ابتسامتك حياتي الجزء الثالث

شُعاعُ الأَمَلِ المُتَوارِي

بقلم سارة العمري

بَعْدَ لَيْلَةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ البُكاءِ وَالتَّفْكِيرِ، اسْتَيْقَظَتْ لَيْلى عَلَى ضَوْءِ الشَّمْسِ الَّذِي كانَ يَحاوِلُ جاهِداً أَنْ يُبَدِّدَ ظَلامَ غُرْفَتِها. لَكِنَّ الظَّلامَ الَّذِي لَفَّ رُوحَها كانَ أَشَدَّ عُمْقاً، وَأَكْثَرَ صُمُوداً. حَديثُ هَارُونُ الأَخِيرُ كانَ كَخَنْجَرٍ بَارِدٍ غُرِزَ فِي قَلْبِها. لَيْسَ حُبّاً، بَلْ شَوْقٌ لِشَخْصٍ ما زالَ يُفَكِّرُ بِغَيْرِها، وَلَكِنَّهُ أَيْضاً أَحَسَّ بِأَلَمِها. تَرَدُّدُهُ، وَاعترافُهُ بِأَنَّهُ "لا يَعْرِفُ"، كانا أَسْوَأَ مِنْ أَيِّ رَفْضٍ صَرِيحٍ.

قَامَتْ مِنْ فِراشِها وَهِيَ تَجُرُّ خُطُواتِها بِثِقَلٍ. رَأتْ وَجْهَها فِي المِرْآةِ، فَصُدِمَتْ. لَمْ تَعُدْ تَعْرِفُ تِلْكَ العُيُونَ الذَّابِلَةَ، وَتِلْكَ الشِّفاهَ الَّتِي فَقَدَتْ لَوْنَها.

"لَيْلى، مَاذَا سَتَفْعَلِينَ؟" هَمَسَتْ لِنَفْسِها.

دَخَلَتْ أُمُّها الغُرْفَةَ، وَرَأَتْ حَالَ ابْنَتِها. اقْتَرَبَتْ مِنْها بِحَذَرٍ، وَوَضَعَتْ يَدَها عَلَى جَبِينِها. "لَسْتِ مُصَابَةً بِحُمَّى، لَكِنَّكِ شاحِبَةٌ جِداً."

"لَسْتُ مُتَأَكِّدَةً مِنْ شَيْءٍ يا أُمِّي." قَالَتْ لَيْلى بِصَوْتٍ مُتَشَنِّجٍ. "لَقَدْ اعْتَرَفَ لِي بِأَنَّهُ لَمْ يَنْسَ شَخْصاً آخَرَ. وَبِأَنَّهُ لا يَعْرِفُ إِنْ كانَ يُحِبُّنِي."

تَجَهَّمَ وَجْهُ سَعاد، وَازْدَادَ قَلَقُها. "هَذا مُؤْلِمٌ يا ابْنَتِي. وَلَكِنَّ عَلَيْكِ أَنْ تَكُونِي قَوِيَّةً. لا تَدَعِي أَمْراً كَهَذا يُحَطِّمُكِ."

"وَلَكِنْ كَيْفَ، يا أُمِّي؟ كُلُّ شَيْءٍ كانَ مُخَطَّطاً لَهُ. كُلُّ شَيْءٍ كانَ يَبْدُو وَاضِحاً."

"الحَياةُ لَيْسَتْ كَما نُخَطِّطُ لَها دائِماً يا ابْنَتِي. أَحْياناً تَأْتِي لَنا بِتَحدِّياتٍ لَمْ نَتَوَقَّعْها. لَكِنَّ الإِيمانَ بِاللهِ، وَالصَّبْرَ، هُما سِلاحُنا. وَأَنْتِ، لَكِ عَقْلٌ رَجِيحٌ، وَقَلْبٌ نَقِيٌّ. سَتَجِدِينَ طَرِيقَكِ."

"وَما هُوَ طَرِيقِي الآنَ؟ هَلْ أُتْرُكُهُ؟ هَلْ أُكْمِلُ هَذا الزَّواجَ وَأَنَا أَعْرِفُ أَنَّهُ لَيْسَ سَعِيداً؟"

"هَذا قَرارٌ صَعْبٌ، وَلا يَنْبَغِي أَنْ تَأْخُذِيهِ وَحْدَكِ. دَعِينا نَتَحَدَّثُ مَعَ والدِكِ، وَسَنَرى مَا سَيَكُونُ الأَفْضَلُ. الأَهَمُّ هُوَ أَنْ تَحْفَظِي كَرامَتَكِ، وَسَعادَتَكِ. وَلا تَنْسَيْ أَنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ."

فِي تِلْكَ الأَثْناءِ، كانَ هَارُونُ يُعَانِي أَيْضاً. بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ بَيْتِ لَيْلى، قادَ سَيَّارَتَهُ إِلى مَكانٍ مُعْتِمٍ. لَمْ يَكُنْ يَفْهَمُ مَا الَّذِي يَحْدُثُ لَهُ. لَقَدْ بَدا أَنَّهُ أَصْبَحَ سَجِيناً لِذِكْرَياتِهِ، وَلِعَجْزِهِ عَنْ التَّخَلُّصِ مِنْها.

"لِمَاذا، يَا رَبِّ؟" هَمَسَ، وَهُوَ يَضْرِبُ عَلَى عَجَلَةِ القِيادَةِ بِغَضَبٍ. "لِمَاذا لا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْسَى؟"

كانَ قَدْ ظَنَّ أَنَّ لَيْلى هِيَ المَنْفَذُ، هِيَ البِدَايَةُ الجَدِيدَةُ. لَكِنَّهُ اكتَشَفَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُقَدِّمَ لَها القَلْبَ الَّذِي تَسْتَحِقُّهُ. شُعُورُهُ بِالذَّنْبِ ازْدَادَ، وَهُوَ يَتَذَكَّرُ نَظْرَةَ الخَيْبَةِ فِي عَيْنَيْ لَيْلى.

"لَقَدْ أَخْطَأْتُ، لَقَدْ أَخْطَأْتُ كَثِيراً."

قَضَى سَاعَةً طَوِيلَةً يُعَاتِبُ نَفْسَهُ، ثُمَّ قَرَّرَ أَنْ يَعودَ إِلى بَيْتِهِ. لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ مَا الَّذِي سَيَقُولُهُ لِأُمِّ لَيْلى، وَلَكِنَّهُ أَدْرَكَ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُحاوِلَ إِصْلاحَ مَا أَفْسَدَ.

فِي اليَوْمِ التَّالِي، اتَّصَلَ هَارُونُ بِأَبِي لَيْلى، الأُسْتاذِ عَليّ.

"سَيِّدِي، أَرَدْتُ أَنْ أَطْلُبَ مُقَابَلَةً لِلتَّحَدُّثِ مَعَكَ فِي أَمْرٍ هَامٍّ."

"تَفَضَّلْ يا هَارُونُ. هَلْ هُناكَ مَشْكَلَةٌ؟"

"نَعَمْ، وَلَكِنِّي آَمُلُ أَنْ نَجِدَ حَلاً سَوِيّاً."

تَقابَلا فِي مَكْتَبِ الأُسْتاذِ عَليّ. بَدَأَ هَارُونُ بِاعْتِذارٍ شَدِيدٍ، ثُمَّ حَكَى لَهُ القِصَّةَ بِكامِلِها. الأُسْتاذُ عَليّ، بِحِكْمَتِهِ وَصَبْرِهِ، اسْتَمَعَ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ دُونَ أَنْ يُقاطِعَ.

"يَا ابْنِي هَارُونُ،" قَالَ الأُسْتاذُ عَليّ بَعْدَ أَنْ انْتَهَى هَارُونُ. "الحَياةُ مَمْزُوجَةٌ بِالحُزْنِ وَالفَرَحِ. وَعَلَيْنا أَنْ نَتَعَلَّمَ كَيْفَ نَتَعامَلُ مَعَ كُلِّ شَيْءٍ. لَقَدْ أَخْطَأْتَ، وَهَذا واضِحٌ. لَكِنَّ الأَهَمَّ هُوَ اعْتِرافُكَ بِالخَطَأِ، وَرَغْبَتُكَ فِي الإِصْلاحِ."

"وَمَاذَا عَنْ لَيْلى؟" سَأَلَ هَارُونُ بِقَلَقٍ.

"لَيْلى ابْنَتِي، وَهِيَ قَوِيَّةٌ. لَكِنَّ القَلْبَ الَّذِي يُجْرَحُ لا يُشْفَى بِسُرْعَةٍ. سَنَتَحَدَّثُ مَعَها، وَسَنُعْطِيها الوَقْتَ لِكَيْ تُفَكِّرَ. لَكِنَّنِي أُرِيدُ مِنْكَ شَيْئاً واحِداً، أَنْ تَكونَ صَادِقاً مَعَها، وَمَعَ نَفْسِكَ."

"أَنَا مُسْتَعِدٌّ لِفِعْلِ كُلِّ شَيْءٍ."

"جَيِّدٌ." ابْتَسَمَ الأُسْتاذُ عَليّ ابْتِسامَةً خَفِيفَةً. "لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ قَدْ ضاعَ بَعْدُ. لَكِنَّهُ يَتَطَلَّبُ جُهْداً، وَصَبْراً، وَصِدْقاً."

عادَتْ لَيْلى إِلى رُوتِينِها اليَوْمِيِّ، لَكِنَّ الأَشْياءَ لَمْ تَعُدْ كَما كانَتْ. كُلُّ شَيْءٍ كانَ يَذَكِّرُها بِهَارُونُ، وَبِكَلِماتِهِ المُوجِعَةِ. بَدَأَتْ قَراءَةُ كُتُبِ الفِقْهِ وَالتَّفْسِيرِ، تَحاوِلُ أَنْ تَجِدَ فِيها طُمَأْنِينَةً لِرُوحِها المُتَأَلِّمَةِ.

ذَاتَ صَباحٍ، بَيْنَما كانَتْ تَقْرَأُ، وَجَدَتْ آيَةً قَدْ لَمَسَتْ قَلْبَها بِعُمْقٍ: "وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ، وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ."

شَعَرَتْ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُوَجَّهَةٌ إِلَيْها. لَرُبَّما كانَ هَذا الأَلَمُ الَّذِي تَعِيشُهُ هُوَ الخَيْرُ لَها، وَلَرُبَّما كانَ ما ظَنَّتْهُ حُبّاً هُوَ الشَّرُّ.

بعدَ ذَلِكَ، جاءَتها رِسالَةٌ مِنْ هَارُونُ. لَمْ تَكُنْ رِسالَةً هَاتِفِيَّةً، بَلْ كَتابٌ يَحْمِلُها بَيْنَ طَيَّاتِهِ، وَقَدْ كُتِبَ بِخَطِّ يَدِهِ.

"لَيْلى الحَبِيبَةُ، أَكْتُبُ إِلَيْكِ بِقَلْبٍ مُثْقَلٍ بِالذَّنْبِ وَالنَّدَمِ. لَقَدْ قَصَّرْتُ كَثِيراً، وَظَلَمْتُكِ بِأَفْكاري وَمَشاعِرِي. لَكِنَّنِي لَمْ أَعُدْ قادِراً عَلَى الاِسْتِمْرَارِ فِي هَذا الوَهْمِ. سَأُحاوِلُ جَاهِداً أَنْ أَنْسَى، وَأَنْ أَنْسى الأَشْخاصَ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ ذِكْرَياتِي. سَأُحاوِلُ أَنْ أُصْلِحَ ما أَفْسَدْتُ. وَإِذا أَعْطَي

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%