الحب الأول الجزء الثالث
خيوط المؤامرة وتشابك المصائر
بقلم مريم الحسن
في جوٍ من الترقب المشوب بالخوف، اجتمع عمر بوالد سارة في مجلسٍ خاص. كانت الغرفة التي اجتمعوا فيها هادئة، تعكس جدية الموقف. نظر عمر إلى والد سارة، ورأى فيه أبًا قلقًا، لكنه كان أيضًا رجلًا يمتلك حكمةً ورزانة.
"يا عمي، أنا آسفٌ لما سببته سارة من قلقٍ لك." قال عمر بصدق.
ابتسم والد سارة ابتسامةً مرهقة. "لا عليك يا بني. أنت شابٌ غيورٌ على من تحب، وهذا شيءٌ طبيعي. ولكن علينا أن نتعامل مع هذه القضية بحكمةٍ وهدوء."
"ما هي خطتكم؟" سأل عمر.
"أولًا، يجب أن نتأكد مما يملكه فواز. هل لديه دليلٌ قويٌ يمكن أن يؤثر على سمعة سارة؟ وهل هناك من يقف خلفه؟"
"لقد بدأتُ في التحقيق في بعض الأمور." قال عمر، وتذكر كيف أمضى الليلة الماضية يبحث عبر الإنترنت عن أي معلوماتٍ تتعلق بفواز. وجد بعض الصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها كانت قديمةً جدًا. لم يعثر على شيءٍ ملموسٍ يدعم فكرة وجود شخصٍ آخر يدعم فواز.
"وكيف سنفعل ذلك؟" سأل والد سارة.
"أعتقد أننا بحاجةٍ إلى استدراج فواز. أن نجعله يكشف عن نواياه الحقيقية، وما لديه من معلومات."
"وهل هذا ممكن؟"
"ربما. إذا استخدمنا ذكاءنا. سارة، كما تعلم، لا تزال متأثرةً بما حدث. ربما يمكننا استغلال هذا."
"لا أريد أن أتعب سارة أكثر." قال والد سارة بقلق.
"بالطبع لا. ولكن ربما يمكننا أن نجعلها تتواصل معه، بحذرٍ شديد. أن تجعله يعتقد أنها مهتمةٌ بما يقول، وأنها تخشى ما يملكه."
"وهذا قد يعرضها للخطر."
"لن يحدث ذلك. سأكون معها، وسنأخذ جميع الاحتياطات اللازمة. الهدف هو أن نجعل فواز يكشف عن أكبر قدرٍ ممكنٍ من المعلومات، وربما نتمكن من تسجيل هذه المحادثات."
"هذا يبدو خطيرًا."
"نعم، ولكنه قد يكون الحل الوحيد. فواز يبدو شخصًا يتباهى بما يملكه، ولذلك قد يكون مندفعًا في كلامه."
في هذه الأثناء، كان أحمد، شقيق سارة، قد توصل إلى نتيجةٍ مثيرةٍ للقلق. من خلال تتبع عنوان البريد الإلكتروني، اكتشف أن الرسالة قد أُرسلت من مقهىً معروفٍ في وسط المدينة. والأكثر إثارةً للقلق، أنه اكتشف من خلال أحد أصدقائه العاملين هناك، أن فواز كان يتردد على هذا المقهى بشكلٍ شبه يوميٍ في الأيام الأخيرة، وكان يجلس دائمًا في زاويةٍ معينة، ويتحدث في هاتفه بصوتٍ منخفض.
الأهم من ذلك، أن أحد العاملين في المقهى، شخصٌ يعرفه أحمد جيدًا، أخبره أنه رأى فواز يتحدث مع رجلٍ آخر، رجلٌ يبدو عليه أنه في أواخر الأربعينات، ذو مظهرٍ أنيق، وكان يبدو أنهما يناقشان شيئًا مهمًا. لم يسمع أحمد التفاصيل، لكن وصف الرجل كان غريبًا.
عاد أحمد مسرعًا إلى المنزل، وأخبر والدته بما اكتشفه. كانت والدته، السيدة فاطمة، قلقةً جدًا على سارة. "يا أحمد، هل أنت متأكدٌ مما تقول؟"
"نعم يا أمي. يبدو أن هناك شخصًا آخر متورطًا. فواز ليس وحده."
"يا إلهي! من قد يكون هذا الرجل؟ ولماذا يفعلون هذا بسارة؟"
"لا أعرف بعد. ولكنني سأكتشف ذلك."
في بيت سارة، كانت الأجواء لا تزال متوترة. كانت سارة تحاول أن تبدو قوية، ولكن خلف واجهة الهدوء، كانت تشعر بخوفٍ عميق. بعد نقاشٍ طويل، وافق والدها على خطة عمر، لكنه كان يشعر بقلقٍ شديد.
"سارة، هل أنتِ مستعدةٌ لذلك؟" سأل عمر.
"نعم، أنا مستعدة. أريد أن أنهي هذا الأمر. لا أريد أن أعيش في خوفٍ دائم."
"حسنًا. سنفعل ذلك غدًا. سأحضر جهاز تسجيلٍ صغيرًا، وسنحرص على أن تكوني في أمانٍ تام."
في اليوم التالي، جلست سارة في غرفتها، قلبها ينبض كطائرٍ محبوس. كانت ترتدي ملابس بسيطة، لكنها شعرت بأنها في ساحة معركة. عمر كان في غرفةٍ مجاورة، يتأكد من أن جهاز التسجيل يعمل بشكلٍ جيد.
جاء اتصالٌ من فواز. "يا سارة، كيف حالك؟ هل فكرتِ فيما قلته لكِ؟"
"فواز، أرجوك. لا تتحدث معي بهذه الطريقة." قالت سارة محاولةً أن تبدو خائفةً ومتأثرة.
"لماذا؟ هل أنتِ خائفةٌ من أن يعرف خطيبكِ؟"
"لا، ليس الأمر كذلك. ولكن... ما هي الأشياء التي تتحدث عنها؟"
"فقط بعض الأشياء القديمة. ذكرياتٌ مشتركة. صورٌ... ربما أرسلتها لكِ."
"أعلم أنك أرسلتها. ولكن... هل لديك المزيد؟" سألت سارة، وكانت هذه هي اللحظة الحاسمة.
ابتسم فواز بصوتٍ مسموع. "بالطبع لدي المزيد. لدي الكثير. والأهم من ذلك، لدي أشخاصٌ يريدون أن يروا هذه الأشياء. أشخاصٌ... مهمون."
"من هم هؤلاء الأشخاص؟" سألت سارة، وقلبها يدق بعنف.
"دعيني أقول فقط، إنهم لا يحبون المفاجآت. وهم مستعدون لدفع ثمنٍ غالٍ مقابل المعلومات."
"ولماذا تخبرني أنت بهذا؟"
"لأنني أحب أن أشاهد الفوضى. ولأنني أعتقد أنكِ تستحقين أن تعرفي."
"وماذا تريد منهم؟"
"هم يريدون السيطرة. السيطرة على الأشخاص الذين يعتقدون أنهم أقوياء."
"هل تقصد...؟"
"لن أقول المزيد. ولكن فكري في الأمر يا سارة. إذا أردتِ المزيد من التفاصيل... أنتِ تعرفين كيف تجدينني."
أنهى فواز المكالمة. شعرت سارة بالرعب. كان يلمح إلى شيءٍ كبير، إلى مؤامرةٍ تتجاوز مجرد الانتقام الشخصي. كان هناك أشخاصٌ مهمون، يريدون السيطرة.
خرجت سارة من غرفتها، ووجهها شاحب. ذهبت إلى عمر. "لقد فعلتها. لقد تحدثت معه."
"وماذا قال؟"
"قال... قال إن هناك أشخاصًا مهمين يريدون السيطرة. وأنه يحب أن يشاهد الفوضى."
أمسك عمر بيدها. "لا تقلقي. لقد سجلت كل شيء."
نظر والد سارة إليهما، وعيناه مليئةً بالقلق. "يبدو أننا ندخل إلى عالمٍ خطير."
"نعم، ولكننا سنواجه هذا معًا." قال عمر بحزم. "لقد اكتشفنا جزءًا من اللغز، والآن علينا أن نكتشف الباقي."
في تلك الليلة، بينما كان الجميع يحاولون استيعاب ما حدث، شعر أحمد بالارتياح لأنه توصل إلى معلومةٍ مهمة. ولكنه في نفس الوقت، كان يشعر بقلقٍ متزايد. من هم هؤلاء الأشخاص المهمون؟ وما هي علاقتهم بفواز؟ وما هي خطتهم؟ كان يعلم أن المعركة قد بدأت للتو، وأن هناك المزيد من الخيوط التي يجب أن يكشفها.