الحب الأول الجزء الثالث
لقاء تحت سماء القمر
بقلم مريم الحسن
كانت السماء الليلة تزهو بآلاف النجوم، وكأنها تتنافس في إبراز سحرها وجمالها، تتلألأ فوق واحة "النخيل الذهبية" التي تحتضن قصتها. هواء المساء كان يحمل عبق الياسمين الممتزج برائحة التراب الندي بعد رشاش خفيف، يداعب الوجوه بلمسة منعشة. جلست ليليان على شرفة منزلها المطل على البساتين، تتأمل وجه القمر الباسم، وقد لفّها شعور عميق بالحنين والترقب. لم تكن تعلم ما يخبئه لها القدر، ولكن قلبها كان ينبض بإيقاع غريب، مزيج من الأمل والقلق.
مرت أسابيع منذ آخر لقاء جمعها بعمار. كانت تلك الأيام ثقيلة، كل لحظة فيها كانت تتمدد، وكل دقيقة تحمل معها سؤالاً بلا جواب. كانت تحاول جاهدة أن تشغل نفسها، تعود إلى مكتبتها الواسعة، وتقضي ساعات بين رفوف الكتب التي لطالما كانت ملاذها. قرأت عن تاريخ الأندلس، وعن حضارة قرطبة العريقة، وعن أساطير البحر الأبيض المتوسط. لكن حتى السطور كانت تحمل في طياتها صدى صوته، وهمساته التي كانت تعيش في أعماق ذاكرتها.
في إحدى الأمسيات، وبينما كانت تتصفح مخطوطات قديمة عن العمارة الإسلامية، تلقت رسالة. لم يكن اسمها على الظرف، بل رمز غريب، شكل نجمة خماسية محاطة بدائرة، وهي نفس العلامة التي كانت تزين قلادة أهدتها لها جدتها ذات يوم، والتي كانت دائماً تذكرها بعمار. فتحت الرسالة بيدين مرتعشتين. لم يكن فيها سوى بضع كلمات، بخط أنيق ومميز: "النخلة الشاهقة، الساعة عند بزوغ القمر. أمانة."
قلبها تسارع. "النخلة الشاهقة"؟ كان هناك نخلة وحيدة، أطول وأكثر إثماراً من أي نخلة أخرى في حديقة منزل عائلتها، تقع في أقصى الزاوية الغربية، قرب السور القديم. لطالما كانت تلك النخلة نقطة ارتكاز في ذاكرتها، مكان لعبت تحتها وهي طفلة، ومكان شهد أول حديث ودي بينها وبين عمار، حين كانا في بداية رحلة التعارف.
تسللت الخيوط الذهبية من النافذة، تشير إلى اقتراب موعد اللقاء. ارتدت ليليان عباءة فضفاضة بلون الليل، ووشاحاً حريرياً طرزته بخيوط فضية، زادها وقاراً وجمالاً. وضعت عطرها المفضل، الذي كان يحوي نفحات من الورد البلدي والمسك، ثم خرجت بخفة، تتسلل كظلال بين أشجار الزيتون والبساتين، حتى وصلت إلى النخلة الشاهقة.
كان القمر قد بدأ يرتفع في كبد السماء، يسكب ضياءه الفضي على المكان، محولاً البساتين إلى لوحة سريالية. وقفت ليليان تحت النخلة، تراقب الظلال الراقصة، وقلبها يقرع طبول الانتظار. هل سيأتي؟ هل كانت هذه مجرد خدعة؟
بعد لحظات بدت وكأنها دهر، سمعت خطوات خفيفة تقترب. استدارت، ورأت ظله يتجسد بين الأشجار. كان عمار. بدت خطواته ثقيلة، لكن عينيه كانتا تلتمعان في ضوء القمر. اقترب منها ببطء، وعلى وجهه مزيج من التردد والأسف.
"ليليان..." همس باسمها، وصوته كان أعمق وأكثر خشونة من المعتاد.
"عمار..." ردت ليليان، صوتها بالكاد خرج، مختنقاً بمشاعر متضاربة.
وقف أمامها، يمسك بيديه شيئاً ملفوفاً بقماش مخملي داكن. "آسف لهذا اللقاء المفاجئ، لكن كان لابد لي أن أراكِ، وأن أضع حداً لهذا الصمت الذي أصبح لا يُحتمل."
"لم يكن الصمت هو ما لا يُحتمل، يا عمار، بل ما خلفه." قالت ليليان، عيناها تنظران مباشرة إلى عينيه، تبحثان عن إجابة، عن تفسير.
"أتفهم ألمك، وأعلم أن كلماتي قد لا تكفي لتمحو ما حدث. ولكنني جئت اليوم لأشرح، لأعتذر، ولأطلب منكِ فرصة لتصحيح ما يمكن تصحيحه." مدّ لها الشيء الذي كان يحمله. "هذه هدية بسيطة، أتمنى أن تمنحيني فرصة لأشرح معنى هذه الهدية."
فتحت ليليان القماش برفق. وجدت بداخله كتاباً قديماً، مجلداً بالجلد، مزخرفاً بنقوش ذهبية. كان كتاب شعر، ولكن ليس أي كتاب. عرفت على الفور أنه نسخة أصلية من ديوان "جبران خليل جبران" الذي كانت تبحث عنه منذ زمن طويل، والذي كان عمار يعرف شغفها به.
"كيف... كيف عرفت؟" سألت بدهشة.
"لا شيء عنكِ يخفى عليّ، ليليان." قال عمار، وابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه، لكنها لم تصل إلى عينيه. "كنتِ دائماً كتاباً مفتوحاً بالنسبة لي، رغم أنني لم أتقن قراءة كل صفحاته. هذا الديوان، هو تذكير بأن أجمل الأشعار، وأعمق المشاعر، تحتاج إلى لغة تفهمها القلوب. ولغتكِ، ليليان، هي لغة الحب التي أتمنى أن نتعلمها معاً، بلغة الحلال."
كانت كلماته تتدفق كالنهر، تحمل معها سيولاً من المشاعر. شعرت ليليان أن جداراً من الجليد بدأ يذوب في قلبها. لم يكن الأمر سهلاً، فجراح الماضي كانت عميقة. لكن نظرة عمار، صدقه الظاهر، والأمل الذي رأته في عينيه، جعل قلبها ينبض بقوة.
"الفرصة، يا عمار، لا تُمنح بسهولة." قالت ليليان، تحاول أن تبقي صوتها ثابتاً، لكن صوتها كان يرتجف قليلاً. "ولكن... قد أستمع."
كانت هذه الكلمة، "أستمع"، بمثابة بداية. بداية جديدة، أو ربما محاولة لإعادة بناء ما تهدم. وقفت ليليان هناك، تحت سماء القمر، مع الكتاب القديم في يديها، ومع رجل تحمل ذاكرتها له الكثير، الكثير. أما ما سيحدث بعد ذلك، فكان سراً تخبئه الأيام القادمة، والأقدار التي بدأت ترسم خيوطها من جديد.