ابتسامتك حياتي الجزء الثالث

امتحان الصدق وعمق الإيمان

بقلم سارة العمري

لم تكن نور تجد راحةً في الأيام التالية. ظلت كلمات مها، وتصريحات والدة عادل، وصمت سالم، تدور في رأسها كعاصفةٍ لا تهدأ. كانت العلاقة بينهما، والتي كانت تشع بالأمل والثقة، قد بدأت تشوبها بعض الغيوم. لم يكن الأمر مجرد شكٍ عادي، بل كان خوفًا عميقًا من أن تكون هناك حقائق مخفية، وأن تكون مشاعرهما، والتي كانت تعتبرها نقيةً وصادقة، قد تأسست على فهمٍ غير كامل.

في أحد الأمسيات، وبينما كانا يجلسان معًا في حديقة المنزل، تحت ضوء القمر الخافت، قررت نور أن تواجه الأمر. لم تستطع أن تحمل هذا الثقل وحدها.

"سالم،" بدأت بصوتٍ مرتجفٍ قليلًا، "هل لي أن أسألك عن شيءٍ يشغل بالي؟"

نظر إليها سالم بعينيه الحانيتين، وقال: "تفضلي يا حبيبتي. أنتِ تعرفين أني أحب أن أسمع منكِ كل شيء."

"لقد سمعتُ بعض الأخبار مؤخرًا، عن مشاكل مالية يمر بها والد عادل، وعن مشروعٍ استثماري له تعرض لانتكاسة." قالت نور، وهي تراقب تعابير وجهه عن كثب.

رفع سالم حاجبيه بتعجبٍ خفيف، وقال: "هل حقًا؟ لم أسمع شيئًا عن هذا. متى حدث هذا؟"

شعرت نور ببعض الارتياح لرؤية تعجبه، ولكنه لم يحل لغز الصمت. "لا أدري متى بالضبط، ولكنها أخبارٌ وصلتني. وهل سمعتَ أنتَ شيئًا، ربما عن استشاراتٍ قدمتها له، أو عن شراكاتٍ كان يخوضها؟"

تأمل سالم للحظة، ثم هز رأسه بالنفي. "لا، لم أقدم له أي استشاراتٍ مؤخرًا. كانت آخر مرة قبل وقتٍ طويل، كما أخبرتكِ. أما عن شراكاته، فهذا شيءٌ بينه وبين شركائه. ليس من عادتي التدخل في تفاصيل أعمال الآخرين إلا إذا طلبوا مني ذلك صراحةً."

"ولكن، هل كنتَ على علمٍ بأن والد عادل يمر بضائقةٍ مالية؟" سألت نور، محاولةً أن تصل إلى جوهر المشكلة.

تنهد سالم تنهيدةً خفيفة، وبدت عليه بعض علامات الحيرة. "نور، أنا أقدر قلقكِ. وأنا أقدر ثقتكِ بي. ولكن، أنا في مجال الاستشارات المالية. نتعامل يوميًا مع الكثير من الشركات والأفراد. ليس من المستحيل أن يكون هناك أشخاصٌ يمرون بضائقاتٍ مالية. ولكن، ليس كل شخصٍ أعرفه أو أتعامل معه، يجب أن أكون على اطلاعٍ دائمٍ بتفاصيل مشاكله المالية. هذا ليس من عملي، وليس من أخلاقيات المهنة أن أفشي أسرار العملاء."

"ولكن، إذا كان والد عادل شخصًا قريبًا من دائرة عملك، ألا يجب أن تكون لديكَ فكرة؟" قالت نور، تحاول أن تجد التبرير المنطقي.

ابتسم سالم ابتسامةً خفيفة، وقال: "نور، دائرة عملي واسعة جدًا. ومعظم الأشخاص الذين أتعامل معهم، هم من العملاء. عمي، والد عادل، لم يكن عميلاً مباشرًا لي منذ فترةٍ طويلة. إذا كان يمر بمشاكل، فالأمر يعود إليه وإلى مستشاريه."

"ولكن، هل أنتَ متأكدٌ تمامًا أنك لم تسمع أي شيء؟" سألت نور، وهي تشعر بأنها لا تزال تلاحق ظلالًا.

نظر إليها سالم، وبدت عيناه تحملان مزيجًا من الحزن والتساؤل. "نور، لماذا هذا التركيز الشديد على هذا الموضوع؟ هل هناك شيءٌ تقوله لي مها؟"

كانت مواجهة سالم المباشرة كافيةً لتجعل نور تشعر بأنها قد تجاوزت الحد. لقد أرادت أن تجد الحقيقة، ولكنها لم ترد أن تبدو وكأنها تحقق معه.

"لا، ليس الأمر كذلك. فقط سمعتُ بعض الهمسات، واهتممتُ بالأمر لأننا عائلة واحدة، وقلقي على عائلتنا طبيعي." قالت نور، وهي تحاول أن تبدو هادئة.

"أنا أتفهم قلقكِ، ولكن يجب أن تتعلمي أن تفرقي بين الشائعات والحقائق. وفي مجال عملي، هناك الكثير من الشائعات. لا يمكنني أن ألاحق كل شائعةٍ أسمعها." قال سالم، وبدت نبرته تحمل بعض اللوم.

"ربما أكون قد بالغت في قلقي. ولكن، كنتُ أظن أننا نتشارك كل شيء." قالت نور، وشعرت بأن هناك فجوةً قد اتسعت بينهما.

"ونحن نفعل يا نور. ولكن المشاركة لا تعني التدخل في شؤون الآخرين، ولا تعني أن أخبركِ بكل شيءٍ عن كل شخصٍ أعرفه. هناك حدودٌ أخلاقيةٌ يجب أن نحترمها." قال سالم، وبدت نبرته أكثر حدة.

شعرت نور بأنها قد أخطأت. لقد دفعت سالم إلى موقفٍ صعب، وربما لم يكن من واجبها التدخل في هذا الأمر. لقد أرادت أن تتأكد من صدقه، ولكنها ربما فقدت جزءًا من ثقتها به في هذه المواجهة.

في الأيام التالية، بدأت نور تشعر بأن هناك تغييرًا طفيفًا في سلوك سالم. لم يكن باردًا، ولكنه كان أكثر حذرًا في حديثه عن عمله، وأكثر تحفظًا. كان يعاملها بحبٍ واحترام، ولكنه كان يشعر وكأنها قد بنت حاجزًا بينهما.

في إحدى المناسبات العائلية، التقت نور بعادل. كان يبدو شاحبًا ومتعبًا.

"كيف حالك يا عادل؟" سألت نور، تحاول أن تبدو ودودة.

"بخير، الحمد لله." قال عادل بابتسامةٍ باهتة. "الأمور صعبة بعض الشيء، ولكننا نصبر ونحتسب."

"أتمنى أن تتحسن الأمور قريبًا." قالت نور، وهي تشعر بالأسى.

"هذا ما نأمله. لقد تعلمنا درسًا قاسيًا هذه المرة." قال عادل، ثم أضاف بهدوء: "لو أن والدي استمع إلى نصيحةٍ سابقة، ربما لم نكن لنصل إلى هنا."

"نصيحة؟" سألت نور، وقد اشتعلت شرارة الفضول فيها مجددًا.

"نعم، نصيحةٌ قدمها له مستشارٌ ماليٌّ كنتُ أتحدث معه في السابق. كان يحذر من المخاطر المحتملة لهذا النوع من الاستثمارات. ولكن والدي، كالعادة، كان يظن أنه يعرف كل شيء."

"هل تعرف اسم هذا المستشار؟" سألت نور، متوقعةً أن تسمع اسم سالم.

هز عادل رأسه بالنفي. "لا، لم أعد أتذكر اسمه. كانت محادثةً سريعة. ولكن أعتقد أنه كان من إحدى الشركات الكبرى في المجال."

شعرت نور بخيبة أملٍ طفيفة. لم يكن سالم هو المستشار. إذاً، من كان؟ ومن هو هذا الشخص الذي سمعت عنه مها، والذي وصفته بأنه "قريبٌ من دائرة سالم"؟

في تلك الليلة، وبعد تفكيرٍ عميق، قررت نور أن تقوم بعملٍ جريء. أرادت أن تضع الأمور في نصابها، وأن تتخلص من هذا الشك الذي ينهش روحها. اتصلت بوالدتها.

"أمي، هل يمكنني أن أسألكِ عن شيءٍ؟"

"تفضلي يا حبيبتي."

"هل سمعتِ شيئًا عن مشاكل مالية يمر بها والد عادل؟"

ترددت والدة نور قليلاً، ثم قالت: "نعم، سمعتُ بعض الكلام. يبدو أن مشاريعه لم تكن موفقة. نسأل الله أن يفك كربه."

"وهل سمعتِ عن سبب هذه المشاكل؟ أو عن أي مستشارين ماليين كان يتعامل معهم؟"

"لا يا ابنتي، هذه أمورٌ لا أفهم فيها كثيرًا. ولكن يبدو أن هناك بعض الأخطاء في التقديرات."

"وهل سمعتِ شيئًا عن سالم؟ أو عن علاقته بالأمر؟" سألت نور، وقلبها يكاد يتوقف.

صمتت والدتها للحظة، ثم قالت بنبرةٍ هادئة: "يا ابنتي، سالم رجلٌ معروفٌ بأخلاقه وعمله. لا أعتقد أنه يمكن أن يتورط في أمرٍ يضر بسمعته، أو بسمعتكِ. إذا كان قد قدم أي استشارة، فربما كانت لغرضٍ إيجابي. ولكن، لا أريد أن أتحدث فيما لا أعلم."

شعرت نور بأنها قد وصلت إلى طريق مسدود. الكل ينكر، أو يتحاشى الحديث. ولكنها لم تستطع أن تنسى قلقها.

في اليوم التالي، ذهبت نور إلى زيارةٍ لوالدتها. وبينما كانت تتصفح بعض الأوراق القديمة في مكتب والدها، وقعت عيناها على دفتر ملاحظاتٍ قديم، يحمل اسم والدتها. فتحته، وبدأت تتصفح صفحاته. كانت معظمها تحتوي على ملاحظاتٍ حول الطبخ، وإدارة المنزل، وتربية الأطفال. ولكن في إحدى الصفحات، وجدت شيئًا لفت انتباهها.

كانت عبارةً مكتوبةً بخط والدتها، تقول: "يجب أن أبقي الأمور معقدة. سالم رجلٌ طيب، ولكنه في بعض الأحيان لا يرى الصورة كاملة. قد يحتاج إلى بعض التوجيه، ولكن ليس بشكلٍ مباشر. سأحاول أن أجعل نور ترى الأمور بعينها، وأن تتخذ قراراتها بنفسها. هذا هو الامتحان الحقيقي، امتحان الصدق وعمق الإيمان."

تجمدت نور في مكانها. ما الذي تعنيه والدتها؟ "تبقي الأمور معقدة"؟ "لا يرى الصورة كاملة"؟ "امتحان الصدق وعمق الإيمان"؟

نظرت نور إلى الورقة، ثم إلى مكتب والدها. أدركت حينها أن هناك لعبةً خفيةً تدور من حولها. وأن والدتها، ربما، كانت تدرك شيئًا كانت نور غافلةً عنه. وأن هذه المشاكل المالية، وهذا الصمت من سالم، لم تكن مجرد صدفة، بل كانت جزءًا من اختبارٍ أعمق. اختبارٍ لصدق مشاعرها، ولعمق إيمانها بسالم، ولقدرتها على رؤية الحقيقة خلف ستار التعقيدات.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%