
بدأت ليلى وجدتها في التحضير. جهزتا طبقًا كبيرًا من الحلويات المنزلية، وصحنًا من الفاكهة الموسمية، وصينيةً أخرى تحتوي على اللبن الطازج. كانت ليلى تشعر بسعادةٍ غامرة، وكأنها تعود إلى أيام الطفولة، حين كانت تساعد جدتها في إعداد الولائم.
بعد ساعاتٍ قليلة، بدأت أصوات الخيول تقترب. توقفت مجموعةٌ من الرجال عند مدخل البيت، وعلى رأسهم الشيخ سالم، وتبعه شابٌ ذو هيبةٍ ووقار، هو "خالد". شعر خالد بشيءٍ غريب وهو يدخل البيت، شعورٌ بالهدوء والسكينة، وكأن المكان يحتضنه.
أدت الحاجة فاطمة واجب الضيافة خير قيام. استقبلت الضيوف بابتسامةٍ عريضة، وقدمت لهم القهوة والتمر. كانت ليلى تقف خلف جدتها، تراقب الضيوف بصمت. كان خالد، بعينيه الواسعتين، يحمل نظرةً فيها احترامٌ وتقدير. عندما التقت عيناهما للحظة، شعرت ليلى برجفةٍ خفيفة، برجفةٍ لم تعهدها من قبل.
"بارك الله فيكِ يا حاجة فاطمة. لم نجد أجمل ولا أطيب من هذا الاستقبال." قال الشيخ سالم، وهو يتناول كوب القهوة. "هذا واجبنا يا شيخ. أنتم ضيوفٌ على بيت الله، وعلى قلوبنا." ردت الحاجة فاطمة، متواضعة.
كان خالد يراقب ليلى بصمت. كانت تبدو له كفراشةٍ رقيقة، تتوارى خلف جدتها، لكن فيها من الجمال ما يأسر القلب. لاحظ هدوءها، وحياءها، ولمعان عينيها. شعر بأن هناك شيئًا مميزًا فيها.
"هذه ابنة أختي، ليلى." قدمت الحاجة فاطمة ليلى. "تعيش في المدينة، لكنها تأتي لزيارتي في الصيف." "أهلاً بكِ يا آنسة ليلى." قال خالد، بابتسامةٍ خفيفة. "أهلاً بك يا شيخ خالد." ردت ليلى، بخجلٍ ظاهر.
استمر الحديث بين الضيوف والحاجة فاطمة، بينما كان خالد يسترق النظر بين الحين والآخر إلى ليلى. شعر بأن هناك رابطًا خفيًا بدأ يتشكل بينهما، رابطٌ لم يفهمه بعد.
بعد فترةٍ من الوقت، نهض الشيخ سالم. "شكرًا جزيلًا لكِ يا حاجة فاطمة. يجب أن نواصل طريقنا. أتمنى أن تكون لقاءاتنا القادمة مثمرة." "وإن شاء الله. في حفظ الرحمن."
غادر الضيوف، تاركين وراءهم صدى ضحكاتهم وكلماتهم. نظرت الحاجة فاطمة إلى ليلى، وابتسمت. "ما رأيكِ يا ابنتي؟" "في ماذا يا جدتي؟" "في ضيوفنا. في الشيخ خالد." احمر وجه ليلى قليلاً. "كانوا رجالًا طيبين يا جدتي. والشيخ خالد، رجلٌ مهيب."
"مهيبٌ نعم، ولكنه يحمل قلبًا طيبًا. لقد أعجبتني روحه." قالت الحاجة فاطمة، وعيناها تحملان نظرةً حكيمة. "الدنيا يا ابنتي، مليئةٌ بالمفاجآت. وقد لا تعرفين أين يكمن الخير."
قضت ليلى بقية اليوم تساعد جدتها في شؤون البيت، لكن تفكيرها كان يعود دائمًا إلى ذلك اللقاء. إلى نظرات خالد، إلى صوته الهادئ. شعرت بشيءٍ يتغير في داخلها، شعورٌ بالفضول، بالأمل.
في تلك الليلة، بينما كانت السماء تزينها آلاف النجوم، وبينما كانت نسائم الليل الباردة تعبر الواحة، جلست ليلى في غرفتها، تتأمل وجهها في المرآة. ابتسمت لابتسامةٍ خفيفة.
"من يدري يا ليلى؟" همست لنفسها. "ربما تكون هذه هي البداية."
كانت تلك الابتسامة، ابتسامةٌ ولدت في عزلة الصحراء، تحت سماءٍ ملونة، بدايةً لقصةٍ لم تكن تتوقعها، قصةٌ ستكون فيها ابتسامتها هي حياته.