ابتسامتك حياتي الجزء الثالث
همساتٌ في قلب الصحراء
بقلم سارة العمري
مرت الأيام كطيوفٍ سريعة، تحمل معها نسائم الصيف الدافئة وأحاديث الواحة الهادئة. لم تعد ليلى تشعر بنفس الشعور بالوحدة الذي كان يخيم عليها في بداية رحلتها. لقد أصبح وجودها في بيت جدتها أكثر بهجةً وحيوية، بفضل الذكريات التي بدأت تتشكل، والآمال التي بدأت تنمو.
كانت تقضي معظم وقتها في مساعدة جدتها، وفي قراءة كتبها القديمة، وفي التجول في أرجاء الواحة. لكن في كل مرةٍ تمر فيها بجوار بيت الشيخ سالم، كان قلبها يخفق بقوة. كانت تتذكر ذلك اللقاء، وتتذكر نظرات خالد. لم تكن تفهم سر هذا الانجذاب المفاجئ، لكنها كانت تستمتع به.
في أحد الأيام، بينما كانت ليلى تساعد جدتها في جني بعض التمور، سمعت صوتًا مألوفًا. التفتت لترى خالد يقف على مسافةٍ قريبة، يتحدث مع والدته، السيدة "منيرة". كانت السيدة منيرة امرأةً كريمة، طيبة القلب، تحظى باحترام جميع نساء القبيلة.
"السلام عليكم." قال خالد، مبتسمًا. "وعليكم السلام ورحمة الله." ردت الحاجة فاطمة. "كيف حالكِ يا عمة؟ وكيف حالكِ يا ليلى؟" "الحمد لله بخير يا بني. كيف حالك أنت؟" "بخير والحمد لله. جئنا نطمئن على أحوالكم، وقد أردنا أن نحضر لكم بعض ما جادت به الصحراء هذا العام."
قصد خالد ما قاله، حيث أشار إلى بعض الصناديق المحملة بالتمور الفاخرة. شعرت ليلى بخجلٍ شديد، وتوارى خلف جدتها. لم تكن تتوقع رؤيته مرةً أخرى بهذه السرعة.
"جزاكم الله خيرًا يا بني. ما قصرتم أبدًا." قالت الحاجة فاطمة، شاكرةً.
تبادلت السيدة منيرة الحديث مع الحاجة فاطمة، بينما كان خالد يتحدث مع ليلى. كانت كلماته هادئة، ودودة، تحمل شيئًا من الشوق.
"لقد أتيتُ لزيارتكِ مرةً أخرى، آنسة ليلى." قال خالد. "لم أتوقع ذلك." ردت ليلى، متفاجئة. "هل لم تكوني تتوقعين؟ لقد تركتِ في قلبي انطباعًا جميلًا."
احمر وجه ليلى. "وأنت أيضًا يا شيخ خالد. لقد كنتَ رجلًا كريمًا."
"الكرم صفةٌ نبيلة، لكنها لا تكفي وحدها. ما هي أحوالكِ في المدينة؟ هل تعيشين بسلام؟" "الحمد لله. أحاول أن أعيش حياةً هادئة، وأسعى لتربية ابنتي على خير ما يرام."
"ابنتك؟" سأل خالد، بفضول. "نعم، ابنتي نور. هي حياتي."
شعر خالد بشيءٍ من الأسف. لقد ظن بأنها فتاةٌ عزباء. لكن هذا لم يغير من إعجابه بها.
"الله يحفظها لكِ. الابنة الصالحة هي أغلى ما تملك المرأة." "نعم، هي كل ما أملك."
استمر الحديث بينهما، وتحدثا عن أمورٍ كثيرة، عن الحياة، عن أحلامهما، عن آمالهما. كانت ليلى تشعر بأنها تتحدث مع شخصٍ يفهمها، شخصٍ يشاركها الكثير من آلامها وآمالها.
كانت السيدة منيرة تراقب حديثهما بابتسامة. لقد لمست قلب ابنها، ورأت فيه شيئًا من السعادة الغائبة.
"حان وقت الانصراف، يا خالد." قالت السيدة منيرة. "لقد أثقلنا عليكم." "لا شكر على واجب يا عمة. نحن أهلٌ وإخوة."
عندما غادروا، شعرت ليلى بشيءٍ من الفراغ. لقد اعتادت على وجوده، على حديثه.
"يا جدتي،" قالت ليلى، وهي تجلس بجوارها. "نعم يا ابنتي؟" "هل تعتقدين بأن هذا اللقاء، وهذا الحديث، كان مجرد صدفة؟" ابتسمت الحاجة فاطمة. "ليس في الدنيا شيءٌ اسمه صدفة يا ليلى. كل ما يحدث، إنما هو بتقدير الله. وما كان مقدرًا، فسيحدث، سواء شئنا أم أبينا."
"لكنني أشعر بشيءٍ مختلف هذه الأيام." قالت ليلى، بصوتٍ خفيض. "ما هو هذا الشعور؟" "شعورٌ بالراحة، بالسكينة. شعورٌ بأنني لست وحيدةً في هذه الدنيا."
عانقتها الحاجة فاطمة. "هذا خيرٌ يا ابنتي. الأمل هو شمعةٌ تضيء دروبنا في ظلام الحياة. فلا تدعي شيئًا يطفئها."
في تلك الليلة، بينما كانت نجوم الصحراء تتلألأ في السماء، لم تستطع ليلى أن تنام. كانت تفكر في خالد، في ابتسامته، في كلماته. شعرت بأن هناك شيئًا جديدًا بدأ ينمو في قلبها، شيءٌ جميل، شيءٌ مبارك.
*
في تلك الأثناء، كان خالد يجلس مع والده، الشيخ سالم. "لقد قابلتُ ليلى مرةً أخرى اليوم يا أبي." قال خالد، بصوتٍ هادئ. "آه، الفتاة التي أعجبت بها." قال الشيخ سالم، مبتسمًا. "ما رأيك فيها؟" "إنها فتاةٌ رائعة يا أبي. مثقفة، كريمة، وتتمتع بروحٍ قوية. لكنها متزوجة، ولديها ابنة."
تنهد الشيخ سالم. "لقد علمتُ بذلك. لكن هذا لا يعني نهاية المطاف. فالمرأة التي تحمل في قلبها كل هذا الخير، تستحق أن تجد السعادة. وإن كانت متزوجة، فقد لا يكون زواجها سعيدًا، أو قد لا تدوم، وكل شيءٍ بيد الله."
"لكنني أريدها أن تكون سعيدة يا أبي. سعيدةً حقًا." "وهل تعتقد بأن زواجك منها سيجلب لها السعادة؟" "أعتقد ذلك. أرى في عينيها شيئًا من الألم، شيئًا من البحث عن الأمان. وأنا أستطيع أن أمنحها ذلك."
فكر الشيخ سالم قليلًا. "إذا كان قلبك يميل إليها، ورأيت فيها ما يصلح لتكون زوجةً صالحةً لأبناء القبيلة، فما الذي يمنع؟ لكن يجب أن يكون كل شيءٍ بحلال. لا أريد لابني أن يخطئ طريق الصواب."
"نعم يا أبي. كل شيءٍ بالحلال."
شعر خالد بارتياحٍ كبير. لقد وجد في والده سندًا ودعمًا. كان يعلم بأن الطريق لن يكون سهلًا، لكنه كان مستعدًا للمواجهة.
في تلك الليلة، لم تنم عينا خالد. كان يفكر في ليلى، في نور، في مستقبلٍ يمكن أن يبنيه معهما. شعر بأن قلبه قد اختار، وبأنه مستعدٌ لفعل كل ما يلزم ليحقق حلمه.
كانت تلك الهمسات في قلب الصحراء، همساتٌ تتحدث عن الحب، عن الأمل، عن بداية حكايةٍ ستكون فيها ابتسامةٌ هي المفتاح.