الحب الأول الجزء الثالث
رياح الشك وشجرة الولاء
بقلم مريم الحسن
استمر صمت عمر يخيم على سارة كغيومٍ ثقيلةٍ تمنع نور الشمس من الوصول. مرت ثلاثة أيامٍ منذ مكالمتهما الأخيرة، ولم يتصل بها عمر. كانت كل لحظةٍ تمر كأنها دهرٌ في انتظارٍ مؤلم. حاولت سارة أن تظهر لأسرتها أنها بخير، لكن عينيها كانتا تفضحان ما يعتمل في صدرها. كانت تقضي ساعاتٍ طويلةً في غرفتها، تتلو القرآن، وتدعو الله أن يربط على قلبها، وأن يهدي عمر، وأن يكشف لها ما هو خافٍ.
في يومٍ من الأيام، تلقت سارة اتصالًا من رقمٍ غريب. ترددت كثيرًا قبل أن تجيب، لكن فضولها كان أقوى. "نعم؟" قالت بصوتٍ مرتجف.
جاءها صوتٌ رجوليٌ عميق، بدا مألوفًا بطريقةٍ غريبة: "سارة؟ أخيرًا تجرأتِ على الإجابة."
ارتعش جسدها: "من أنت؟"
"ربما تتذكرينني. فواز. صديق الماضي."
اسمٌ كصدمةٍ كهربائيةٍ اخترق صمتها. فواز. الشاب الذي كانت معه في تلك الصور. الشاب الذي كان سببًا في الكثير من أخطائها القديمة. لم تسمع عنه منذ سنواتٍ طويلة، ولم تتوقع أبدًا أن يعود ليذكرها بماضيها.
"فواز؟ كيف... كيف حصلت على رقمي؟"
"الأشياء القديمة تجد طريقها دائمًا، أليس كذلك؟ أردت فقط أن أطمئن عليكِ. سمعت أنكِ ستتزوجين."
"هذا أمرٌ لا يعنيك." قالت سارة محاولةً أن تبدو قوية، لكن صوتها كان يخونها.
"بالتأكيد يعنيني. ما حدث بيننا لم يكن شيئًا يمكن نسيانه بسهولة."
"لقد نسيته. لقد تبت منه. أنا الآن في حياةٍ مختلفة."
"حياةٌ مختلفة؟ ولكن هل أنتِ متأكدةٌ أن الماضي لن يطاردك؟ أنتِ تعلمين أن لدي بعض الأشياء... بعض الذكريات التي يمكن أن تزعج حياتك الجديدة."
كان يهددها. كان يهددها بشكلٍ مباشر. شعرت سارة بالخوف يتغلغل في عروقها. "ماذا تريد يا فواز؟"
"لا أريد شيئًا. فقط أردت أن أشعر بالرضا. أن أعرف أنكِ لم تنسي كل شيء."
"لقد نسيت. ولقد مضيت قدمًا. أرجوك، لا تتصل بي مرةً أخرى." وقبل أن ينتظر ردًا، أغلقت الخط.
ظلت سارة تحدق في الهاتف، قلبها يخفق بعنف. كان فواز هو الشخص الذي في الصور. كان هو من أرسل لها الرسالة. لقد كان يتلاعب بها.
في تلك اللحظة، رأت والده عمر يدخل غرفتها. كان وجهه شاحبًا، وعيناه تحملان قلقًا لم تعهده فيه. "يا سارة، لقد جئت لأرى كيف حالك. سمعت أنكِ تتحدثين مع شخصٍ ما."
شعرت سارة ببعض الأمل. ربما يمكن لوالدها أن يساعدها. "أبي، لقد اتصل بي شخصٌ من الماضي. شخصٌ أردت أن أنساه." ثم أخبرته كل شيء عن فواز، وعن الرسالة، وعن تهديداته.
عندما سمع والدها القصة، ظهر على وجهه خليطٌ من الغضب والحزن. "يا ابنتي، كيف سمحتِ لهذه الأمور بأن تحدث؟ لماذا لم تخبريني من قبل؟"
"كنت خائفةً يا أبي. خائفةً من ردة فعلك، ومن أن أفسد كل شيء."
"الصدق هو أساس كل شيء، يا سارة. الآن، يجب أن نتعامل مع هذا الأمر بحكمة."
في نفس الوقت، كان عمر يشعر بصراعٍ داخليٍ كبير. كلماته القاسية لسارة جعلته يشعر بالندم. كان يعرف أنها تابت، وكان يجب عليه أن يدعمها. ولكن قلقه من المستقبل، وخوفه من أن تكون هناك جوانبٌ في حياتها لم يكشف عنها، جعلته يتردد.
قرر أن يذهب إلى منزل سارة. عندما وصل، وجد والدها يجلس معها. يبدو أن الحوار بينهما كان جادًا. عندما رآه والد سارة، استقبله بابتسامةٍ متكلفة.
"أهلًا بك يا عمر. تفضل بالجلوس."
جلس عمر، وشعر بالتوتر. "جئت لأتحدث مع سارة."
"بالتأكيد. ولكن ربما يجب أن نتحدث جميعًا. هناك أمرٌ مهمٌ حدث."
ثم أخبر والد سارة عمر بكل شيء عن فواز. كانت ردة فعل عمر مزيجًا من المفاجأة والصدمة. "إذًا، هذه هي "الصور القديمة" التي كانت تتحدث عنها سارة؟"
"نعم. وهي الآن تحاول تهديدها."
نظر عمر إلى سارة. هذه المرة، لم تكن عيناه تحملان اللوم، بل الشفقة والقلق. "يا سارة، أنا آسف. لقد كنت قاسياً عليكِ."
"لا بأس يا عمر. كنت قلقًا، وأتفهم ذلك."
"ولكن هذا لا يعني أننا سنسمح لأي شخصٍ بتعكير صفو حياتنا. يجب أن نتصرف بحكمة."
"ولكن كيف؟" سألت سارة. "إنه يهددني."
"لا تقلقي، سارة. لدي خطة." قال والد سارة بثقة. "علينا أولاً أن نثبت ما لديه. ربما لديه صورٌ أخرى. علينا أن نكون مستعدين."
"هل تقصد أن...؟" بدأ عمر.
"نعم. علينا أن نكون مستعدين للأسوأ." قال والد سارة. "ولكن الأهم هو أن نبقى متحدين. أنتِ وسارة، ويجب أن نكون نحن بجانبكما."
شعر عمر بشيءٍ من الارتياح. كان يريد أن يكون قويًا من أجل سارة. وأن يحميها. "سارة، أعدكِ أننا سنتجاوز هذا معًا."
نظرت سارة إلى عمر، ورأت في عينيه صدقًا وإصرارًا. شعرت بأن دفء حب عمر بدأ يبدد البرد الذي كان يتسلل إلى قلبها. ولكنها في الوقت نفسه، كانت تعلم أن المعركة لم تنتهِ. فواز كان شخصًا لا يمكن التنبؤ بتصرفاته.
في مكانٍ آخر، كان أحمد، شقيق سارة، قد بدأ تحقيقاته الخاصة. استطاع أن يتتبع عنوان البريد الإلكتروني الذي أرسلت منه الرسالة الأولى. لم يكن عنوانًا حقيقيًا، بل كان عنوانًا مخفيًا، ولكنه كان كافيًا ليقوده إلى طريق. بدأ يربط النقاط، ويشعر بأن هناك مؤامرةً تحاك.
كانت الشكوك تساوره حول بعض الأشخاص الذين كانوا يعرفون سارة في الماضي. هل كان فواز يعمل بمفرده؟ أم كان هناك شخصٌ آخر يدعمه؟ شعر أحمد بمسؤوليةٍ كبيرةٍ تقع على عاتقه. يجب أن يكشف الحقيقة، وأن يحمي أخته من أي ضرر.
في تلك الليلة، لم يستطع أحمد أن ينام. كان يتأمل كل المعلومات التي جمعها. شعر بأن الشجرة التي بدأت تتكون في قلبه، شجرة الولاء لأخته، كانت تنمو بقوةٍ أكبر. وكان مستعدًا لقطع أي غصنٍ فاسدٍ يهددها.