ابتسامتك حياتي الجزء الثالث

إدمان الروح على حضورها

بقلم سارة العمري

كانت الأيام تتوالى كنسيم عليل يداعب وجنتيها، تحمل معها عبق الأمل ورائحة الغد المشرق. لكن خلف تلك الواجهة الهادئة، كانت هناك عاصفة تضرب أركان روح نور. لم يعد الهدوء الذي كانت تنشده إلا سرابًا بعيدًا، وكلما حاولت الإمساك به، تبدد بين أصابعها. لقد بات حضور سالم يمثل لها إدمانًا غريبًا، إدمانًا لا تقاومه، ولا تعرف كيف تتخلص منه.

في كل صباح، كانت تستيقظ على نداء روحي لا يمكن تفسيره، شوقٌ إليها ينمو ويتسع، وكأنها شجرة تتجذر في أعماق كيانها. لم يعد الأمر مجرد إعجاب عابر، بل تحول إلى تعلق عميق، إلى حاجة ماسة لا تلبيها إلا رؤيته، أو سماع صوته. كانت تحاول جاهدة أن تقنع نفسها بأن هذا الشعور طبيعي، وأن الخطوبة مرحلة ينمو فيها التقارب، ولكن في أعماقها، كانت تدرك أن ما تشعر به يتجاوز حدود الطبيعي.

كانت تفكر في سالم لساعات طوال، في ابتسامته التي تضيء دروب الحياة، في كلماته التي تبعث في قلبها الطمأنينة. كانت تسترجع محادثاتهما، نكاتهما المتبادلة، ولحظات الصمت المريح التي كانت تجمع بينهما. حتى أحلامها لم تعد تقتصر على التخطيط للمستقبل، بل امتلأت بصورته، بوجوده المتجسد بجانبها.

لكن هذا الشوق، هذا التعلق، كان يخالجها شعورٌ خفيٌّ بالذنب. كانت تتذكر دائمًا وصايا والديها، وتعاليم دينها التي تحث على الاعتدال والتوازن. هل كان هذا الحب قويًا لدرجة أنه بدأ يشتت انتباهها عن مسؤولياتها الأخرى؟ هل كانت تتغاضى عن عيوب قد تظهر مع الوقت، تحت وطأة سحر حضوره؟

في إحدى الأمسيات، بينما كانت تجلس مع والدتها في فناء المنزل، تتناقلان أطراف الحديث حول شؤون الأسرة، لم تستطع نور أن تتخلص من صورتها في خيالها. كانت والدتها تتحدث عن تجهيزات زواج أختها، وعن قائمة الضيوف، ولكن عقل نور كان يسبح في عالم آخر، عالمٌ يضم سالم.

"نور، يا ابنتي، أين عقلك؟" نادتها والدتها بحنان، قاطعةً سلسلة أفكارها.

انتفضت نور قليلًا، وأجابت مرتبكة: "معكِ يا أمي. كنت أفكر فقط في تفاصيل الزواج."

ابتسمت والدتها بحكمة، وقالت: "أعرف أنكِ سعيدة بخطوبتكِ، وهذا يسعدني جدًا. ولكن تذكري أن الزواج مسؤولية كبيرة، وأن التخطيط الجيد هو مفتاح النجاح. يجب أن تمنحي كل شيء حقه."

شعرت نور بوخزة في قلبها. هل كانت مقصرة؟ هل كانت تغفل عن جوانب هامة في حياتها؟ نظرت إلى والدتها، ورأت فيها رمزًا للحكمة والصبر. إنها امرأةٌ بنت أسرةً على أسس قوية، وحافظت على بيتها بذكاء وعطاء.

"أعلم يا أمي. سأحرص على أن أكون أكثر تركيزًا." وعدتها نور، وهي تحاول جاهدة أن تستعيد تركيزها.

في تلك الليلة، لم تستطع نور النوم بسهولة. جلست على حافة سريرها، تنظر إلى القمر الذي كان يرسم خيوطًا فضية على أرضية الغرفة. تساءلت في نفسها: هل كان هذا الحب نعمة أم ابتلاء؟ هل كان طريقًا إلى سعادة دائمة، أم مجرد مرحلة عابرة ستترك وراءها حسرة؟

كانت تخاف من فقدان السيطرة على مشاعرها. كانت ترى كيف يمكن للعواطف الجياشة أن تعمي البصيرة، وكيف يمكن للتعلق المفرط أن يجعل الإنسان ضعيفًا. لقد سمعت قصصًا عن أشخاص ضلوا الطريق بسبب أهواء النفس، وعن أحلام تحطمت بسبب عدم الاتزان.

في سرها، كانت تتمنى لو أن لديها مرشدًا حكيمًا، شخصًا تثق به ويمكنها أن تشاركه مخاوفها. ولكنها كانت تعلم أن هذه رحلة شخصية، وأن عليها أن تجد إجاباتها بنفسها، وأن تتسلح بالإيمان والقوة الداخلية.

استحضرت نور آيات قرآنية وأحاديث نبوية تدعو إلى الاعتدال والتوازن في كل أمور الحياة. كانت تتذكر قصص الصحابة والصالحين الذين واجهوا صعاب الحياة بإيمان راسخ، ولم يسمحوا لأهواء النفس بأن تتغلب عليهم.

"يا رب، لا تكلني إلى نفسي طرفة عين." دعت في سكون الليل، تشعر بأن هذا الدعاء هو السلاح الوحيد الذي يملك القوة لمواجهة العاصفة الداخلية.

في صباح اليوم التالي، قررت نور أن تتخذ خطوة جريئة. أرادت أن تختبر مدى قوة مشاعرها، ومدى قدرتها على التحكم بها. اتصلت بسالم، ولكنها لم تخبره بأنها كانت تفكر فيه بعمق. تحدثت معه حول تفاصيل بسيطة، حول خططه لليوم، واستمعت إلى صوته الذي كان دائمًا كبلسم لروحها.

ولكن بعد انتهاء المكالمة، شعرت بخيبة أمل خفيفة. لم يكن حضورها فيه، لم تكن كلماته كافية لتهدئة عاصفة التساؤلات التي كانت تجتاحها. أدركت أن المشكلة لم تكن في سالم، بل كانت في نفسها، في الطريقة التي سمحت فيها لمشاعرها بأن تتجاوز حدودها.

في المساء، ذهبت نور إلى مكتبة والدها. قضت ساعات تتصفح كتبًا قديمة، تبحث عن حكمة في صفحاتها. وقعت عيناها على كتاب في علم النفس، يتحدث عن طبيعة التعلق والعلاقات الإنسانية. قرأت بنهم، مستوعبة كل كلمة، وكل مفهوم.

كانت تدرك أن الحب الحقيقي لا يقتل الروح، بل ينميها. وأن العلاقة الصحية لا تعتمد على الإدمان، بل على الاحترام المتبادل، وعلى التكامل، وعلى القدرة على العيش بشكل مستقل وقوي، مع وجود الشريك.

خرجت نور من المكتبة، وهي تحمل في قلبها بذرة أمل جديدة. لم تختفِ مشاعرها تجاه سالم، بل لم تتغير. لكنها أصبحت ترى الأمور بمنظور أوسع، بمنظور يجمع بين القلب والعقل، بين العاطفة والحكمة. لقد بدأت رحلة جديدة، رحلة استكشاف الذات، واكتشاف حدود المشاعر، والبحث عن التوازن الذي يضمن لها سعادة دائمة، سعادة تتوافق مع قيمها ومع تعاليم دينها. لقد بدأت تفهم أن إدمان الروح على حضور شخص ما، هو في حقيقته دعوة للنمو، دعوة لتطهير القلب، دعوة لاكتشاف القوة الكامنة في الروح.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%