ابتسامتك حياتي الجزء الثالث
رياحٌ عاتيةٌ تثير العواصف
بقلم سارة العمري
لم يمضِ وقتٌ طويلٌ على تلك اللقاءات الهادئة، حتى بدأت رياحٌ عاتيةٌ تضرب أركان الواحة، مثيرةً العواصف التي لم تكن ليلى تتوقعها. كان الأمر يبدأ بوشوشاتٍ خفية، كلماتٍ تتسلل كالأفاعي، تحمل سموم الافتراضات والظنون.
بدأت الحاجة فاطمة تلاحظ تغييرًا في نظرات بعض نساء القبيلة نحو ليلى. نظراتٌ تحمل شيئًا من الريبة، شيئًا من الحسد. كان خالد، الذي أصبح يتردد على بيت جدتها بشكلٍ شبه يومي، يحرص دائمًا على أن تكون لقاءاته بليلى في إطارٍ رسمي، بحضور جدتها أو والدته. لكن هذا لم يمنع الألسنة من أن تتحدث.
"يا حاجة فاطمة،" قالت إحدى النساء، وهي تتظاهر بالاهتمام، "ابنتكِ ليلى، أصبحت قريبةً جدًا من خالد. ألا تخشين عليها؟" "أخشى عليها من الله، ومن شر أنفسنا." ردت الحاجة فاطمة ببرود. "وخالد، ما هو إلا ابنٌ لرجلٍ كريم، وأختي منيرة، امرأةٌ فاضلة. وكلنا مسلمون، تربطنا الأرحام والجيرة." "نعم، لكن الظروف تختلف. ليلى متزوجة، ولديها ابنة. وخالد، شابٌ لم يتزوج بعد."
ابتسمت الحاجة فاطمة ابتسامةً مريرة. "الزواج يا ابنتي، قدرٌ. وما كان مقدرًا، فهو كائن. أما ما يتعلق بليلى، فزوجها رحمه الله. وقد عاشت معه فترةً قصيرة. وابنتها، نور، هي ثمرة حبٍ جميل، وإن كان قصيرًا."
لم يرضِ هذا الجواب المرأة، التي كانت تبحث عن المزيد من النميمة. "لكن ما يقال يا حاجة فاطمة؟ يقولون بأنها تسعى لخالد. وأنها تريد أن تتخلى عن ذكرى زوجها."
أحست الحاجة فاطمة بغضبٍ مكبوت. "من قال هذا، فقد كذب! ليلى فتاةٌ عفيفة، تخاف الله، وتربي ابنتها على أكمل وجه. أما عن خالد، فهو يزورنا كابنٍ لنا، وليس أكثر. فاحذري يا هذه، من الكلمات التي تزرع الفتنة."
لكن الوشوشات لم تتوقف. لقد وجدت بعض النساء في قصة ليلى، وفي قربها من خالد، فرصةً لإثارة الشكوك، ولزرع الأحقاد. كان حسد البعض، وربما غيرتهم، هو الدافع الأكبر.
في غضون ذلك، كان خالد يشعر بضغوطٍ متزايدة. كان يرى النظرات، ويسمع الهمسات. لكنه كان متمسكًا بقراره. لقد اختار ليلى، وكان مستعدًا للدفاع عنها، ولإثبات حسن نواياه.
"يا أبي،" قال خالد لشيخه سالم، "لقد سمعت ما يقال عن ليلى. وأنا أعلم بأنهم يكذبون. لكنني أخشى أن يؤثر هذا على سمعتها، وعلى سمعة القبيلة." "أعلم يا بني. لقد بلغتني الأخبار. لكن لا تدع كلام السفهاء يثني عزيمتك. أنت رجلٌ مسؤول، وعليك أن تفعل ما تراه صحيحًا. إذا كنت مقتنعًا بأن هذه الفتاة هي من تستحق، فاسعَ إليها. ولكن بحكمة، وبطريقةٍ لا تثير المزيد من البلبلة."
"كنت أفكر،" قال خالد، "في أن أطلب يدها رسميًا. من جدتها. وأن أعلن عن خطبتنا. عندها، سينتهي كل كلامٍ باطل." تردد الشيخ سالم قليلًا. "هذا قرارٌ جريء. هل أنت متأكدٌ من رغبتك؟" "متأكدٌ تمامًا يا أبي."
"إذن، فلتكن. لكن عليك أن تكن مستعدًا لأي رد فعل."
من جهةٍ أخرى، كانت ليلى تشعر بضيقٍ في صدرها. كانت تعرف بأن هناك شيئًا ما يحدث، لكنها لم تكن تعرف ما هو. كانت تشعر بأن الأجواء قد تغيرت، وأن النظرات أصبحت تحمل معاني مختلفة.
"يا جدتي،" قالت ليلى في أحد الأيام، "هل كل شيءٍ على ما يرام؟ أشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا." "لا تقلقي يا ابنتي. هذه الدنيا، فيها ما فيها. لا تستمعي إلى كلام الناس، واستعيني بالله." "لكنني أخشى يا جدتي. أخشى أن يتأثر كلامهم، أو أن يؤثروا عليكِ." "لن يؤثروا عليّ يا ابنتي. لقد عشتُ من عمرٍ طويل، ورأيتُ ما رأيت. الإنسان الصادق، لا يخاف من شيء. والله مع الصادقين."
لكن قلب ليلى لم يطمئن. شعرت بأن العاصفة قادمة، وأنها لا تستطيع أن تهرب منها. كانت تفكر في خالد، في قربه منها، وفي الآمال التي بدأت تتشكل. هل يمكن لكل هذا أن يتبخر بسبب كلماتٍ كاذبة؟
في إحدى الليالي، وبينما كانت ليلى جالسةً في غرفتها، سمعت صوتًا على الباب. فتحت الباب لتجد خالد يقف هناك، وجهه يحمل علامات قلقٍ واضحة.
"خالد؟ ماذا تفعل هنا؟" سألت ليلى، بتفاجؤ. "آنسة ليلى، يجب أن أتحدث إليكِ. أمرٌ مهم." "تفضل."
"لقد علمتُ بأن هناك كلامًا يقال عنكِ. كلامٌ يمس سمعتكِ، ويضر بشرفكِ. وهذا لا يمكن أن أسمح به." "ماذا يقال؟" سألت ليلى، وقلبها يخفق بعنف. "يقال بأنكِ تسعين ورائي، وأنكِ لا تحترمين ذكرى زوجكِ. هذا كلامٌ باطل، ويعرف الجميع صدقه. لكنني أخشى أن يصدقه البعض."
كانت ليلى تشعر بالخجل، وبالغضب. "لم أتخيل أبدًا أن يصل الأمر إلى هذا الحد." "ولذلك،" قال خالد، وقد لمعت عيناه بجدية، "لقد اتخذت قرارًا. أريد أن أطلب يدكِ رسميًا. من جدتكِ. وأن نعلن عن خطبتنا في أقرب وقت. لكي نقطع الطريق على كل من يحاول تشويه سمعتكِ."
تجمدت ليلى في مكانها. لقد كانت تلك الكلمات مفاجأةً عظيمة. هل هذا هو الحل؟ هل يمكن لخطبةٍ أن تنقذها من هذا الموقف؟
"لكن... خالد..." بدأت ليلى، تشعر بالارتباك. "أنا..." "أعلم بأنكِ ما زلتِ في فترة حداد، وأعلم بأن لديكِ ابنة. لكنني أحبكِ يا ليلى. وأرى فيكِ الزوجة الصالحة، والأم الحنون. وأنا مستعدٌ لأن أكون أبًا لابنتكِ، وزوجًا لكِ. ولكن أريدكِ أن تمنحيني فرصة."
كانت كلماته صادقة، مليئةً بالعاطفة. شعرت ليلى بأن قلبها يذوب. هل هذا هو القدر؟ هل هذا هو الحب الذي طالما بحثت عنه؟
"أنا... أنا لا أعرف ماذا أقول." تلعثمت ليلى. "لا تقولي شيئًا الآن. فكري جيدًا. لكن اعلمي، بأنني لن أسمح لأحدٍ بأن يمس شرفكِ أو سمعتكِ. وسأدافع عنكِ بكل ما أملك."
تركها خالد، وغادر. بقيت ليلى واقفةً في مكانها، تشعر بأن الأرض تدور بها. لقد انقلبت حياتها رأسًا على عقب. العاصفة قد بدأت، ولم تكن تعرف كيف ستتمكن من النجاة منها. لكنها في الوقت نفسه، شعرت ببصيص أملٍ يلوح في الأفق. أملٌ حمله حب خالد، وشهامته.