الحب الأول الجزء الثالث

همس الياسمين في ليل الأرق

بقلم مريم الحسن

كانت رائحة الياسمين تفوح في جنبات البيت، متسللة عبر شقوق النوافذ المفتوحة، لتعانق أنف سارة وهي مستيقظة في سكون الليل. لم تكن تلك الرائحة وحدها ما يمنع جفونها من الاستسلام للنوم، بل كان هناك شيء أثقل، شيء يختمر في صدرها كغيمة سوداء تنذر بعاصفة. جلست في فراشها، تتأمل خيوط ضوء القمر الباهتة وهي ترقص على سجادة الغرفة، كأنها ترسم خريطة لمستقبل غامض، مستقبل لم تعد تملك القدرة على رسم ملامحه.

في الخارج، كانت أصداء الحياة قد خفتت. لم يعد يُسمع سوى حفيف أوراق الشجر وهي تتمايل في هبوب الريح، ونداءات بعض القطط المتجولة، وأحيانًا، ضحكة مكتومة قادمة من منزل مجاور، تزيد من شعورها بالوحدة. لقد اعتادت سارة على هذا الهدوء الليلي، بل كانت تتنفسه، فهو يمنحها مساحة للتفكير، للتأمل، وللتخفي من عالم النهار الصاخب، عالم كان يتطلب منها قناعًا دائمًا من الصلابة واللامبالاة.

لكن هذه الليلة، كان الصمت أشد وطأة، وكأن جدران غرفتها بدأت تضيق عليها، تهمس لها بأسرار لم تكن مستعدة لسماعها. مدت يدها لتلمس النافذة، وكان الهواء البارد يلامس بشرتها، منعشًا ولكنه بارد كبرد اليقين. تذكرت حديثها مع والدتها قبل ساعات قليلة، حديث لم ينتهِ، بل طُوي ليُعاد فتحه في فجر جديد، فجر لا تعلم إن كانت ستستقبله بقلب مطمئن.

"يا ابنتي، متى ستقررين؟" سألتها الأم بصوت حمل مزيجًا من الشفقة والحزم، بينما كانت تجلس على الأريكة في غرفة المعيشة، تلفها عباءة صوفية داكنة. كانت عيناها، اللتان طالما عرفتا بعمق الحنان، تحملان الآن قلقًا يخترق روح سارة.

أجابت سارة بصوت متعثر، وهي تنظر إلى الأرض: "أمي، الأمر ليس بهذه البساطة. أنا... أنا أحتاج وقتًا."

"وقتًا؟" ارتفع صوت الأم قليلاً، "كم من الوقت تحتاجين يا سارة؟ لقد أتيحت لكِ الفرصة، والفرصة هنا تقرع الباب. الأستاذ خالد شاب تقي، حسن الخلق، متعلم، ومن أسرة طيبة. ما الذي تنقصكِ فيه؟"

تنهدت سارة بعمق، وشعرت بأن صدرها يمتلئ بالكلمات العالقة. "ليس نقصًا فيه يا أمي، ليس نقصًا. لكن قلبي..." توقفت، لأنها لم تكن تجد الكلمات المناسبة لوصف ما يعتمل في قلبها. كيف تشرح لأمها أن قلبها لم يعد ملكها وحدها، وأن هناك ذكرى، صوتًا، ابتسامة، قد استوطنت روحها دون استئذان؟

"قلبك؟" كررت الأم، وقد ارتسمت على وجهها علامات الاستغراب، ثم خيبة الأمل. "أظن أن قلبكِ قد تشبع بالوهم يا سارة. أظن أنكِ تعيشين في عالم من الخيال. واقع الحياة مختلف. الزواج ليس مجرد حلم وردي، بل هو شراكة، مسؤولية، بناء أسرة. والأستاذ خالد يمثل لكِ كل هذا. إنه الزوج الذي تتمناه كل أم لابنتها."

كانت كلمات والدتها كلسعات النحل، مؤلمة لأنها تحمل في طياتها الحقيقة، حقيقة أن سارة قد انحرفت عن الطريق المتوقع لها، عن الطريق الذي رسمته لها الأسرة والمجتمع. لطالما كانت سارة الفتاة المثالية، المتفوقة في دراستها، البارة بوالديها، الملتزمة بتعاليم دينها. والآن، تقف على مفترق طرق، تشعر بأنها تخون كل ما تمثله، لمجرد... لمجرد ذكرى.

خرجت سارة من ذلك النقاش وهي تشعر بالذنب، وبإحساس غريب بالتمرد. لم يكن التمرد عليها، بل عليها هي نفسها. على ضعفها، على تعلقها بشيء قد يكون وهمًا، بشيء قد لا يكون له وجود إلا في خيالها.

عادت سارة بنظرها إلى النافذة، والأمل يخالجها بأن الفجر سيجلب معها وضوحًا. لكن الليل كان لا يزال في أوجه، والليالي الطويلة غالبًا ما تكون مرآة صادقة للروح، تكشف ما تخفيه الأيام. تذكرت ذلك اللقاء الأول، الصدفة التي جمعتهما في معرض الكتاب، كيف بدأ الحديث عن رواية قديمة، وانتهى بحديث عن الحياة، عن الأحلام، عن الشغف. كان صوته هادئًا، ولكنه يحمل عمقًا، وعيناه كانتا تشعان بذكاء وفهم عميق. كان اسمه "أدهم".

لم يدم لقاؤهما طويلاً، ولم يكن لقاءً ذا أهمية بالنسبة للعالم، لكنه كان كذلك بالنسبة لسارة. تبادلا أطراف الحديث، ثم افترقا، كأن شيئًا لم يكن. لكن في قلب سارة، ترك اللقاء أثرًا. لم يكن ذلك حبًا متوهجًا، بل كان إعجابًا شديدًا، شعورًا غريبًا بالراحة والألفة، كأنها تعرفه منذ زمن بعيد.

ثم جاءت الرسالة. رسالة بريد إلكتروني، لم تكن تتوقعها أبدًا. كانت من أدهم. كتب فيها عن تلك الرواية، وعن حديثهما، وعن أمله في لقاء آخر. تلعثمت سارة، وشعرت برجفة تسري في جسدها. لم ترد على الفور، فقد كانت تعلم أن هذه الخطوة قد تكون بداية لشيء قد لا يكون مسموحًا به.

مرت أيام، ثم أسابيع. لم ترد سارة، لكن الرسائل كانت تصل، بريئة في ظاهرها، تتحدث عن الكتب، عن الثقافة، عن الحياة. كانت سارة تقرأها في سرها، تشعر بالبهجة وهي تكتشف تشابهًا في الأفكار، وفي وجهات النظر. كان أدهم يمتلك حسًا مرهفًا، ورؤية للعالم تلامس شغف سارة.

ثم جاءت الفرصة. فرصة للعلم، لورشة عمل مكثفة عن الأدب، في مدينة أخرى. كتب لها أدهم، يعرض عليها المساعدة في ترتيب أمور السفر، ويرجو أن يلتقيا هناك. قلب سارة كان يرقص بين الخوف والأمل. كانت تعلم أن لقاءً كهذا قد يكون له عواقب.

في تلك الأثناء، تقدم لخطبتها الأستاذ خالد. كان الأمر مفاجأة، ولكنها كانت مفاجأة سارة للأسرة. خالد، ابن الجيران، الذي عرفته سارة منذ الطفولة، شاب يعرفه الجميع، ويتفق الجميع على خلقه ودينه. كان عريسًا مثاليًا، كما تقول والدتها.

جلست سارة على طرف السرير، وحاولت أن تجمع شتات أفكارها. كان الياسمين لا يزال يفوح، يعطر ليلها. ولكن رائحته لم تعد تمنحها الهدوء، بل أصبحت تذكرها بالوعد، بالخيار، وبالقلب الذي لم يعد يملك السيطرة عليه. كيف يمكن للقلب أن يحكم، حينما يكون العقل يبحث عن الأمان؟ وكيف يمكن للعقل أن يقود، حينما تشعل المشاعر بركانًا في الروح؟

كانت تعلم أن القرار الذي ستتخذه سيغير مجرى حياتها. هل ستقطع حبل الوصل مع ذكرى جميلة، لتستقبل حياة عملية وهادئة؟ أم ستغامر بكل شيء، لأجل شعور، لأجل أمل، لأجل شخص قد يكون مجرد سراب في صحراء الحياة؟

أغمضت عينيها، وتمنت أن ترى في المنام ما يكشف لها الطريق. لكن سكون الليل لم يكن سوى صدى لضجيج أفكارها. كانت أمامها ليلة طويلة، وليلة الأرق دائمًا ما تكون بداية لحكاية جديدة. همس الياسمين في أذنها، وكأن الطبيعة تشاركها حيرتها، أو ربما، كانت تهمس لها بالهدوء، بالصبر، وبأن لكل قصة فصولاً، ولكل فصل نهايته التي تقود إلى بداية أخرى.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%