الحب الأول الجزء الثالث

صدى الأسئلة القديمة

بقلم مريم الحسن

تسللت أصوات الليل إلى غرفة الدراسة، تحكي حكايات الأزمنة الغابرة. كانت ليليان تجلس إلى مكتبها، وقد وضعت ديوان جبران المهدى أمامها. لم تستطع أن تقاوم، ففتحت الصفحة الأولى. كانت الكلمات تنزلق من الورق، تنقش نفسها في روحها. "يا وطني! يا وطني! ما أعذب اسمك!"، هذه البداية وحدها كانت كافية لتشعل فيها نار الأسئلة. كيف لرجل مثل عمار، أن يعود بعد كل ما حدث، ليبدأ من جديد؟ هل كان كلامه مجرد كلمات عابرة، أم كان يحمل في طياته وعداً صادقاً؟

كانت العلاقة بين ليليان وعمار قد بدأت كزهرة رقيقة في فصل الربيع، تتفتح ببطء، تتغذى على الاهتمام والاحترام المتبادل. كانت لقاءاتهما الأولى في "مقهى الحكمة"، حيث كانا يتبادلان الأحاديث حول الكتب والأدب والفن. كان عمار شاباً طموحاً، يتمتع بذكاء حاد وطموح لا يلين. كان يحب ليليان، لكن حبه كان ممزوجاً ببعض التملك، وببعض الأفكار التي بدأت تتضارب مع قناعات ليليان العميقة.

تذكرت ليليان كيف بدأت الشكوك تتسلل إلى قلبها. لم يكن عمار يخونها، ولا كان يظهر عليها أي سلوك مشين. لكن كانت هناك أشياء صغيرة، تلميحات، مواقف، بدأت تشعرها بأن هناك شيئاً ما ليس على ما يرام. كان الأمر يتعلق بشخصيته، بتصرفاته التي بدت في بعض الأحيان متناقضة مع القيم التي تربت عليها، والتي وجدتها في عمار في البداية.

كان والدها، الشيخ عبد الله، رجلاً حكيماً، صاحب بصيرة ثاقبة. كان دائماً يقول لها: "يا ابنتي، الحب الحقيقي لا يعتمد على المشاعر فقط، بل على التوافق الروحي والعقلي، وعلى المبادئ التي تجمع بين قلبين. والزواج، هو بناء أسرة، وهو مسؤولية كبيرة، يتطلب الصبر والتفاهم، والحذر من كل ما يغضب الله."

ولعل أخطر ما واجهته ليليان في علاقتها بعمار، كان الموقف المتعلق بصديقتها المقربة، سارة. سارة، فتاة طيبة القلب، لكنها كانت تعاني من ظروف عائلية صعبة، وكانت دائماً تبحث عن شخص يسمعها ويفهمها. في إحدى المرات، عندما كانت ليليان تعاني من مرض، ذهب عمار لزيارتها، وكانت سارة موجودة. لم يكن هناك شيء مشين في اللقاء، لكن عمار، بطريقة ما، استغل ضعف سارة، وبدأ يقدم لها وعوداً وهمية، معتقداً أنه بذلك يكسب ود ليليان، ويثبت لها قدرته على التأثير في المحيطين بها. لم تكن ليليان تعرف تفاصيل ما حدث بالضبط، لكنها شعرت بالضيق الشديد، وبالخيانة. عندما واجهته، لم يعترف بخطئه بوضوح، بل حاول تبرير موقفه، مما زاد من تشككها.

"كنت أظن أنني أفعل ما هو صواب، ليليان. كنت أريد أن أظهر لكِ مدى اهتمامي بكِ، ومدى حرصي على أن تكوني سعيدة." قال لها عمار وقتها.

"السعادة، يا عمار، ليست في manipulation، وليست في استغلال ضعف الآخرين. السعادة في الصدق، وفي النزاهة، وفي البعد عن كل ما يغضب الله. وما فعلته، كان بعيداً كل البعد عن ذلك." أجابت ليليان بحزم، وقلبها ينفطر ألماً.

لقد كانت تلك اللحظة الشرارة الأولى التي أشعلت فتيل الشك العميق في قلبها، وزادت من المسافة بينهما. لم تستطع أن ترى في عمار ذلك الرجل الذي كانت تتخيله شريك حياتها، الزوج الذي سيحترم قناعاتها، ويدعمها في مسيرتها.

الآن، بعد كل هذا الوقت، وبعد أن أعاد لها ديوان جبران، وبعد تلك الكلمات التي قالها تحت النخلة الشاهقة، شعرت ليليان بأنها تقف على مفترق طرق. هل كان بإمكانه أن يتغير؟ هل كان بإمكانه أن يفهم حقاً معنى الحب الحلال، المبني على الاحترام والتقدير المتبادل، وعلى الشراكة في بناء حياة ترضي الله؟

لم تكن ليليان مجرد فتاة تبحث عن الحب، بل كانت امرأة تبحث عن شريك حياة، عن سند، عن رفيق درب يقاسمها الحياة بإخلاص وتفانٍ، ويجعلها تشعر بالأمان والاطمئنان. كانت قناعاتها راسخة، وكانت لا تقبل المساومة على مبادئها.

في الأيام التالية، بدأت ليليان تستعيد شيئاً من هدوئها. كانت تقضي وقتها في قراءة ما تبقى من المخطوطات، وتساعد والدتها في شؤون المنزل، وتزور جدتها المريضة. كانت تحاول أن تعالج نفسها من جراح الماضي، وأن تستعيد قوتها الداخلية.

ومع ذلك، كان اسم عمار لا يزال يتردد في أفكارها. كانت تتذكر ضحكته، وطريقة نظرته إليها، وذكاءه، وشغفه بالمعرفة. كانت تتساءل في قرارة نفسها، هل كانت قاسياً عليه؟ هل كان من الممكن أن يكون هناك سوء فهم؟

في إحدى العصر، بينما كانت تتأمل لوحة قديمة في غرفة الجلوس، طرق باب منزلهم. فتحت والدتها، لتجد عمار يقف على الباب، يحمل في يده سلة مليئة بتمور "النخيل الذهبية" الفاخرة، وبضع زهور بيضاء كأنها تحمل ندى الصباح.

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته." قال عمار بابتسامة هادئة، لم تكن تحمل أي علامة للتحدي أو الغرور، بل كان فيها نوع من التواضع والرجاء.

توقفت ليليان عن التنفس للحظة. لم تكن تتوقع زيارته بهذه السرعة.

"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته." أجابت والدتها، ثم نظرت إلى ليليان بعينين تحملان سؤالاً صامتاً.

"تفضل يا بني، تفضل." دعت الأم عمار إلى الداخل.

كانت لحظة فارقة. هل كانت هذه بداية رحلة جديدة، أم مجرد تذكير بآلام الماضي؟ كانت الأسئلة القديمة لا تزال تتردد في الأجواء، تنتظر إجابات جديدة، أو ربما أسئلة أعمق.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%